الدرس في شرح العقيدة الواسطية 44، ألقاها
يبدأ الشيخ بتوضيح معاني الآية الكريمة ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾، ويشرح معنى الشرك بالله وخطره، موضحًا أنه من أقبح الظلم.
يناقش المقطع تحريم القول على الله بلا علم، ويشمل ذلك الإخبار عن الله أو شرعه دون دليل، ويعتبر من أعظم المحرمات، ويشمل نفي أو إثبات أسماء أو صفات الله دون برهان.
يتناول المقطع موضوع الإخبارات عن أوصاف الجنة والنار بغير علم، ويعتبر ذلك بابًا واسعًا من الأبواب التي ينبغي الحذر منها، ويُنبه إلى أهمية التثبت في مثل هذه الأمور.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قوله رحمه الله تعالى: وأما قوله ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ إلى آخر الآية، قال: فإنما أداة قصر تفيد اختصاص الأشياء المذكورة بالحرمة، فيفهم أن ما عداها من الطيبات فهو مباح لا حرج فيه، كما أفادته الآية التي قبلها. الآن الشيخ رحمه الله تعالى يتكلم على هذه الآية من حيث الحكم الشرعي المترتب عليها، فيقول: إن قول الله جل وعلا ﴿قل إنما حرم ربي﴾ إلى آخر الآية، قال: إنما أداة قصر تفيد اختصاص الأشياء المذكورة بالحرمة، فيفهم أن ما عداها -وجاء في بعض النسخ «من عداها» ولفظ «ما» كأنه هو الأليق؛ لأن «ما» تستخدم لغير العاقل كما يعبر عنه النحاة، وأن «من» تستخدم للعاقل- أن ما عداها من الطيبات، فيفهم أن ما عداها من الطيبات فهو مباح لا حرج فيه. يقول الشيخ رحمه الله تعالى: إن هذا اللفظ، وهذا الأسلوب في القرآن -هذا الأسلوب القرآن- يفيد أن الحرمة، أو أن التحريم مقصور على هذه الأشياء المذكورة في هذه الآية؛ لأن «إنما» أسلوب حصر وقصر، أسلوب حصر وقصر، فيدل على أن المحرمات محصورة في هذه المذكورات، في هذه الأربع المذكورات، وأن ما عداها فإنه من باب المباح، وأن ما عداها فإنه من باب المباح؛ لأن قوله «إنما» يفيد هذا المعنى؛ لأن قوله «إنما» يفيد هذا المعنى، يفيد الحصر، فيفهم منه -أي بمفهوم المخالفة- أي بمفهوم المخالفة أن ما عداها من الطيبات. قوله رحمه الله تعالى: وقبل هذا هو مفهوم المخالفة عند كثير من العلماء معمول به، وكذلك اختاره جماعة من المحققين. قال رحمه الله تعالى: والفواحش جمع فاحشة، وهي الفعلة المتناهية في القبح، وهي الفعلة المتناهية في القبح في القبح. وخصها بعضهم بما تضمن شهوة ولذة من المعاصي، كالزنا واللواط ونحوها من الفواحش الظاهرة، وكالكبر والعجب وحب الرئاسة من الفواحش الباطنة. ذكر ابن فارس رحمه الله تعالى في «مقاييس اللغة»: أن كل شيء ان القبح كل شيء جاوز قدره فهو فاحش، إلا فيما يكره. والحاصل كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى: أن الفواحش تطلق على الأشياء المتناهية في القبح وفي القباحة. وكما ذكر رحمه الله تعالى: أن بعضهم خصها فيما كان بشهوة ولذة كالمذكورات، هذا باعتبار الظاهرة، وأما الباطنة فكما ذكر رحمه الله تعالى: كالكبر والعجب وحب الرئاسة، وأشد من ذلك مما يحصل من أمراض القلوب من التعلق ببعض الأشخاص أو التعلق ببعض الذوات ونحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: وأما الإثم فمنهم من فسروه بمطلق المعصية، فيقال: مراد منه ما دون الفاحشة. ومنهم من خصوه بالخمر؛ فإنها جماع الإثم. وأما البغي بغير الحق، فهو التسلط والتعدي على الناس من غير أن يكون ذلك على جهة القصاص والمماثلة. قوله رحمه الله تعالى: «وأما الإثم فمنهم من فسروه بمطلق المعصية، فيقال: مراد منه ما دون الفاحشة. ومنهم من خصوه بالخمر؛ فإنها جماع الإثم». هذان قولان. وفي كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى -يأتي بإذن الله عز وجل- أنه قال: إن الله عز وجل رتب في هذه الآية المحرمات، أو التحريم في المذكورات بأسهلها ثم الأشد ثم الأشد ثم الأشد. وعلى