أصول في إصلاح القلوب

الخطبة بعنوان أصول في إصلاح القلوب، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٧ محرم ١٤٣٦هـ ألقاها

مقدمة في أهمية إصلاح القلوب

يبدأ الخطيب بالتأكيد على أهمية إصلاح القلوب باعتبارها محل نظر الله تعالى، ويبين أن صلاح القلب أساس لصلاح الأعمال. يُستشهد بحديث نبوي يؤكد أن الله ينظر إلى القلوب والأعمال وليس إلى المظاهر الخارجية.

تأثير القلوب على الأعمال وضرورة الثبات

يُشدد على أن إصلاح القلوب ضروري لصلاح الأعمال، ويُوضح أن تقلب القلوب يُعد تحديًا كبيرًا يستدعي سؤال الله الثبات. يُبين أن القلب السليم هو أساس النجاة يوم القيامة.

تحذير من الفتن وضرورة تثبيت القلوب

يُحذر من الفتن التي تعرض على القلوب وتؤدي إلى فسادها، ويُشدد على أهمية تثبيت القلوب على الدين وطاعة الله. يُبين أن القلب السليم هو مفتاح النجاة.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن المقطع دعاءً لله تعالى ليصلح قلوب السامعين وأحوالهم، ويتضمن صلاة على النبي محمد وآله وصحابته، معبرًا عن الأمل في الثبات على الدين.

