الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 23، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
بيّن الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة أن المرجئة المبتدعة ضلال، وأصل الإرجاء التأخير، فظهرت أولًا فيمن أرجأ أمر علي وعثمان، ثم تطورت إلى مرجئة الفقهاء الذين أخرجوا العمل من مسمى الإيمان، وأجمع السلف على أنهم ليسوا كفارًا بل مبتدعة ضلال.
يبيّن المقطع أصول المرجئة في نفي الزيادة والنقصان في الإيمان وإخراج العمل عن مسمى الإيمان، ثم يذكر نشأتهم في عصر التابعين وشدة إنكار السلف عليهم كإبراهيم النخعي والزهري والثوري، محذرين من أن بدعتهم تهون المعاصي وتضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى شبهوا الإسلام بثوب سابري رقيق، ولفتنتهم أخوف من فتنة الخوارج.
يبيّن المقطع عقائد المرجئة المتمثلة في إنكار زيادة الإيمان ونقصانه وتسوية الناس فيه، وما يترتب على ذلك من ضعف الغيرة على محارم الله والتهاون بإنكار المنكرات. وينقل عن الأئمة أن فتنتهم أخوف على الأمة من فتنة الخوارج، وأنهم مبتدعة ضلال خارجون عن أهل السنة والجماعة، مع الإشارة إلى زلة أبي حنيفة في هذا الباب ورجوعه عنها، وتحذير ابن تيمية من بدعهم.
يسأل الداعي الله الهداية والثبات على الإسلام والسنة، والحماية من الفتن الظاهرة والباطنة، ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا بهذه العقيدة النافعة التي أملاها الإمامان الجليلان أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي رحمهما الله تعالى، فيما أدركاه على العلماء في جميع الأمصار، فهو إجماع أهل العلم من أهل السنة في كل بلاد العلم في الدنيا، وكان من أكثر أهل العلم رحلة ولقاء بالعلماء رحمهم الله فيما أملياه على تلميذهما الإمام الكبير أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رحمه الله. ولازلنا في هذه الرسالة النافعة التي من لقي الله بها نجا، وينبغي لطالب العلم أن يفهمها. لازلنا نتفهم معانيها وعباراتها. قالا رحمهما الله تعالى: «والمرجئة المبتدعة ضلال». والمرجئة المبتدعة ضلال. وهذا بيان لأهم الفرق التي تعتبر أصول الفرق التي تفرعت عنها الفرق في الإسلام. أصول الفرق التي تفرعت عنها الفرق خمس فرق، وزاد بعضهم فرقة سادسة، وهم: المرجئة، والقدرية، والجهمية، والرافضة، والخوارج. وربما زاد بعض أهل العلم ذكر الجبرية. فهذه أصول الفرق الضالة التي تفرعت عنها فرق الضلال إلى يومنا هذا، فكل يقتبس منها شعبة من ضلالها، وربما خلط معها أشياء من الحق، وزاد من أخرى ضلالاً ضلالاً آخر، فخرجت لنا ألوان وأنواع من المبتدعة الضالين. يقول الإمامان رحمهما الله تعالى: «والمرجئة المبتدعة ضلال». حكموا في هذه العبارة على المرجئة بحكمين: الحكم الأول أنهم مبتدعة، والحكم الثاني أنهم ضلال. وأما تكفيرهم فقد أجمع السلف على أنهم ليسوا كفاراً، فلم يحصل في الأمة خلاف بين السلف في تكفير المرجئة، لكن أهل العلم حكموا عليهم بالإسلام، وحكموا عليهم بالبدعة والضلال. والمرجئة المبتدعة ضلال. والإرجاء أصله