الدرس في كتاب الصلاة 56، ألقاها
تناول المقطع حكم مرور شيء بين يدي المصلي وخلاف أهل العلم في ذلك. المسألة فيها خلاف بين العلماء حول ما إذا كان شيء يقطع الصلاة أم لا.
استعرض المقطع أقوال العلماء في قطع الصلاة بمرور شيء بين يدي المصلي، وتناول الاختلاف بينهم في ذلك واستدلالاتهم بالأحاديث المختلفة.
ناقش المقطع طرق تعامل العلماء مع الأحاديث المتعارضة حول قطع الصلاة، مثل النسخ والترجيح والجمع بين الأحاديث، وتفسير قطع الصلاة.
تناول المقطع أسباب بطلان الصلاة بمرور بعض المخلوقات مثل المرأة والحمار والكلب الأسود، واستند في ذلك إلى الحديث الشريف.
بسم الله المسألة الثامنة: هل تقطع صلاة المصلي بمرور شيء بين يديه؟ بمعنى أن المصلي إذا كان يصلي فمر شيء بين يديه، هل هذا يقطع صلاته؟ بمعنى أن صلاته تبطل بذلك المرور أم لا؟ فمر بين يديه شيء، فإذا مر هذا الشيء بين يديه، هل مروره يقطع صلاة ذلك المصلي أم لا؟ المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فالخلاف إجمالًا على قولين. القول الأول: لا يقطع الصلاة شيء، وهذا ذهب إليه أكثر السلف والعلماء. وروي هذا القول عن عثمان، وعلي، وحذيفة، وأبي سعيد، وابن عمر، وابن عباس، على اختلاف عن بعضهم. وروي عن أُبي بكر وعمر من وجه لا يصح. وقال به من التابعين: سعيد بن المسيب، وعُبيدة السلماني، والشعبي، والقاسم بن محمد، وعروة، والزهري. وهو قول سفيان الثوري، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وغيرهم من الأئمة. وهو -كما ترون- قول الأكثرين من أهل العلم. واستدل هؤلاء بأدلة منها: حديث أبي سعيد مرفوعًا: «لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم». رواه أبو داود، وفيه ضعف. وحديث أنس بن مالك مرفوعًا قال: «لا يقطع الصلاة شيء». رواه الدارقطني، وهو ضعيف، والإرسال فيه ظاهر. وروي نحوه عن علي، وأبي هريرة، وعائشة، وأبي أمامة، ولا يثبت منها شيء. وقال طائفة أخرى: يقطع الصلاة مرور بعض الحيوانات. ثم اختلفوا في تعيين هذا الذي يقطع الصلاة. فمنهم من قال: يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة. روي ذلك عن ابن عباس، وأنَس، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، ومكحول، والحسن، وأبي الأحوص. ومنهم من قال: يقطع الصلاة الكلب الأسود، والمرأة الحائض، والحمار، والكافر. وهذا القول رواه جابر بن زيد عن ابن عباس. فتكون رواية ثالثة عن ابن عباس. وروي عن الحكم الغفاري أنه أعاد الصلاة من مرور حمار بين يديه. وهذا يدل على أنه كان يرى أن مرور الحمار بين يديه مبطل للصلاة. وروِي عن عكرمة أنه قال: يقطع الصلاة الكلب والمرأة والخنزير والحمار والكافر. وهذا القول زاد على القول الأول الخنزير والكافر. وقال عطاء: يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب الأسود. فلم يدخل الحمار في القطع. واختاره ابن خزيمة. وزاد عليهما الحمار. قال الحافظ ابن رجب: المشهور عن عطاء أنه قال: يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود. وهو قول ابن جريج، وأحمد في رواية. وروِي عن عائشة أنها قالت: إنما يقطع الصلاة الكلب والحمار والسنور. وفي رواية: السنور الأسود. وقال طائفة: لا يقطع الصلاة سوى الكلب. روي ذلك عن ابن عمر. وروي عنه أنه أعاد صلاته من مرور كلب أصفر بين يديه. قال ابن رجب: وهذا يدل على أنه تختص الإعادة بالركعة التي مر فيها الكلب. وممن قال بالقطع في الكلب خاصة: ابن عباس، وطاووس. ومن هؤلاء من خص القطع بالكلب الأسود دون غيره من سائر الألوان. وهذا أخص من القول الذي قبله. روي هذا عن عائشة، ومجاهد. وهو المشهور عن أحمد، و قول إسحاق، وأبي خيثمة زهير بن حرب، وجوزنين، وغيرهم من فقهاء الحديث. فالأقوال الإجمالية: قولان. القول الأول: أنه لا تبطل الصلاة بمرور شيء. وهذا قول أكثر أهل العلم. القول الثاني: أن الصلاة تبطل بمرور شيء من الحيوانات. ثم اختلفوا في تعيين هذا الذي به تبطل الصلاة. فمن أهل العلم من قال: تبطل الصلاة بمرور المرأة والكلب والحمار. والقول الثاني: أنه يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض والحمار والكافر. والقول الثالث: أنه يقطع الصلاة الكلب والمرأة والخنزير والحمار والكافر. والقول الرابع: أنه يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب الأسود. وزاد بعضهم الحمار. وفي رواية أخرى: أنه يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود. والقول الخامس: أنه يقطع الصلاة الكلب والحمار والسنور. وفي رواية: السنور الأسود. وقال طائفة: لا يقطع الصلاة سوى الكلب. وهذا القول السابع. والقول الثامن: أنه يقطع الصلاة الكلب الأسود. فهذه سبعة أقوال داخل تحت القول الثاني القائل بقطع الصلاة بمرور شيء من الحيوانات. استدل من قال: تقطع الصلاة بشيء من ذلك بأحاديث. منها: حديث أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل أخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل أخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود». قال عبد الله بن الصامت راوي هذا الحديث عن أبي ذر: قلت يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فقال: «الكلب الأسود شيطان». رواه مسلم. وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب». والكلب هاهنا مطلق. قال: «ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل». رواه مسلم أيضًا. وحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال الراوي: أحسبه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإن الحمار والخنزير واليهود والمجوس والمرأة يقطعون صلاته، ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قذفة بحجر». رواه أبو داود، ولكنه حديث منكر. فهؤلاء استدلوا بهذه الأحاديث ونحوها. وأما الجمهور، ومن قال: لا يقطع الصلاة غير الكلب الأسود، كما قاله أحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق. قالوا: المرأة والحمار قد تعرضت فيهما الأحاديث. فحديث عائشة دل على عدم قطع الصلاة بالمرأة. وحديث ابن عباس دل على أن الحمار لا يقطع الصلاة. بقي الكلب الأسود، لا معارض له، فيؤخذ به. وأما جمهور أهل العلم الذين لم يروا قطع الصلاة بطلانها بمرور شيء بين يدي المصلي، فاختلفت مسالكهم في هذه الأحاديث المروية في قطع الصلاة. فمنهم من تكلم فيها من جهة أسانيدها. وهذه الطريقة تشبه طريقة البخاري، فإنه لم يخرج منها شيئًا، وليس شيء منها على شرطه. بل الإمام البخاري رحمه الله تعالى بوَّب في صحيحه باب: «لا يقطع الصلاة شيء». وهذا إشارة إلى أنه يقول بقول الجمهور، وأن الأحاديث المروية في هذا الباب لا تصح عنده. ومنهم من ادعى نسخها بحديث ابن عباس في مرور الحمار، وهو في حجة الوداع، قالوا: وهي في آخر عمره صلى الله عليه وسلم. فإذا نسخ الحمار، صح نسخ بقية الأشياء. ولكن هذه الطريقة استضعفها بعض أهل العلم، بل أنكرها الإمام الشافعي، والإمام أحمد، أنكروا القول بالنسخ لعدم العلم بالتاريخ. وأمر آخر: النسخ لا يرجع إليه إلا بعد تعذر الجمع. إن كان الجمع ممكنًا، فالمصير إلى الجمع أولى؛ لأن بالجمع إعمال لجميع الأحاديث، والعمل بالحديثين أولى من ترك أحدهما. وسلك آخرون مسلكًا آخر، وهو: حديث أبي ذر ونحوه قد عارضه ما هو أصح منه إسنادًا؛ كحديث ابن عباس، وعائشة. فالحديثان اللذان في الصحيحين أرجح من الحديثين اللذين في مسلم. وهذه طريقة تسمى طريقة الترجيح. ولكن الترجيح لا يرجع إليه إلا بعد عدم إمكان الجمع. وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. وسلك آخر مسلكًا آخر، وهو: إذا تعارضت الأحاديث، نظر إلى ما عمل به الصحابة، فيرجح. فما عمله الصحابة فهو المحفوظ. وهذه الطريق سلكها أبو داود. ولكن الصحابة رضي الله عنهم مختلفون في هذا الحكم. منهم من قال: بقطع الصلاة بشيء من هذه الأشياء، ومنهم من قال: بعدم قطع الصلاة بشيء من هذه الأشياء. وسلك آخرون مسلكًا آخر، وهو: أن القطع المراد قطعها عن الكمال، لا قطع بطلان. معنى هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود»، قالوا: يقطعها أن ينقص ثوابها وأجرها، فينقصها عن الكمال، لا أنه يقطعها فيبطلها. وهذا المسلك من أقوى المسالك، وهو الذي قاله الشافعي رحمه الله تعالى في رواية حرملة، ورجحه الخطابي، والبيهقي، وغيرهما من العلماء. ولكن الظاهر والله أعلم أن الأخذ بظاهر الأحاديث هو الأولى. والأصل في قوله صلى الله عليه وسلم: «يقطع الصلاة» أنه يبطلها. ولا يخرج عن هذا الأصل إلا بقرينة وبرهان. وليست عندنا قرينة وبرهان. وأما ما استدل به من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فتقدم الجواب عليه. وهو أن رواية ابن عباس أن الأتان مرت بين يدي الصف، وهي الرواية الأكثر والأشهر. والرواية الأخرى التي جاءت فيها أنها مرت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتحمل على أنها مرت بين يدي من وراء العنزة، كما يدل عليه حديث آخر. وأما حديث عائشة رضي الله عنها، فليس فيه أن الصلاة إلى المرأة أو إلى شيء من ذلك يقطعها. وإنما يقطع الصلاة المرور بين يدي المصلي. وخلاصة هذا: أنه يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود. وقد يقول قائل: لماذا ما قلتم: الكلب مطلقًا؟ الجواب: في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والكلب» هكذا جاء مطلقًا. وفي حديث أبي ذر أنه قال: «الكلب الأسود». ولما سئل: لماذا الكلب الأسود؟ قال: «شيطان». والقاعدة عند العلماء: أن المطلق يحمل على المقيد. فالكلب في حديث أبي هريرة مطلق، وفي حديث أبي ذر مقيد، فيحمل المطلق على المقيد. إذن تبطل الصلاة بمرور المرأة، وبمرور الحمار، وبمرور الكلب الأسود. والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أصلي عليك وأتوب إليك.