الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الرابعة 14، ألقاها
يتحدث عن كيفية ترجيح الأحاديث بناءً على المعاني والعلة التي تضمنتها، مع تقديم أمثلة على ترجيح علة على أخرى. يشرح آراء الشافعي وغيره في تعليل الأحكام.
يناقش تعارض العلة في الأحكام وكيفية ترجيح إحدى العلتين، مع شرح آراء أهل العلم في ترجيح العلة الحاضرة أو المسقطة للحد. يبين كيفية التعامل مع علتين متعارضتين.
يناقش ترجيح العلة في القياس وآراء المذاهب الفقهية في تقديم إحدى العلتين على الأخرى. يشرح المرجحات مثل العلة الحسية والحكمية وترجيح العلة المتعدية.
يشير إلى تاريخ الانتهاء من العمل وهو ليلة السبت التاسع عشر من ربيع الأول عام 1436 هجري، ويعبر عن الفراغ من العمل المبارك بحمد الله وفضله.
بسم الله الرحمن الرحيم، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: فصل ترجيح المعاني. تقدم معنا فيما مضى الترجيح باعتبار الأدلة، وتكلم هنا رحمه الله تعالى في الترجيح بأمر آخر، وهو باعتبار المعاني، أي باعتبار العلل، باعتبار العلة التي تضمنها أو تضمنتها تلك الأخبار. فهو يقول رحمه الله تعالى: يعني بذلك الترجيح بين علل المعاني، بين علل المعاني. فإذا تعارضت علتان في حكم أو في حكمين، فماذا يقدم؟ قال رحمه الله: ومن أمثلة ذلك قول المالكي: علة تحريم الربا في البر الاقتيات والادخار. ثم قال: قال أصحابنا: عندكم هذا. ومن أمثلة ذلك قول المالكي: علة تحريم الربا في البر الاقتيات والادخار، مع قول الشافعي: علة الربا في الطعم. لأن علة الشافعي هنا قد ترجحت بموافقتها لحديث معمر بن عبد الله في الصحيح مسلم: «كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: الطعام بالطعام مثلا بمثل» الحديث. وقصدنا مطلق المثال، لا مناقشة الأقوال، والشأن لا يعترض المثال، إذ قد كفى الفرض والاحتمال. يعني معنى هذا: أن هذا من أنواع المرجحات أن ترجح علة معلل على علة معلل آخر، بكون علة أحدهما قد دل عليها خبر أو دل عليها الخبر. كما مثل في تعليل الشافعي رحمه الله تعالى بالطعام، أخذًا بحديث معمر بن عبد الله، على ما مر معنا في قوله: «الطعام بالطعام مثلا بمثل». ففي علة الربا الإيماء. قال رحمه الله: وترجح العلة أيضًا بكونها ناقلة عن الأصل، كالخبر. فقوله في حديث عدم نقض الوضوء بمس الذكر: «هل هو إلا بضعة منك»، علة في عدم نقض الوضوء بذلك، إذ لا ينقض الوضوء بمس عضو لعضو من إنسان واحد. معنى هذا: أنه علل الحكم بأن مس الذكر لا ينقض الوضوء، بأنه عضو منك، بقوله: «هل هو إلا بضعة منك». فهذا تعليل للحكم، لكن عرضه تعليل آخر لحكم آخر ينقض هذا الحكم. قال رحمه الله: وحديث «من مس ذكره فليتوضأ» يدل بمسلك الإيماء والتنبيه على أن علة الوضوء فيه مس الذكر. فهذه العلة ناقلة عن الأصل، والعلة المقتضية البقاء على الأصل في عدم وجوب الوضوء، التي هي «وهل هو إلا بضعة منك»، موافقة للبراءة الأصلية، فتقدم عليها الناقلة عن الأصل، فيجب الوضوء من مس الذكر. أي: كما قيل في الأحكام، كذلك يقال في العلة، العلة الباقية على الأصل، وعلة ناقلة عن الأصل، فالعلة الناقلة عن الأصل مقدمة على العلة الباقية على الأصل. قال رحمه الله: وهذان الحديثان صالحان لمثال الحكم الناقل عن الأصل والعلة الناقلة عن الأصل معًا. ثم ذكر المؤلف رحمه الله أنه إذا تعارضت علتان إحداهما حاضرة والأخرى مبيحة، أو علتان إحداهما مسقطة للحد والأخرى موجبة له، أو علتان إحداهما موجبة للعتق والأخرى نافية له، فقد اختلف أهل العلم في ترجيح الحاضرة والمسقطة للحد