الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 26، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يقرر المؤلف أن منزلتين أساسيتين من القضاء والقدر هما علم الله السابق بكل شيء وكتابته للمقادير قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، مستنداً إلى أحاديث صحيحة عن ابن عمر. ويرد على مذاهب القدرية والجبرية المخالفة لعقيدة أهل السنة.
يستعرض المقطع أحاديث تدل على سبق علم الله وكتابة المقادير قبل خلق السماوات والأرض، وكون العرش على الماء، مع ذكر خلاف العلماء في أول المخلوقات بين العرش والقلم. كما يبرز فضيلة السؤال وطلب العلم كما فعل وفد اليمن مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأن السؤال من أبواب التفقه في الدين.
ينقل المقطع وصية الصحابي عبادة بن الصامت لابنه عند الموت بأن حقيقة الإيمان لا تتم إلا بالتصديق بالقدر خيره وشره، مع اليقين بأن ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه. ويؤكد أن الواجب عند نزول المصائب هو الصبر واحتساب الأجر، لأن البكاء والجزع لا يردّان قضاء الله.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فنقرأ إن شاء الله تعالى في كتاب الشريعة للإمام الكبير أبي بكر محمد بن الحسين الآجري، المتوفى سنة ستين وثلاثمائة للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له، ورفع درجته في المهديين، وأعظم له الجزاء على نصحه وبيانه للحق والسنة وذبه عنها. ونحن في أبواب القضاء والقدر، وهذا الباب ضلت فيه القدرية فغلوا، وضلت فيه الجبرية فجفوا. والقدرية منهم نفاة العلم، وهؤلاء كفار، وهؤلاء كفار الذين يقولون: إن الله لم يعلم ببعض أعمال العباد، يعنون المعاصي، فهؤلاء مرتدون كفار بإجماع أهل العلم. وصنف آخر هم المعتزلة، وهم القدرية الذين لا يوصفون بالغلو ولكنهم قدرية، وهم المعتزلة الذين يقولون: لم يشأ الله أن يعصر، فيجعلون مع الله خالقاً آخر، شعروا أو لم يشعروا. ولهذا جاء في بعض الروايات الموقوفة: إنهم مجوس هذه الأمة، لأنهم جعلوا خالقاً للخير وخالقاً للشر. قال رحمه الله تعالى: «باب الإيمان بأن الله تعالى قدر المقادير على العباد قبل أن يخلق السماوات والأرض». وهذا الباب فيه إثبات علم الله السابق بما كان وما يكون وما سيكون. أحاط الله بكل شيء علماً، فمقادير الخلائق، سواء كانت شرًّا عليهم أم خيرًا لهم، مصائب أو أمراض أو أي شيء يحصل له خيراً أو شرًّا، كل ذلك قد سبق في علم الله أنه كائن. وهذا التقدير كان قبل أن يخلق الله السماوات والأرض، كتب مقادير العباد، ففيه إثبات منزلة الكتابة، وفيه إثبات علم الله السابق، وهاتان منزلتان من منازل القضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة. وبقيت منزلتان أخريان هما المشيئة والخلق، فهي أربع منازل، من أتى بها فقد أتى بعقيدة المسلمين وعقيدة أهل السنة في باب القضاء والقدر: علم سابق، وكتابة لكل شيء، ومشيئة لما شاء الله عز وجل، وخلق لأفعال العباد وللعباد. والله خلقكم وما تعملون. قال رحمه الله تعالى: «باب الإيمان بأن الله تعالى قدر المقادير على العباد قبل أن يخلق السماوات والأرض». قال رحمه الله تعالى: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا أبو هانئ، عن أبي عبد الرحمن الحبولي، عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «فرغ الله تعالى من مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». هذا الحديث ثابت، وهو حديث صحيح. فرغ الله تعالى من مقادير الخلق كلها، ما سيكون وما هو كائن وما سيحصل وما هو حاصل، كل ذلك قد كتبه الله جل جلاله. في هذا إثبات علم الله السابق وعلمه المحيط بكل شيء، وأن الله أحاط بكل شيء علماً، وفيه إثبات الكتابة. