فتح رب العباد 3

الدرس في فتح رب العباد 3، ألقاها

دراسة كتاب الاعتقاد لابن قدامة المقدسي

يتناول المقطع دراسة شاملة لكتاب الاعتقاد لابن قدامة المقدسي، يشمل اسم الكتاب ونسبته، أسباب التأليف، موضوع الكتاب، ومنهج المؤلف ومصادره. كما يشمل دراسة بعض مسائل الكتاب وطبعاته المختلفة.

تعريف المحكم والمتشابه وطرق التعامل معهما

يتناول المقطع تعريف المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، ويوضح آراء العلماء في ضابطهما، وطريقة السلف الصالح وأهل الزيغ في التعامل مع المتشابه. كما يناقش رأي ابن قدامة وتصحيح العلامة الشنقيطي له.

مذهب ابن تيمية في الصفات الإلهية وإثباتها

يبين المقطع مذهب ابن تيمية في إثبات الصفات الإلهية على ظاهرها دون تأويل أو تشبيه، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، وتأكيد إثبات المعاني الظاهرة دون الخوض في كنهها أو حقيقتها الباطنة.

توضيح مفهوم الاتفاق في الحقيقة وعدم التشبيه

يوضح المقطع أن الاتفاق في أصل الحقيقة لا يعني التشبيه، مستشهدًا بتشابه الحواس والمعرفة في الإدراك دون تشبيه بينها، مما يدعم مذهب ابن تيمية في إثبات الصفات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال رحمه الله: القسم الأول: الدراسة، ويتضمن أربعة فصول. الفصل الأول: ضمنته عدة أمور، وهي: الأول: اسم الكتاب ونسبته للمؤلف، الثاني: أسباب تأليفه، الثالث: موضوعه، الرابع: منهج المؤلف في تأليفه، الخامس: مصادر المؤلف في هذا الكتاب. الفصل الثاني: دراسة بعض المسائل التي اجتمع عليها الكتاب. الفصل الثالث: دراسة ومناقشة المسائل التي أخذت على المؤلف رحمه الله. الفصل الرابع: الكلام على النسخة الخطية. الكتاب الثاني: طبعات الكتاب. الفصل الأول: وضمنته ستة أمور، أولًا: اسم الكتاب. اسم هذا الكتاب «الاعتقاد» في جميع المصادر التي ترجمت للإمام الموفق رحمه الله، وجاءت في المخطوطة التي بين يدي باسم «لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد»، وفي دفتها وفي آخرها: «قال آخر المعتقد: وهي لمعة في الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد». وعلى هذا الاسم جميع طبعات الكتاب، وبه عرف، ولا تنافي بين التسميتين لاحتمال إرادة الاختصار في الاسم الأول، والله أعلم. ثانيًا: نسبته للمؤلف. مما لا شك فيه صحة نسبة هذا الكتاب إلى ابن قدامة رحمه الله، وذلك لأمور: الأول: ذكره في جملة تصانيفه كما تقدم، الثاني: ما جاء في المخطوطة في دفتها: «لمعة الاعتقاد لابن قدامة المقدسي»، الثالث: وفي أول المخطوطة: قال الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي: قدس الله روحه ونور ضريحه، الحمد لله المحمود بكل لسان. الرابع: أسلوبه المعروف في كتبه، فمن ذلك مثلا قوله في كتابه «البرهان» في باب القرآن: «إن القرآن كلام الله القديم، وحبله المتين، وكتابه المبين، ظاهر...» إلى آخره. الخامس: لم نعلم قط إلى الآن من طعن في نسبته إليه مع شهرته وتداوله بين العلماء وطلابهم. ثالثًا: سبب تأليفه. بعد البحث والنظر لم أقف على نص يعين سبب تأليفه لهذا المعتقد، لكن أستطيع أن أقول: إن المؤلف رحمه الله صنف هذا المعتقد بيانًا منه لمعتقد السلف الصالح، لما كان في عصره من ظهور البدع والمخالفين لطريقة السلف الصالح رضي الله عنهم، يدل على هذا قوله في آخر هذا المعتقد: «نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة» إلى آخره، وأيضًا كتبه الأخرى تدل على هذا، والله أعلم. رابعًا: موضوعه. وأما موضوع الكتاب فهو بيان معتقد السلف الصالح في باب الأسماء والصفات، والقضاء والقدر، والإيمان، والتسليم والقبول للأخبار الثابتة في الكتاب والسنة، سواء أدركنا معناها أم لا، وحقوق النبي صلى الله عليه وسلم، وأزواجه، وصحابته، والسمع والطاعة لولاة الأمور، برهم وفاجرهم، بالمعروف، وغيرها من أمور الاعتقاد التي عُني بها أئمة الدين والسنة، وذكروها في تصانيفهم، فرحمهم الله. خامسًا: منهج المؤلف فيه. والناظر في الكتاب يظهر له جليًا