طول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: يكون معنى هذا أن الإثم أشد من الفواحش؛ فيكون الإثم أشد من الفاحشة على ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله. والبغي أشد من الإثم. قال: والبغي بغير الحق، فهو التسلط والاعتداء على الناس من غير أن يكون ذلك على جهة القصاص والمماثلة. وقد ذكر بعض أهل العلم: أن البغي مطلق الفساد. وإذا كان كذلك، فمعنى هذا أن قول الله جل وعلا «بغير الحق» تكون صفة كاشفة، صفة كاشفة موضحة للمعنى. وإلا فإن كل بغي فهو بغير حق. قال رحمه الله تعالى: وقوله ﴿أن لا تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا﴾، قال رحمه الله تعالى: وحرم أن تعبدوا مع الله غيره، وتتقرب إليه بأي نوع من أنواع العبادات والقربات؛ كالدعاء والنذر والذبح والخوف والرجاء ونحو ذلك مما يجب أن يخلص فيه العبد قلبه ويسلم وجهه لله. وحرم أن يتخذوا من دونه سبحانه أولياء يشرعون لهم من الدين ما لم يأذن به الله في عباداتهم ومعاملاتهم؛ كما فعل أهل الكتاب مع الأحبار والرهبان، حيث اتخذوهم أربابًا من دون الله في التشريع؛ فأحل ما حرم الله، وحرم ما أحل الله، فاتبعوهم في ذلك. حاصله كما ذكر رحمه الله تعالى -وأوجز في ذلك- أن الشرك بالله عز وجل في قوله «وأن تشركوا بالله»: الشرك أن تعبدوا مع الله غيره. الشرك عبادة، أو كما يعرف بتعبير أعم: تسوية غير الله عز وجل بالله عز وجل بما هو حق لله عز وجل، أو بما يختص به الله عز وجل. هذا باعتبار الشرك في التوحيد عمومًا؛ في توحيد الربوبية، وفي توحيد الألوهية، وفي توحيد الأسماء والصفات. فيكون هذا من الشرك في الربوبية، ومن الشرك في الألوهية، ومن الشرك في الأسماء والصفات. وهو التسوية، وهو تسوية غير الله عز وجل بالله عز وجل فيما هو من خصائصه سبحانه وتعالى. وتعريفه -وتعريف له أخص- وهو تعريف الشرك الذي هو الشرك في العبادة: وهو صرف شيء من العبادات إلى غير الله عز وجل، أو تسوية غير الله عز وجل بالله عز وجل في العبادة. فهذا من الشرك في العبادة. والشرك من أقبح الظلم، ومن أشد العدوان. قال ربنا جل وعلا: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، ﴿ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾، ﴿ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا﴾. وقال الله جل وعلا عن لقمان: وهو يعظ ابنه ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿ذلك ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾. فالشرك أعظم القبائح، وأفحش الفواحش التي هي مبعدة عن الله عز وجل غاية البعد؛ فلا يدخل صاحبها أبدًا تحت مغفرة الله عز وجل ورحمته، إلا أن يتوب إلى الله عز وجل. وكما أشار الشيخ رحمه الله تعالى: في أنه يكون بكل تقرب بصرف كل عبادة إلى غير الله عز وجل. وكذلك أشار إلى معنى آخر، وهو ما كان عليه أهل الكتاب في اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله؛ كما قال الله جل وعلا: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا﴾. فهؤلاء اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا في تحليل ما حرم الله، وفي تحريم ما أحل الله؛ فاتخذوهم مشرعين مع الله عز وجل؛ يحلون لهم بعض ما حرم الله، فيؤمنون بذلك التحليل، ويحرمون عليهم ما أحل الله، فيؤمنون بذلك التحريم؛ فاتخذوهم أربابًا مع الله عز وجل؛ يشرعون ما شاءوا، فيحلون ما شاءوا، ويحرمون ما شاءوا، وهم لهم في ذلك متبعون مغتدون. وهذه من الطواغيت، الذي هي اتباع أصحاب الإمارة في تحريم ما أحل الله، أو في تحليل ما حرم الله. قوله رحمه الله تعالى: «ما لم ينزل به سلطانا»، قال: قيد لبيان الواقع؛ فإن كل ما عبد أو اتبع أو أطيع من دون الله، فقد فعل به ذلك من غير سلطان. قوله رحمه الله تعالى في قول «ما لم ينزل به سلطانا»، قال: قيد لبيان الواقع؛ قال: فإن كل ما عبد أو اتبع أو أطيع من