والموجبة للعتق على مقابلاتها. فرجح بذلك قوم احتياطًا، ومنع آخرون الترجيح بذلك. قال مقيده عفى الله عنه: الذي يظهر لي أن العلة الحاضرة مع غير الحاضرة كالنص الحاضر مع غيره. فالأظهر: أن يأخذ حكم العلة الحاضرة مع غير الحاضرة، كما مر معنا في الكلام على الحكم في الدرس السابق. قال رحمه الله: ثم ذكر المؤلف أنه إن تعارضت علتان إحداهما أخف حكمًا والأخرى أثقل حكمًا، أن قومًا رجحوا التي هي أخف حكمًا، لأن الشريعة خفيفة، وأنه قال آخرون بالعكس لأن الحق ثقيل. قال مقيده عفى الله عنه: لا يمكن الحكم مطلقًا في هذه المسألة، لأن التخفيف يكون أرجح تارة، والتثقيل يكون أرجح أخرى. ومما يوضح ذلك: أن الله تعالى قال: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾، ولا خلاف أنه تارة ينسخ الأثقل بالأخف، لأن الأخف خير في ذلك المحل، وتارة ينسخ الأخف بالأثقل، لأن الأثقل خير في ذلك المحل. قال رحمه الله: ثم ذكر المؤلف أنه إن كانت إلتان إحداهما حكم شرعي والآخر وصف حسي، فككونه مسكرًا أو قوتًا، أن القاضي اختار ترجيح الحسية، وأن أبا الخطاب مال إلى ترجيح الحكمية، وذكر ما رجح به كل منهما. قوله: وقد تركنا ذكر ذلك لعدم اتجاه شيء منه عندنا. أي: ما هناك مرجح لأحد القولين على الآخر، سواء يعني تقديم العلة الحسية أو تقديم العلة الحكمية، ليس هناك مرجح لتقديم إحدى العلتين على الأخرى، فتركها لأجل هذا. قال رحمه الله: المالكية ومن وافقهم يرجحون العلة التي هي وصف حسي على التي هي حكم شرعي، ووجه ترجيحهم لها أنها ألزم للمحل منها. قال رحمه الله: ثم ذكر المؤلف عن أبي الخطاب أنه ذكر ترجيح العلة التي هي أقل أوصافًا على التي هي أكثر أوصافًا، ووجه ذلك بمشابهتها العلة العقلية، وبأن ذلك أجرى على الأصول. أي: كلما قلت العلة كانت أرجح، وكلما كثرت كانت دون ذلك. قال رحمه الله: ومثل له بعضهم بتعليل الحنفية والحنابلة تحريم الربا في النقدين بالوزن، على تعليل المالكي تحريم الربا في البر المركبة من أكثر من وصف، وهي الاقتيات والادخار وغلبة العيش. قال رحمه الله: وعلم أن الترجيح بكثرة الفروع مبني على ترجيح العلة المتعدية على القاصرة. فالمتعدية التي هي أكثر فروعًا ترجح على المتعدية التي هي أقل فروعًا، وعلى العكس بالعكس. وقد مثلنا سابقًا لتقديم المتعدية على القاصرة. قال رحمه الله: من أمثلته تعليل بعضهم ربا النقدين بالوزن، فالوزن علة متعدية إلى غيرهما، كالحديد والنحاس، مع تأويل بعضهم فيهما بالثمنية أو النقدية، فهي قاصرة عليهما. قال رحمه الله: واستدل لذلك بأمور كنا أوضحناها هنالك، وبينا الصواب فيه. الحمد لله، إلى هنا انتهى كتاب روضة الناظر. تنبيهات: الأول: لم يتعرض المؤلف للترجيح بين الإجماعات والأقيسة والحدود، أعني التعاليل، مع أن كل ذلك مذكور في كتب الأصول. الثاني: اعلم أنه قد يكون الترجيح بين المرجحات، وهو باب واسع لا تمكن الإحاطة به، بل على ما يفتح الله جل وعلا للمجتهد والناظر. الثالث: اعلم أن المرجحات يستحيل حصرها لكثرتها وانتشارها، وضابط الترجيح هو ما تحصل به غلبة ظن رجحان أحد الطرفين. الرابع: اعلم أنه جرت عادة الأصوليين بعقد باب يسمونه كتاب الاستدلال، ومرادهم بالاستدلال هو ما لم يدل عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس. وصل الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وكان الانتهاء بحمد الله وفضله ومنته في ليلة السبت التاسع عشر من ربيع الأول لعام ستة وثلاثين وأربعمائة وألف من هجرته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.