أسلوب المؤلف رحمه الله ومنهجه فيه، فهو يعتمد في تأليفه على الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار السلفية، كما هي طريقة الإمام أحمد وغيره من المتقدمين، مع بعده عن الخوض فيما لم يسبق إليه، والإعراض عن طريقة المتكلمين ومذهبهم، وقد تقدم كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله في هذا. سادسًا: مصادره. الكتاب والسنة، والآثار السلفية. الفصل الثاني: دراسة بعض مسائل الكتاب. لقد اجتمع الكتاب على صغر حجمه على مسائل كثيرة، بل وكبيرة من مسائل الاعتقاد، فالناظر في حجمه يقول: هو مدخل وباب، والمتأمل في مسائله يعلم أنه عظيم عجاب. قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «والفقه أخص من الفهم، وهو فهم مراد المتكلم من كلامه، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة، وبحسب تفاوت مراتب الناس في هذا تتفاوت مراتبهم في الفقه والعلم». المسألة الأولى: المحكم والمتشابه في القرآن الكريم. أولًا: المحكم لغة: أصله المنع، يقال: أحكمت بمعنى رددت ومنعت، وسمي الحاكم حاكمًا لمنعه الظالم من الظلم، وحكمة اللجام هي التي تمنع الفرس من الاضطراب. ثانيًا: التشابه لغة: مأخوذ من الشبه بفتح الشين والباء، والشبيه هو ما بينه وبين غيره أمر مشترك، ويلتبس به. ثالثًا: ضابط المحكم والمتشابه. اختلف العلماء في ضابط المحكم والمتشابه على أقوال، فقيل: المحكم المفسر، والمتشابه المجمل، وقيل: المتشابه هو الذي يغمض علمه على غير العلماء المحققين، كالآيات التي ظاهرها التعارض، وقيل: المتشابه الحروف المقطعة في أول السور، وقيل: المحكم ما يعمل به، والمتشابه ما يؤمن به ولا يعمل به. رابعًا: طريقة السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الدين في المحكم والمتشابه. طريقتهم هي رد المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه، ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضها بعضًا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا تناقض فيه ولا اختلاف. خامسًا: طريقة أهل الزيغ في المحكم والمتشابه. طريقتهم يبينها ما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». سادسًا: في معنى المتشابه عند الموفق ابن قدامة رحمه الله. قال رحمه الله في «الروضة»: «والصحيح أن المتشابه ما ورد في صفات الله سبحانه مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، بل يداه مبسوطتان، لما خلقت بيدي، ونحوه، فقد اتفق السلف رحمه الله على الإقرار به، وترك تأويله». وهذا القول منه رحمه الله في تعريف المتشابه أشكل على بعض العلماء، مما أدى إلى اختلاف أفهامهم فيه، فمن قائل: إن هذا القول قول المفوض، وهو منهم، ومن قائل: إن هذا القول قول المفوض، هو ابن قدامة رحمه الله، إمام سني ليس منهم، كما هو معروف عنه من بقية كتبه. قال العلامة الشنقيطي رحمه الله في «المذكرة»: «وقول المؤلف رحمه الله ابن قدامة في هذا المبحث: والصحيح أن المتشابه ما ورد في صفات الله سبحانه مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] إلى آخره، لا يخلو من نظر، لأن آيات الصفات لا يطلق عليها اسم متشابه بهذا المعنى من غير تفصيل، لأن معناها معلوم في اللغة العربية، وليس متشابها، ولكن كيفية اتصافه جل وعلا بها ليست معلومة للخلق». ثم قال: «وإذا فسرنا المتشابه بأنه هو ما استأثر الله بعلمه دون خلقه، كانت كيفية الاتصاف داخلة فيه، لا نفس الصفة». وهذا التفصيل الذي ذكره العلامة الشنقيطي رحمه الله هو الحق الذي لا مرية فيه، ولا نزاع بين أهل السنة والجماعة، وابن قدامة رحمه الله من كبار علمائهم وأئمتهم، فهو يعتقد هذا القول، ويؤمن بهذا التفصيل. ومراد ابن قدامة رحمه الله من جعله صفات الرحمن من متشابه القرآن يتنزل على واحد من ثلاثة أمور: قد يحمل عليها جميعًا، أو على بعضها باعتبارات. الأمر الأول: أنها متشابه باعتبار الكيف والكنه، لا باعتبار المعنى الظاهر. الأمر الثاني: أنها متشابه في مقابل التأويل الذي ذمه الله. الأمر