شرح لامية شيخ الإسلام 9

الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام 9، الدرس التاسع : ( قُبْحاً لِمَنْ نَبَذَ القُرَانَ وَرَاءَهُ ... وَإِذَا اسْتَدَلَّ يَقُولُ قَالَ الأَخْطَلُ ). ألقاها

نبذ القرآن والاستدلال بغيره

يتحدث الشيخ عن نبذ القرآن وراء الظهر والاستدلال بغيره، ويبين قبح هذا الفعل وأنواع النبذ الحقيقي والمعنوي للقرآن. يعدد الطوائف التي فعلت ذلك وتستحق الدعاء عليها.

انتقاد منهج الأشاعرة في التأويل والتعامل مع النصوص

ينتقد الشيخ الأشاعرة لاستخدامهم التأويل لإخراج المعاني الظاهرة للقرآن إلى معان أخرى، ويبين تناقضهم في التعامل مع النصوص الدينية. يشير إلى خسارتهم في العلم والإيمان الصحيح بسبب منهجهم.

تأجيل الحديث والإشارة إلى أمور هامة

المقطع يشير إلى عدة أمور هامة ذكرها أهل العلم، ويختتم بالتأجيل إلى وقت لاحق مع ذكر أذكار الاستغفار والتوبة. يتم تصحيح رواية بيت شعر يتعلق بمكان البيان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس السابق الكلام على قوله رحمه الله: «وجميع آيات الصفات أمروها حقًا كما نقل الطراز الأول، وأرد عهدتها إلى نقالها، وأصونها عن كل ما يتخيل». واليوم بإذن الله عز وجل ندخل في قوله: «قبحًا لمن نبذ القرآن وراءه، وإذا استدل يقول قال الأخطل». قوله رحمه الله «قبحًا» هذا مصدر، وقبح قبحًا، وفيه دعاء من الشيخ رحمه الله تعالى على هذا الصنف من الناس ممن نبذ القرآن وراءه. ومعنى نبذ، أي طرح وترك، ومنه قولهم: نبذت النوى إذا طرحتها وألقيتها. فقوله «قبحًا لمن نبذ القرآن» كما سمعتم، فيه دعاء من الشيخ رحمه الله تعالى على هذا الصنف من الناس ممن ترك القرآن والاستدلال به والاكتفاء به، ونظر إلى غيره، كما في هذا البيت: «وإذا استدل يقول قال الأخطل». ويفهم من قوله «وإذا استدل يقول قال الأخطل» أن المراد بهؤلاء الصنف خاصة هم الأشاعرة. وقوله رحمه الله تعالى على أن قوله رحمه الله تعالى «قبحًا لمن نبذ القرآن»، النبذ قد يكون حقيقيًا، وقد يكون معنويًا. فمن النوع الأول ممن نبذ القرآن نبذًا حقيقيًا، أي رده وطرحه وألقاه، واعتاض بغيره من العقل الفاسد، طوائف من بني آدم، من هؤلاء جميع الملحدين، فهم لا ينظرون ولا يستدلون بكتاب الله عز وجل، بل يلقونه وراء ظهورهم. ومنهم كذلك ممن ينتسب إلى هذه الأمة وإلى هذه الملة، الباطنية، ردوا كتاب الله عز وجل ردًا مباشرًا؛ لأنهم قالوا مقالتهم الفاسدة الباطلة العاطلة: كل تنزيل له تأويل، أي كل ما جاء منزّلًا فله تأويل، ولكل ظاهر باطن. وبهذا هدم الدين كله، لذا كانت مقالتهم من أجنع المقالات، وكفرهم من أشد الكفر بل أشده. ومن هؤلاء أيضًا ممن ينتسب إلى هذه الملة ممن رد القرآن رأسًا مباشرة الجهمية المحضة، أتباع جهم؛ فقد ثبت في السنة لعبد الله بن أحمد، وكذا في غيره من المصادر، أن جهم بن صفوان قرأ قول الله عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: «لَوددت أنها لم تكتب هذه الآية». ثم قرأ حتى بلغ قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وقال مقالة فيها. وجاء أيضًا عند آية أخرى من آية الصفات، وقال: «ما هذا الكتاب؟ وما هذا القرآن؟» قال القائل الذي كان حاضرًا: «ثم وضعه بين قدميه ورماه ودفعه، وضعه بين قدميه ودفعه دفع المصحف»، أي القرآن. وهذا كذلك من هذا الباب ممن نبذ القرآن، طرحه ورماه، هذا الزنديق الخبيث. وهكذا طوائف كما سمعتم من بني آدم، هؤلاء طرحوا القرآن مباشرة، لذا كان هؤلاء كفرهم ظاهر ومتحقق لا يمتر فيه أولو الألباب والعقالاء من الناس، فضلًا عن خواصهم من العلماء. وطائفة أخرى وقسم آخر رد القرآن، ولكن رده لم يكن مباشرًا، بل رده بطريق التحريف، والذي سموه تأويلًا له وتهوينًا لأمره، بتأويل، وهذا كما سمعتم هو حال الأشاعرة، وهذا حال الأشاعرة. وقبلهم كذلك طوائف من المعتزلة، ولكن أشهر من اشتهر بهذا الأمر، أي بالتأويل، هم الأشاعرة، اشتهروا بهذا الأمر، فهم رد القرآن، أي رد الاستدلال بالقرآن، ولكن هذا الرد لم يكن رأسًا، ولكن كان بطريقة مرتوية، بطريقة سموها التأويل، وهي في الحقيقة تحريف وإخراج للنص عن معناه وعن ظاهره المراد الذي أراده الله عز وجل إلى معنى آخر وضعته لهم عقولهم. ما السبب في ذلك؟ السبب في ذلك ظنهم السيء بربهم عز وجل وبكلامه سبحانه وتعالى؛ فهم اعتقدوا أن ظاهر النصوص، ظاهر نصوص القرآن، التشبيه والكفر والعياذ بالله. الأشاعر كما نص بعضهم نصًا على هذا، فمن متأخريهم الصاوي، ومن المتقدمين الرازي، إلا أن الرازي أتى بعبارة منمقة، أتى بعبارة فيها نوع من زخرف القول، فقال: «إن ظاهر كتاب الله عز وجل ينبغي أو يجب حمله على غير ظاهره؛ يجب حمل كلام الله عز وجل على غير ظاهره؛ لأن حمله على ظاهره غير لائق بالله عز وجل»، أو نحو هذا الكلام. أما الصاوي فقال: «إن ظاهر القرآن التشبيه والكفر»، فاحتاجوا بعد ذلك إلى إخراج هذا الظاهر، فاحتاجوا إلى إخراج هذا الظاهر من معناه الظاهر إلى معنى آخر يليق بالله عز وجل بزعم هؤلاء، وسموا هذه الطريقة بالتأويل، وجعلوها هي الحق والميزان الذي يجب أن يكون، وخلافه لا يجوز، بمعنى أن من أخذ بالظاهر لا يجوز؛ لأنه في هذه الحالة قد شبّه الخالق سبحانه بمخلوقاته. فالشاهد من هذا أن ظنهم السيء بربهم عز وجل أرداهم، فصاروا بهذه الطريقة من الخاسرين، خسروا العلم الصحيح الناتج عن التصور الصحيح، ولازمه أن يخسروا كذلك الإيمان الصحيح؛ فهم عندهم إيمان، ولكنهم في هذا الباب ليس بصحيح، لذا هم كما يطلق عليهم العلماء أنهم أهل تأويل. ولولا هذا التأويل لحكم عليهم العلماء بالكفر، فالمانع من التكفير لهؤلاء هو التأويل، وإلا فإنهم كما سمعتم في الحقيقة قد ردوا القرآن، لكن بطريقة ملتوية بالتأويل. وهذا التأويل كان مانعًا من الحكم عليهم بالكفر. فالحاصل أن هؤلاء أوصلهم هذا الظن السيء بربهم عز وجل إلى هذا القول. وأيضًا في قول الشيخ رحمه الله تعالى: «وإذا استدل يقول قال الأخطل»، يشير أيضًا إلى سخافة عقول هؤلاء وإلى بلادتهم. وهكذا كل صاحب هوى؛ لأن الأخذ بالقرآن والتمسك به تمسك بنور الله عز وجل وبهدى الله عز وجل، وهذا يجعل العقل مستنيرًا، يزكي العقل ويهذبه، يزكي القلوب؛ لأنه مأخوذ من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، علم نافع، بخلاف علم هؤلاء؛ فهو كما سمعتم مأخوذ من غير الكتاب والسنة، وما كان كذلك كان دلالة على سخافة عقل هذا الذي لم يقتنع بكتاب الله عز وجل. لذا كان منهم الأذكياء، ولكنهم في حيرة: كيف يكون ذكيًا ولكنه محتار؟ الجواب: أن ذكاءه لم يكن ذكاء نافعًا، مزكى بكتاب الله عز وجل وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن كان ذكاء ليس بذكاء، أو قل عقلًا ليس بعقل. لذا كان مما ينبه عليه بعض العلماء في هذا الباب، وهو من باب كما قيل: الشيء بالشيء يذكر، يقال أو قال بعض أهل العلم: يقال في الكافر إذا كان ذكيًا يقال فيه أنه ذكي، ولا يقال فيه بأنه عاقل. ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما أن العقل ليس هو لمجرد إدراك المعلومات، ولكن لإدراك المعلومات والعمل بما ينفع، لذا كان عقل الكافر ليس بنافع؛ لأنه لم يعمل بما ينفعه، فلم يكن عاقلًا. فالشاهد من هذا أن هؤلاء الأشاعرة مما يدل على أن الله عز وجل حرمهم التوفيق، ووكّلهم إلى أنفسهم، وهذا هو حقيقة الخذلان: أن الله عز وجل يحرم العبد التوفيق ويكله إلى نفسه. فهؤلاء إذا جاءهم المستدل من أهل الحق من أهل السنة والإيمان، إذا استدل لهم بالآيات الكثيرة الواضحة البينة من كتاب الله عز وجل، أدلوا مثلًا على ثبوت كلام الله عز وجل وأنه حقيقي وأنه بلفظ وأنه بصوت وحرف، لم يقتنعوا بما في كتاب الله عز وجل؛ لماذا؟ للقاعدة الخبيثة التي وضعوها لأنفسهم، وهي عندهم قاعدتان في رد النصوص. الأولى أنهم لا يؤخذون عقائدنا بخبر الآحاد؛ لماذا قالوا؟ لأنه ظن الثبوت، والعقائد طريقها الجزم، فلا يستدل بالظن على ما كان طريقه الجزم. هذه القاعدة الأولى، أو قل هذا الحجاب الأول الذي وضعوه بينهم وبين كتاب الله عز وجل وبين سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فإذا ثبت الخبر بكتاب الله عز وجل، وهو متواتر، أو بالسنة المتواترة من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتقلوا إلى القاعدة الأخرى والحجاب الآخر الذي وضعوه بينهم وبين كتاب الله وبين سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ما هي هذه القاعدة؟ يقولون: وإن كان هذا الخبر قطعي الثبوت، ولكن دلالته ظنية، دلالته ماذا؟ ظنية. فإذا كانت ظنية، فكذلك لا نستدل بها على باب العقائد. إذن حقيقة الأمر أن لا نستدل بكلام الله ولا بكلام رسوله صلى الله عليه وسلم على ماذا؟ على باب العقائد. هذا خلاصة كلامهم. وعند الاستدلال على ما قعدوه وعلى ما قالوه وعلى ما ذهبوا إليه في باب العقائد، يذهبون كل مذهب لأجل إثبات ما هم عليه من الباطل. مثال ذلك ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى ها هنا: الأشاعرة مذهبهم في كتاب الله عز وجل وفي كلام الله عز وجل بشكل عام، أن كلام الله عز وجل منقسم، أن كلام الله عز وجل له اعتباران. فكلام الله عز وجل يقولون هو معنى قائم بذات الله عز وجل، معنى قائم بذات الله عز وجل، أي أن الله عز وجل