التفريغ النصي الكامل

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي نَفْسِهِ وَفِي أَحْوَالِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ لَيَرَى اهْتِمَامًا كَبِيرًا وَاسِعًا مِنْ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ بِمَنَاظِرِهِمْ وَظَوَاهِرِهِمْ، وَغَفْلَةً كَبِيرَةً عَنْ النَّظَرِ فِي أَحْوَالِ قُلُوبِهِمْ وَخَفَايَاهُمْ، مَعَ أَنَّ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ هِيَ مَنَاطُ الْأَعْمَالِ وَأَسَاسُ الْأَعْمَالِ، بِهَا تُزَكَّى الْأَعْمَالُ وَبِهَا تَثْمُرُ الْأَعْمَالُ بِإِذْنِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَلِذَا أَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْخُطْبَةُ بِعُنْوَانِ أُصُولٍ فِي إِصْلَاحِ الْقُلُوبِ، لِحَاجَتِنَا إِلَى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأُصُولِ، لَعَلَّهَا تَنْفَعُنَا فِي صَلَاحِ قُلُوبِنَا بِإِذْنِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ أُصُولَ صَلَاحِ الْقُلُوبِ كَثِيرَةٌ وَمُتَنَوِّعَةٌ، فَنَذْكُرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ جُمْلَةً مِنْهَا، سَائِلًا رَبِي تَبَارَكَ وَتَعَالَى التَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ، وَأَنْ يَنْفَعَنَا جَمِيعًا بِذَلِكَ. عِبَادَ اللَّهِ، اعْلَمُوا أَنَّ الْقُلُوبَ هِيَ مَحَلُّ نَظَرِ رَبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ كَانَ جَدِيرًا بِهِ أَنْ يُتَفَقِّدَ قَلْبَهُ وَأَنْ يَنْظُرَ فِيمَا يَصْدُرُ مِنْ قَلْبِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِنَا وَإِلَى أَعْمَالِنَا. رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ». اللَّهُ أَكْبَرُ، أَنْتَ أَيُّهَا الْعَبْدُ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ قَلْبَكَ هُوَ مَحَلُّ نَظَرِ رَبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَيَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُسَارِعَ وَأَنْ تُسَابِقَ فِي إِصْلَاحِ قَلْبِكَ، لِأَنَّهُ مَحَلُّ نَظَرِ رَبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُحِبُّ لَنَا وَيَرْضَى لَنَا أَنْ نَلْبَسَ ثِيَابَ التَّقْوَى، وَهِيَ خَيْرٌ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. قَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾، لِبَاسُ التَّقْوَى الَّذِي هُوَ لِبَاسُ الْقَلْبِ بِتَقْوَى اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِإِلْبَاسِ الْجَوَارِحِ ذَلِكَ اللِّبَاسَ الْعَظِيمَ. عِبَادَ اللَّهِ، وَمِنْ أُصُولِ إِصْلَاحِ الْقُلُوبِ أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ صَلَاحَ الْجَوَارِحِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْقُلُوبِ. رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». فَصَلَاحُ الْقَلْبِ صَلَاحٌ لِلْجَوَارِحِ، وَصَلَاحٌ لِلْأَجْسَادِ، وَصَلَاحٌ لِلْأَعْمَالِ، وَفَسَادُ الْقَلْبِ فَسَادٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ. وَمِنْ أُصُولِ إِصْلَاحِ الْقُلُوبِ أَيْضًا أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ تَفَاضُلَ الْأَعْمَالِ وَتَفَاوُتَهَا فِي دَرَجَاتِهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ. فَكَمْ مِنْ رَجُلَيْنِ يُصَلِّيَانِ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ خَلْفَ إِمَامٍ وَاحِدٍ فِي فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ، وَبَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ فِي الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَمَحَلُّ التَّفَاضُلِ فِي الْأَعْمَالِ هُوَ الْقَلْبُ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي وَلَيْسَ لَهُ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا عُشْرُهَا، إِلَّا تِسْعُهَا، إِلَّا ثُمُنُهَا، إِلَّا سُبْعُهَا، إِلَّا سُدُسُهَا، حَتَّى قَالَ: إِلَّا نِصْفُهَا». تَفَاضُلٌ عَظِيمٌ فِي الْأَعْمَالِ، مَا سَبَبُهُ إِلَّا مَا يَقُومُ فِي الْقَلْبِ مِنْ التَّفَاضُلِ. وَمِنَ الْأُصُولِ أَيْضًا فِي إِصْلَاحِ الْقُلُوبِ أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ الْقَلْبَ يَتَقَلَّبُ تَقَلُّبًا شَدِيدًا، تَقَلُّبًا شَدِيدًا وَصَفَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِوَصْفٍ عَظِيمٍ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ عِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ أَشَدُّ تَقَلُّبًا مِنْ الْقِدْرِ حِينَ غَلَيَانِهَا» أَوْ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. يَتَقَلَّبُ الْقَلْبُ تَقَلُّبًا، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، تَارَةً عَلَى حَالٍ وَأُخْرَى عَلَى حَالٍ. رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «سَارِعُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا». اللَّهُ أَكْبَرُ، مَا أَشَدَّ تَقَلُّبَ الْقُلُوبِ، وَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى أَنْ نَسْأَلَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الثَّبَاتَ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ مِنْ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ». مِنَ الدَّاعِي إِنَّهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو رَبَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَذَا الدُّعَاءِ، وَيُكْثِرُ مِنْ ذَلِكَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ». فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَكْثَرَ مَا نَسْمَعُكَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الدُّعَاءِ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ قُلُوبَ الْعِبَادِ إِنَّ قُلُوبَ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، أَوْ قَالَ: مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ». يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، الْقُلُوبُ تَتَقَلَّبُ، الْقُلُوبُ تَتَقَلَّبُ. فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى أَنْ نَسْأَلَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى دِينِهِ وَأَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى طَاعَتِهِ. وَمِنْ أُصُولِهِ إِصْلَاحُ الْقُلُوبِ أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ الْقَلْبَ هُوَ مَوْطِنُ وَمَوْضِعُ الْفِتَنِ، وَأَكْثَرُ مَا تَحْصُلُ الْفِتَنُ وَأَوَّلُ مَا تَحْصُلُ الْفِتَنُ عَلَى الْعَبْدِ، فَإِنَّهَا تَقَعُ وَتَصِلُ إِلَى قَلْبِهِ. رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، بَلْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَعَرْضِ الْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّمَا قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّمَا قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ الْقُلُوبُ عَلَى قَلْبَيْنِ: قَلْبٍ أَسْوَدَ مُرْبَادًا كَالْكُوزِ مُجَخِيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ، وَقَلْبٍ أَبْيَضَ لَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ». اللَّهُ أَكْبَرُ، الْفِتَنُ تُعْرَضُ عَلَى الْقُلُوبِ، وَشَبَّهَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِأَعْوَادِ الْحَصِيرِ، بِأَعْوَادِ الْحَصِيرِ، أَيْ أَنَّهَا تَأْتِي شَيْئًا فَشَيْئًا. فَأَيُّمَا قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، أَيْ تَقَبَّلَهَا، نُكِتَتْ فِي ذَلِكَ الْقَلْبِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، تَكُونُ سَبَبًا فِيمَا بَعْدُ فِي سَوَادِ قَلْبِهِ وَفِي ظُلْمَةِ قَلْبِهِ وَفِي قَسْوَةِ قَلْبِهِ وَفِي مَوْتِ قَلْبِهِ. فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُعَلِّمُ رَبُّنَا وَيَرْضَى. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. عِبَادَ اللَّهِ، وَمِنْ أُصُولِ إِصْلَاحِ الْقُلُوبِ أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ ثَمَرَةَ صَلَاحِ الْقَلْبِ، وَيَعْلَمَ ثَمَرَةَ الْقَلْبِ السَّلِيمِ. قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، انْظُرْ إِلَى دُعَاءِ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. فَلَا نَفْعَ لَكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ، وَلَا خَيْرِيَّةَ لَكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، إِلَّا أَنْ تَأْتِيَ رَبَّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْقَلْبِ السَّلِيمِ، الَّذِي مِنْ وَصْفِهِ أَنَّهُ سَلِيمٌ مِنْ جَمِيعِ الْآفَاتِ، مِنْ جَمِيعِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، سَلِيمٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا. اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾، مُنِيبٍ إِلَى رَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ. ﴿أُدْخِلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. أَسْأَلُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. وَأَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُصْلِحَ قُلُوبَنَا وَجَوَارِحَنَا وَأَحْوَالَنَا، إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ. وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ.

شاركنا على