الثالث: أنه قد يحصل في بعض النصوص اجتهاد لبعض الأمة، لا لجميعها، فيدخل في عموم المتشابه بهذا الاعتبار. فأما الأول: وهو أنه أراد بالتشابه باعتبار الكنه والكيف، وليس المعنى الظاهر، فهذا يتبين بعدة أمور. أولها: أنه قارف الروضة: «والصحيح أن المتشابه ما ورد في صفات الله سبحانه مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فهذا اتفق السلف على الإقرار به، وإمراره على وجهه». فقوله: «اتفق السلف على الإقرار به، وإمراره على وجهه» يتضمن أمورًا: منها أنه على مذهب السلف الإقرار لصفات الله، وإمرارها على ظاهرها. وثانيها: قوله: «وإمراره على وجهه» ظاهر في أن معناه على ظاهره المتبادر إلى الأفهام. وثالثها: قوله: «ويحرم التعرض له بالتأويل»، والتأويل هو إخراج اللفظ عن ظاهره، والمراد به تأويل المعطلة الجهمية الذين يذكرون للصفات حقائق وكيفيات معينة، ثم يصرفون الظواهر الحقيقية للصفات بسبب تلك الظواهر الباطلة التي وضعوها إلى معاني أخرى. وثانيًا: أنه ممن يثبت المعاني الظاهرة المتبادرة من نصوص الصفات دون التعرض للكيفية. ومن ذلك: قوله في كتابه «العلو» على أبو عمر بن عبد البر: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز». وقوله في كتابه «ذم التأويل»: قال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب: «أما الكلام في الصفات، فإنما روي منها في السنة الصحاح، مذهب السنة رضي الله عنهم إثباتها، وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها». ونقله عن أبي عثمان الصابوني قوله: «إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يعرفون ربهم تبارك وتعالى، وصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله، وشهد له بها رسوله على ما وردت به الأخبار الصحاح، ولا يعتقدون تشبها لصفاته بصفات خلقه، ولا يكيفونها تكيف المشبهة، ولا يحرفون الكلمة عن مواضعها تحريف المعتزلة والجهمية». وقوله: «وعلموا أن المتكلم بها صادق لا شك في صدقه، فصدقوه، ولم يعلموا حقيقة معناها، فسكتوا عما لم يعلموه». فقوله: «ولم يعلموا حقيقة معناها» بين واضح في أنه أراد أنهم لم يعلموا كنهها وحقيقتها، وهو المعنى الباطن، وإن كانوا يعلمون معناها الظاهر. وثالثًا: تصريحه بإثبات المعاني الظاهرة من الصفات. ومن ذلك: قوله في «اللمعة»: «فهذا وما أشبهه مما صح سنده، وعدلت رواته، نؤمن به، ولا نرده، ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بصنع المحدثين، ونعلم أن الله سبحانه لا شبه له، ولا نظير، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير». وقوله في «الصراط المستقيم» في إثبات الحرف القديم: «إننا نحن لم نفسر هذا، إنما فسره الكتاب والسنة». وقوله في الكتاب السابق أيضًا: «وأما قولهم: إنكم فسرتم هذه الصفة، قلنا: إنما لا يجوز تفسير المتشابه الذي سكت السلف عن تفسيره، وليس كذلك الكلام، فإنه من المعلوم بين الخلق، لا شبهة فيه، وقد فسره الكتاب والسنة». وقوله: «إن الله وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة والأتقياء، والأئمة من الفقهاء، فتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزا في طباع الخلق أجمعين». ورابعًا: تعريفه لبعض الصفات، وتبيينه لمعناها. ومن ذلك: قوله في كتابه «البرهان»: «فإننا أجمعنا على أن موسى سمع كلام الله، تعالى منه بغير واسطة، والصوت هو ما سمع». وقوله أيضًا: «الصوت ما سمع، أو تأتي سماعه». وقوله في «الصراط المستقيم»: «وكلام الله تعالى الذي تكلم به، والكلام هو الحروف المنظومة، والكلمات المفهومة، والأصوات المعلومة». وقوله أيضًا: «إن الكلام هو النطق، وحمله على حقيقته، حمل كلمة الإله على مجازها أولى من العكس». وقوله: «الحقيقة تستدل عليها بسبقها إلى الذهن، وتبادر الأفهام إليها، وإنما يفهم من إطلاق الكلام ما ذكرناه». وقوله: «إن الاتفاق في أصل الحقيقة ليس بتشبيه، كما أن اتفاق البصر في إدراك المبصرات، والسمع في إدراك المسموعات، والعلم في إدراك المعلومات، ليس بتشبيه».

شاركنا على