لم يتكلم به حقيقة، معناه أن الله عز وجل لم يتكلم بهذا القرآن حقيقة، ما كلم به جبريل ولا من شاء من ملائكته ولا من شاء من خلقه، ما كلم به أحد، إنما هو معنى في نفس الله عز وجل. فالله عز وجل قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، الله عز وجل قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾، الله عز وجل قال: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، الله عز وجل قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، الله عز وجل كما جاء في أحاديث قدسية كثيرة: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا». ومن ذلك أيضًا ما جاء في أحاديث الشفاعة، حينما يجد النبي صلى الله عليه وسلم ربه، وقبل ذلك حينما يقول رب عز وجل: «ليذهب كل من كان يعبد شيئًا فليذهب خلفه». وهكذا أدلة كثيرة، كما قال العلامة ابن القيم: لو تقصيناها أو بالتقصي تصل إلى أربعة آلاف نص من كلام الله ومن كلام رسوله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث القدسية وفي غيرها، تدل على كلام الله عز وجل وأنه حقيقي. في المقابل لا يقبلون هذا، ويأخذون بماذا؟ يقولون: كلام الله عز وجل معنى، وأن ما في القرآن ما في القرآن هو حكاية أو عبارة عن كلام الله عز وجل، وليس هو كلام الله عز وجل حقيقة. فإذا قيل لهم: ما دليلكم على هذا؟ جاءوا بالاستدلال، قالوا: قد قال الشاعر -من هو الشاعر؟ هذا الأخطل-: «إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا». إذا استدل هؤلاء ما يفعلون؟ يقولون: قال الله عز وجل، وقال الله عز وجل، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا، انظروا إلى من يذهبون: قال الشاعر -من هو هذا الشاعر؟ شاعر نصراني، ليس بمسلم- ما استدلوا بشاعر مسلم، بل بشاعر نصراني، وهذا الشاعر كما ذكروا أنه كثير الشرب الخمر، نصراني أولًا، نصراني، وثانيًا دائمًا هو في سكر. فالشاهد من هذا: انظروا إلى هؤلاء «قبحًا» رحم الله ابن تيمية «قبحًا لمن نبذ القرآن وراءه». جاءتهم الأدلة من كتاب الله عز وجل واضحة صريحة بينة، ما أخذوا بها، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما أخذوا بها، بحجة أنها ماذا؟ دلالتها ظنية، بعد القول أنها متواترة. وإذا استدلوا قالوا: قال الأخطل في بيته كذا وكذا. والجواب على بيت الأخطل من وجوه كثيرة ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، من أحسنها وأجملها: أن هذا البيت لا يوجد في كلام أو في ديوان الأخطل، إنما هو بيت مصنوع، أي مخترع، ليس له أصل. إذن أصحاب التحري في الأخبار النبوية، أنهم لا يقبلون آحادًا ويقبلون متواترًا، ليس عندهم سند يثبت البيت إلى هذا النصراني. هذا أمر، أمر آخر: كما ذكر بعض أهل العلم أن الصواب أن البيان لفي الفؤاد وليس الكلام، أن البيت رواية: «إن البيان لفي الفؤاد»، وليس «إن الكلام لفي الفؤاد». وأمر ثالث ورابع. والوقت قد جاء، المهم أن الكلام لعلنا نؤجله إلى يوم آخر إن شاء الله وتعالى. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على