التأخير. الإرجاء في لغة العرب أصله التأخير، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف: 111]، أي أمهله وأخره. والمرجئة هذا الاسم، كما يقول الإمام محمد بن جرير الطبري ناقلاً عن الإمام الكبير سفيان بن عيينة رحمه الله، أطلق قديماً على من لم يتولَ عثمان ولا علياً ولم يتبرأ منهما أيضاً، لم يتولاهما ولم يتولوهما ولم يتبرأوا منهما. فرق من الفرق قالوا: لا نحن معهم ولا نحن ضدهم. لما ظهرت الخوارج في الكوفة، وظهرت الخوارج في العراق، ووصلوا إلى المدينة، وهذه الطائفة يقول ابن عيينة: قد انقرضوا. هؤلاء انقرضوا، سموا في ذلك الزمن مرجئة لأنهم أرجأوا أمر علي وأمر عثمان رضي الله عنهما، أرجأوا أمرهما، قالوا: لا نتولاهما ولا نعاديهما. فهذه أول فرق المرجئة. ثم ذهب هؤلاء فجاء أقوام آخرون قالوا: الإيمان قول بلا عمل، وقالوا: الإيمان هو التصديق، والقول والعمل ليس من الإيمان، فأخرجوا العمل عن مسمى الإيمان. وهؤلاء يسمون مرجئة الفقهاء، يسميهم العلماء بمرجئة الفقهاء، وهم جماعة من أهل الفقه والرأي. أول ما بدأوا بدأوا من بلاد الكوفة، ولم يكن في تلامذة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أحد على فكرتهم، بل كانوا من أشد الناس كلاماً وقدحاً فيهم. لو نظرت في أشد من تكلم في المرجئة تجد أنهم من أهل العراق والكوفة خاصة، من أشد الناس لأنهم ظهروا فيهم وابتلوا بهم وعرفوهم ما لا يعرفه غيرهم. فمرجئة الفقهاء جماعة عندهم فقه، ولكنه دخلهم هذا المذهب الخبيث، هذا المذهب المبتدع المسمى بالإرجاء، أخروا العمل عن مسمى الإيمان. وكان قولهم كردة فعل لقول الخوارج في تكفير فاعل الكبيرة أو الذنوب، فقالوا: هم بل نحن لا نكفره ونحكم عليه بأنه مؤمن كامل الإيمان. هكذا قالت المرجئة في ذلك الزمن، هكذا قالت المرجئة في ذلك الوقت. فعندهم الإيمان لا يزيد ولا ينقص، كما قدمنا مراراً. من أصولهم أيضاً إنكار الاستثناء في الإيمان، وإخراج العمل عن مسمى الإيمان. فهذه أصول المرجئة، من قال منها بشيء فهو مرجئ، وهي متلازمة. ثم بعد هؤلاء جاءت الجهمية وإرجاؤهم، وجاءت الكرامية وإرجاؤهم. فالجهمية كما سيأتي معنا قالوا: الإيمان المعرفة، فمن عرف الله فهو مؤمن، وبهذا كفرهم بعض السلف كما سيأتي عند الكلام عن الجهمية إن شاء الله تعالى. والكرامية قالوا: يكفي في الإيمان قول اللسان فقط، وهذا أيضاً من البدع المنكرة العظيمة. نسأل الله العافية والسلام. المرجئة كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حدثت في إمارة عبد الله بن الزبير رحمه الله، لما حدث الخلاف بينهم وبين عبد الملك بن مروان، فخرجت المرجئة في تلك المدة. فهم لم يخرجوا في زمن الصحابة، وإنما خرجوا في أول زمن التابعين، أول زمن التابعين، وبقي بعض الصحابة، وكان بعض الصحابة موجودين. فخرجت المرجئة في ذلك الزمن، واشتد إنكار السلف على المرجئة، اشتد إنكار السلف على المرجئة غاية الإنكار رحمه الله، وأغلظوا القول فيهم، أغلظوا القول فيهم، لأنهم قابلوا باطلاً بباطل. هم يريدون الرد على الخوارج، فقابلوا قول الخوارج المنكر بقول منكر آخر، بقول