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني أبو هانئ الخولاني، عن أبي عبد الرحمن الحبولي، عن عبد الله بن عمر بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كتب ربكم تعالى مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»، قال: «وكان عرشه على الماء». قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا صفوان بن صالح، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ابن لهيعة، عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف من قبل ومن بعد، لكن مثل هذا قوي بما قبله. حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي هاني، عن أبي عبد الرحمن الحبولي، عن عبد الله بن عمر بن العاص، قال: قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كتب الله مقادير الخلائق وعرشه على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة». قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا أبو مروان عبد الملك بن حبيب، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، أحد الثقات المجاهدين الغزاة، عن الأعمش، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن عمران بن حسين، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه نفر من أهل اليمن، فقالوا: «أتيناك يا رسول الله لنتفقه في الدين، نسألك عن أول هذا الأمر». فقال: «كان الله تعالى ولم يكن شيء، وكان عرشه على الماء، ثم كتب في الذكر كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض». وهذا الحديث حديث عظيم، حديث عمران بن حسين رضي الله عنه وأرضاه، وفيه السؤال عن هذه المسائل الكبيرة، والرحلة في السؤال عنها، فقد رحل هؤلاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من أهل اليمن، وحين جاءوا إلى رسول الله جاءوا بمسألتهم معهم: «أتيناك يا رسول الله لنتفقه في الدين»، وهذا يدل على كمال عقل هؤلاء وتوفيق الله لهم، فكم من إنسان يلقى عالماً ولا يسأله، لا يستفيد منه ولا في مسألة واحدة، وهذا حرمان. «أتيناك يا رسول الله لنتفقه في الدين، نسألك»، وفيه أيضاً أن من أنواع الفقه في الدين السؤال، فمن أنواع الفقه في الدين والتفقه في الدين ما يكون بالسؤال، فمن أساليب العلم وضع السؤال ثم النظر في الجواب. وقد ذكر الله في القرآن نحو ثلاثة عشر موضعاً فيها سؤال وجواب: «يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير»، «يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن» الآية، «ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير»، في نحو ثلاثة عشر موضعاً، شاهد السؤال وأنه سبيل للتفقه في الدين. «أتيناك يا رسول الله لنتفقه في الدين، نسألك عن أول هذا الأمر»، سؤال عظيم، سؤال كبير. قال: «كان الله تعالى ولم يكن شيء»، أي هو الأول سبحانه، هو الأول، وكل ما سوى الله فهو بعده مخلوق بعد أن لم يكن، فالله له الأولية المطلقة والآخرية المطلقة، فهو الأول والآخر، والمخلوقات لها أولية، لها بداية، ولها نهاية، إلا ما جاء الدليل على أن الله أبقاه بلا نهاية، ومن ذلك الجنة والنار. فالله هو الأول، واسمه الأول، ووصفه الأول سبحانه وتعالى. «كان الله ولم يكن شيء، وكان عرشه على الماء»، هذا يدل على أن العرش خلق قبل السماوات والأرض، وهل هو أول المخلوقات؟ فيه خلاف بين أهل السنة على قولين: القول الأول: أن أول المخلوقات العرش، وذهب له جماعة من أهل العلم، ولعله تقدمت هذه المسألة، وابن القيم ينتصر لهذه. والقول الثاني: أول ما خلق الله القلم، لحديث ابن عباس: «أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيام»، وذكر ذلك ابن القيم في نونية، والناس مختلفون في القلم، هل كان قبل العرش أو هو بعده؟ قولان عند أبي العلاء الهمذاني، والحق أن العرش قبل، لأنه قبل الكتابة كان ذا أركان، وكان عرشه على الماء، ثم كتب في الذكر كل شيء، هذه منزلة الكتابة، ويسبقها العلم، ثم كتب في الذكر كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض. قال رحمه الله تعالى: «باب الإيمان بما جرى به القلم مما يكون أبداً». وهذا أيضاً فيه ذكر الكتابة والعلم السابق. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا أبو مروان، أبو مروان هشام بن خالد الأزرق الدمشقي، قال: حدثنا الحسين بن يحيى الخشني، عن أبي عبد الله مولى بني أمية، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول شيء خلقه الله القلم، ثم خلق النون وهي الدواة، ثم قال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون وما هو كائن من عمل أو أثر أو رزق أو أجل، فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، فذلك قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، ثم ختم على القلم، فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة». المعلق يقول: الأثر أو الحديث باطل، يعني أنه خطأ ركب من أحاديث أخر على هذا الإسناد، ولهذا لولا وجود يعني براءة هؤلاء من الوضع لحكم عليه بالوضع، فيقال: باطل. أما أن الله خلق أول القلم فسيأتي في أحاديث أخر إن شاء الله. قال رحمه الله: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثنا معاوية بن صالح، قال: حدثني أيوب، أبو زيد الحمصي، عن عبادة بن الوليد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه عبادة بن الوليد، عن أبيه الوليد، أنه دخل على أبيه عبادة وهو مريض، يرى فيه الموت أو يرى فيه الموت، فقال: «يا أبه، أوصني واجتهد، أوصني واجتهد»، وصية مودع، والمودع ينتقل من عالم إلى عالم، فنصائحهم من أثمن ما يكون ومن أغلى ما يكون من النصح والإرشاد والتوجيه. قال: «يا أبه، أوصني واجتهد»، قال: «اجلس». بعض أهل العلم يرى أن من تعظيم العلم إكرامه بالجلوس ونحوه، فمن كان قائماً قيل: قعد، أي لطف لما يقال، وتعظيماً للعلم، وهي أمور قلبية. قال: «اجلس، ثم قال: إنك لن تجد طعم الإيمان، ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره». قلت: كيف لي أن أعلم خيره وشره؟ قال: «تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث عبادة بن الصامت: أول شيء خلقه الله تعالى القلم، أول شيء، وبهذا يأخذ بعض أهل الحديث على أن القلم أول ما خلقه الله، أول شيء خلقه الله تعالى القلم، وهذا قول ناصر الدين الألباني رحمه الله، فقال له: أجرى، فجرى تلك الساعة إلى يوم القيامة بما هو كائن، فإن مت وأنت على غير ذلك دخلت النار». كم بقي من الأذان؟ بس، طيب، نقرأ أو نقف؟ نقف، باقي دقيقتين. قال: أخبرنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حر بن القاضي، قال: حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: حدثنا عصمة، أبو عاصم، عن عطاء بن السائب، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: «إن أول ما خلق الله من شيء القلم، إن أول ما خلق الله من شيء القلم، فخلقه من هجاء، فقال: قلم، فتصور قلماً من نور، ظله ما بين السماء والأرض». قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن شاهين الحافظ المعروف، قال: حدثنا عبد الله بن عمر الكوفي، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان، عن معاوية بن يحيى، عن الزهري، عن محمد بن عبادة بن الصامت، قال: دخلت على أبي، فقال: «أي بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول شيء خلقه الله القلم، فقال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى تلك الساعة، فجرى تلك الساعة، فجرى تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة». قال رحمه الله تعالى: وهذا يدل على أن كل شيء مكتوب، كل شيء بقضاء وقدر، كل شيء قد كتب، فإذا ابتلي الإنسان علم أن البكاء والجزع لا يعيد غائباً قد فقد، ولا يرفع مصيبة قد نزلت، كالموت، وعليه الصبر واحتساب الأجر والإيمان بالقضاء والقدر، فإن هذا من أعظم ما يريح الصدور ويزيد الإيمان، فتأتيه الأمور يعلم أنها آتية لا محالة، وأن الله يمتحنه ويختبر إيمانه. طيب، لعلنا نقف عند هذا الأثر، ونقرأ فيما بعد هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.