دون الله، فقد فعل به ذلك من غير سلطان. إذن قول الله جل وعلا ﴿وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا﴾، قوله «ما لم ينزل به سلطانا» صفة كاشفة، صفة كاشفة لا مفهوم لها. معناه: أنه لا يقول قائل جهلًا: أن قول الله عز وجل «أن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا» معناه: أن من أشرك بالله عز وجل، ومعه في ذلك سلطان؛ فلا شيء عليه. لأن قول الله جل وعلا «ما لم ينزل به سلطانا» هاهنا صفة كاشفة؛ أي: تبين الواقع والحال، وأن كل من أشرك مع الله عز وجل غيره، فإنه لا سلطان له على ذلك، وإنما فعل ما فعل إثمًا وبغيًا وعدوانًا؛ لا برهان له في ذلك أبدًا. قال رحمه الله تعالى: وأما القول على الله بلا علم، فهو باب واسع جدًا؛ يدخل فيه كل خبر عن الله بلا دليل ولا حجة؛ كنفي ما أثبته الله، أو إثبات ما نفاه الله، أو الإلحاد في آياته بالتحريف والتأويل. قوله رحمه الله تعالى: «القول على الله بلا علم»، كما ذكر رحمه الله تعالى، فقال: هو باب واسع جدًا. لماذا؟ قال: لأنه يدخل فيه كل خبر عن الله بلا دليل ولا حجة. كل خبر عن الله عز وجل إما بإثبات وإما بنفي؛ إما بإثبات كأن تقول: إن الله عز وجل أحل كذا -هذا في شرع الله عز وجل- أو تقول: حرم الله عز وجل كذا، من غير برهان ولا دليل؛ فهذا قول عن الله عز وجل في شرعه. وفي المقابل: أن تقول: أثبت لله عز وجل كذا وكذا من الصفات مما لم يأت دليل عليه، أو تقول: لا أثبت لله عز وجل كذا وكذا من الأسماء والصفات مما لم يأت دليل عليه. وهذا القسم الثاني من باب القول على الله عز وجل في الإخبار؛ يدخل في القول على الله عز وجل بلا علم؛ سواء كان القول في باب الأمر والنهي، أو كان في باب الإخبار. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «إعلام الموقعين»: وقد حرم الله القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات؛ بل جعله في المرتبة العليا منها. قال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ الآية. قال: فرتب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها، وهو الفواحش، وثنى بما هو أشد تحريمًا منه، وهو الإثم والبغي، ثم ثالثًا بما هو أعظم تحريمًا منها، وهو الشرك به سبحانه، ثم ربع بما هو أعظم تحريمًا من ذلك كله، وهو القول عليه بلا علم. قال: وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله. ومثلنا في أسمائه: أن يقال: أثبت لله عز وجل كذا، أو نفي لله عز وجل كذا من الأسماء أو من الصفات أو من الأفعال بغير برهان، بغير ما برهان ولا دليل ولا سلطان؛ وإنما هو تقول محض عن الله عز وجل، تقول محض على الله عز وجل. وكذلك في دينه وشرعه؛ بأن يقول: هذا الأمر حلال، وهو لا يعلم حله، أو يقول: بأنه حرام، ولا يعلم حرمته. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾. فهؤلاء متقولون على الله عز وجل في شرعه. وكذلك متقولون على الله عز وجل باعتبار آخر؛ باعتبار أنهم يخبرون عن الله عز وجل أنه أحل هذا، وأن الله عز وجل حرم هذا. ويدخل فيه -كما ذكرنا- من باب الإشارة والإيماء؛ كذلك تحريم القول عليه في باب الإخبار؛ إذ أن القائل على الله عز وجل: هذا من أسمائه، وهذا من صفاته، وهذا لا يجوز أن يكون من أسمائه أو من صفاته؛ قائل على الله عز وجل بهذا الأمر: أن هذا يجوز لله عز وجل، وهذا يحرم على الله عز وجل. فيدخل في الآية بهذا المعنى دخولًا أوليًا التحريم؛ نعم التحريم بالقول على الله عز وجل في أمره وشرعه. وكذلك -كما سمعنا- فيه إشارة كذلك: إذا تحريم القول على الله عز وجل كذلك في باب الإخبارات؛ في باب الإخبارات. ويدخل في باب الإخبارات باب واسع؛ كأن يقول قائل بغير علم: أن في الجنة من أوصاف كذا وكذا، أو يقول: في النار من أوصافها كذا وكذا، وما شابه ذلك. والله أعلم. وإلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.