باطل آخر، قابلوا باطلاً بباطل، وردوا باطلاً بباطل. نسأل الله العافية والسلام. وهؤلاء الذين يفعلون مثل هذا يكون ضررهم عظيماً في هذه الأمة، حتى قال إبراهيم النخعي: «لفتنتهم - يعني المرجئة - أخوف على هذه الأمة من الأزارقة»، أي من فتنة الأزارقة وهم الخوارج. وإبراهيم النخعي من أئمة الكوفة الذين أول ما ظهر الإرجاء ظهر فيهم. لفتنتهم أخوف، أي المرجئة لفتنتهم أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة. رحمه الله تعالى وغفر. وكان الإمام محمد بن شهاب الزهري يقول: «ما ابتدعت بدعة في الإسلام أضر على أهله من الإرجاء». يقول الزهري رحمه الله: «ما ابتدعت بدعة في الإسلام أضر على أهله من الإرجاء». نسأل الله العافية والسلام. ما ابتدعت بدعة - ظاهر كلامه - ولا بدعة الخوارج، ما ابتدعت بدعة أضر على أهل الإسلام من بدعة المرجئة. هكذا يقول الإمام الزهري رحمه الله تعالى. وكذلك قال يحيى بن أبي كثير، وقتادة بن النعمان، وجماعة: «ليس شيء في أهل الأهواء - ليس شيء من الأهواء أخوف عندنا على الأمة من الإرجاء». ليس شيء من الأهواء أخوف عندنا على الأمة من الإرجاء. قد يقول قائل: لما هذا الإغلاظ كله؟ والجواب: أن من مفاسد قول المرجئة العظيمة أنه لا ينتشر الإرجاء في بلد إلا ظهرت فيه المعاصي والفسوق ما لا يكون في غيره، لأنه يهون في قلوبهم إنكار المنكر، فتراهم لا يغضبون على منكر يفعل. فتجد البلاد التي يظهر فيها المرجئة يضعف فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولهذا يقول الأئمة: «لفتنتهم أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة»، لأنهم يسلخون الإنسان عن تعظيم الدين، فتراه يرى المنكرات والمعاصي ويرى الكبائر ولا يتحرك في قلبه كبير إنكار. نسأل الله العافية والسلام. حتى قال الثوري: «تركت المرجئة الإسلام أرق من ثوب سابري». والثوب السابري هو الشفاف الذي يرى ما وراءه. هذا الثوب السابري معناه أنهم جعلوا الإسلام ضعيفاً واهياً، يرتكب فيه من يرتكب العصيان العظيم ولا ينكر قوله، ولا يرد قوله، وربما يحترم هذا الإنسان مع فعله للمعاصي. وهذا واضح جلي في مرجئة هم الصوفية. الصوفية اليوم من أصول ضلالهم أن عندهم نوع إرجاء. الصوفية عندهم إرجاء، فتجد إنكارهم للمعاصي ضعيفاً، لا تكاد تجدهم يغضبون إذا انتهكت حرمات الله، أو إذا انتشرت بعض الفواحش والمنكرات، لا تجد لهم الغضب لله عز وجل والغيرة بإشعال المنابر بإنكار المنكر أو نحو ذلك. السبب ما عندهم من الإرجاء، ما عندهم من الإرجاء، فتنطفئ نار الغيرة في قلوبهم، تنطفئ نار الغيرة. ربما يوجد في بعض الأماكن منهم من يشار إليه بالبنان، ويشار إليه أيضاً ببعضائم العصيان، ولا ينكرون أمره بل يوالونه غاية الولاء. وجد هذا وهذا معلوم. نسأل الله السلامة والعافية. هذا من ثمار فكر، فكر الإرجاء ومذهب الإرجاء السيء. ولهذا يقول الأئمة: «لفتنتهم أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة». الأزارقة يذبحون المسلمين، لكن هؤلاء يذبحونهم بغير سكين. فالأزارقة يذبحونهم بالسكاكين، أما المرجئة فيذبحونهم بالتهاون بالدين وعدم الغيرة على منكرات التي يحارب بها الدين. نسأل الله العافية والسلامة. لهذا يقول الأئمة: «ليس شيء من الأهواء أضر على أهل الإسلام من المرجئة». الضرر حاصل، الضرر حاصل. ولهذا يقول الإمامان: «والمرجئة المبتدعة ضلال». فهم مبتدعة، خارجون عن أهل السنة والجماعة، من الفرق الهالكة الضالة، من الفرق الزائغة الخبيثة التي هي من بلاء عظيم على أمة الإسلام، يجب التحذير منها ومن فكرها، فإنه لا يقل خطراً عن فكر الخوارج. تقدم أن المرجئة لهم أصول، منها: إنكار زيادة الإيمان ونقصانه، ومنها: إنكار تفاضل الإيمان، فالناس في أصل الإيمان سواء، وسواء عندهم في كل الإيمان سواء عندهم. ولهذا يسأل بعضهم عن بعض من يرتكب الكبائر: أمؤمن هو؟ فيقول: نعم. فيقال له: إيمانه كإيمان أبي بكر؟ فيقول: نعم. هكذا يقول في مرتكب الكبيرة يجعل إيمانه كإيمان صديق الأمة. نسأل الله العافية والسلام. ولا يقولون أيضاً بالاستثناء في الإيمان، يذكرون الاستثناء في الإيمان. هذه أيضاً من علامات الإرجاء، أو من أصولهم التي خالفوا فيها، وخالفوا في الفاسق الملي. وهي أول المسائل التي حدثت في الأمة: مسألة الفاسق الملي، وهو صاحب الكبائر والذنوب. والمعاصر أبو حنيفة رحمه الله من أئمة السنة، وزلت قدمه في هذا الباب، فهو في هذا الباب عندهم إرجاء. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن إرجاءهم ليس إرجاء الغلو»، يعني كإرجاء الجهمية الذين يقولون: الإيمان المعرفة، فيلزمهم أن يكون إبليس مؤمناً، وأن إبليس لم يكفر. هذا من لازم قول الجهمية كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وكذلك الكرامية الذين قالوا: الإيمان القول، ويلزمهم أن المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم مؤمنون كامل الإيمان. عياذاً بالله. هذه بدعة قادية. يقول ابن تيمية: «وأما مرجئة الفقهاء فبدعهم بدع من بدع الأقوال والأفعال، وهم يقولون بإنكار المعاصي مرجئة الفقهاء، لكنهم يجعلونها من لازم الإيمان وثمرته لا من حقيقته ولا داخلة في مسمى». ابن تيمية في أحد قوليه من صح التعبير يرى أن الخلاف لفظي، والتحقيق في القول الصواب ما ذكره الإمامان: أن المرجئ مرجئة الفقهاء ليسوا من أهل السنة والجماعة. «والمرجئة المبتدعة ضلال». أبو حنيفة رحمه الله رجع عن كثير من الأمور إلى السنة، رجع عن كثير من البدع إلى السنة رحمه الله، وعد من أهلها. وأما من بعده من الحنفية فقد قالوا بأنواع من البدع، وصاروا ماتريدية في باب الأسماء والصفات وغيرها من الأبواب. وكان أبو حنيفة رحمه الله في باب الأسماء والصفات على مذهب السلف، وفي غيره من الأبواب رحمه الله. احتمل الأئمة زلته رحمه الله وغفر. قال رحمهما الله تعالى: «والمرجئة المبتدعة ضلال». هذه الفقرة مهمة، فهذه الفرق من الفرق الضالة التي حصل بضلالها ضلال عظيم في الأمة إلى زماننا هذا. فنسأل الله عز وجل أن يهدينا بهداه، وأن يصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يحينا على الإسلام والسنة، ويميتنا عليهما، إنه جواد كريم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.