الدرس في كتاب الطهارة 3، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يناقش المقطع الفرق بين قول الناظم ابن رسلان في منظومته وقوله في شرحه حيث رجح طهارة الماء المستعمل بالدليل، مبيناً أن الأئمة يقدمون الحجة الصحيحة على التعصب للمذهب. ويؤكد أن الواجب على طالب العلم اتباع الدليل وإن خالف المعتمد في المذهب.
يشرح المقطع شرط بقاء الماء طهوراً عند مخالطة الطاهرات، مبيناً أن التغير المزيل لاسم الماء يبطل الوضوء به مع إمكان صونه. ويستثني من ذلك التغير اليسير الذي لا يزيل اسم الماء ويصعب الاحتراز منه كاختلاط الأوراق والتراب.
يبيّن المقطع أن الماء المتغير بمادة طاهرة يبقى طاهراً مطهراً ما لم يفقد اسم الماء، مستدلاً بحديث اغتسال النبي من إناء فيه أثر العجين. ثم يناقش ضعف حديث القلتين سنداً ومتناً، مرجحاً عدم صحة التحديد بالقلتين والاستدلال بحديث بئر بضاعة.
يوضح المقطع حديث بئر بضاعة حيث قال النبي ﷺ: «الماء طهور لا ينجسه شيء» إلا ما غلب على ريحه أو لونه أو طعمه. ويستدل بذلك على أن الماء لا ينجس بمجرد وقوع النجاسة بل بتغير إحدى الصفات الثلاث، وهو قول محققي الشافعية ومالك وأحمد.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لا نزال في كتاب "صفوة الزبد فيما عليه المعتمد" للعلامة الزاهد أحمد بن حسين بن رسلان رحمه الله تعالى، المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة للهجرة. وهذه بعض الأسئلة على الدرس السابق: يقول السائل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قول المؤلف رحمه الله: "يصح تطهير بما... وإنما يصح تطهير بما أطلق لا مستعمل". السؤال: هل كان الأولى أن نحمل صنيع المصنف كصنيع غيره قبل النووي، حيث إن المؤلف يتقيد بهذه المنظومة أن يذكر ما هو المعتمد في المذهب، أما رأيه في شرح البخاري أو سنن أبي داود فلا يتقيد بهذا المذهب، بل يذكر أقوال العلماء ثم يرجح ما ترجح عنده؟ كما يقال: للنووي ترجيح في المذهب وترجيح خارج المذهب. كذلك الناظم ذكر هنا ما هو الراجح في المذهب، وهناك ما ترجح له، أم نقول إن الناظم وقع في التعصب بهذه المسألة؟ أولا: بالنسبة لكلام ابن رسلان رحمه الله، فقد علقه تعليقا في كتابه "شرح سنن أبي داود" في المجلد الأول، الصفحة التاسعة والعشرين بعد الخمسمائة، علق على حديث ما جاء في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جفنة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتوضأ منها أو ليغتسل، فقالت: يا رسول الله إني كنت جنبا، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الماء لا يجنب». تقدم أن الحديث حسن لغيره بشواهده. ولما وقف الناظم رحمه الله تعالى على هذا الحديث قال معلقا: «وفي الحديث دليل للقول القديم للشافعي ومذهب مالك ورواية عن أحمد أن الماء المستعمل في فرض الطهارة مطهر». انتهى. ثم نقل عن شارح الموطأ أن ذلك -أي هذا القول- هو قول أكثر أهل العلم، وأن أحاديثه هي الأصح. في مثل هذا الموضع ينبغي أن يعلم أن الأئمة لا يتعصبون لأقوال المذهب، لا يتعصبون لأقوال المذهب. هذا هو المعلوم عنهم، كما نبه على هذا في مقدمة قراءة هذا الكتاب النافع: لا يتعصبون. وهذا الذي أوصى به الإمام الشافعي تلميذه إبراهيم المزني، إسماعيل بن يحيى المزني، أبا إبراهيم، قال: «مع إعلاميه نهيه عن تقليده». فلهذا تعددت الأقوال في نفس المسائل في المذهب، وتكثر اتباع الأدلة في مذهب الشافعية الأوائل، فقد كانوا يجتهدون رحمهم الله غاية الاجتهاد حتى ظهر منهم أصحاب الوجوه، وهم علماء مجتهدون في المذهب، بل منهم من بلغ رتبة الاجتهاد المطلق كابن المنذر، وكمحمد بن نصر المروزي، وأبي ثور، وغيرهم من الأئمة. فهؤلاء إن وقفوا على الحجة أخذوها. وهكذا الإمام النووي في المتأخرين. وهذا ما جعل بعض المتأخرين يضطرب؛ فالإمام النووي قد يذكر في كتابه "المنهاج" الذي لخصه من كتاب "المحرم" للرافعي، لخص منه "المنهاج" ثم نقح وخالف الرافعي في أشياء كثيرة. قد يقول بقول ثم تراه له رأيا آخر في كتابه "المجموع"، وكذلك قد تجد له رأيا في شرحه على صحيح مسلم، وقد تجد له رأيا آخر في "منهاج الطالبين" أو في "روضة الطالبين" في كتاب "الروضة". وهذا الموضع اضطرب فيه: هل تعد أقوالا في المذهب أم تعد أقوالا خارجة عن المذهب؟ فيه نزاع بينهم، كالنزاع السابق في مسألة أصحاب الوجوه: هل يعد خلافهم خارج المذهب أم يعد خلافهم مما يرد إلى المذهب ويكون قولا في المذهب؟ وهذا كله أولا يدل على التجرد للدليل والحجة. فمثل الناظم ومثل النووي، أحسن ما يحمل عليه اختلاف الترجيح هو ظهور المسألة بوجه آخر عنده. ولهذا قال أبو حنيفة وقد أملأ بعض الأقوال: «إنا نقول القول اليوم فلا تكتبوه، فإنا قد نرجع عنه غدا، قد نرجع عنه غدا». يعني: فيأتي السامع فيأخذ عني القول الذي سمع ويذهب، ولم يطلع على أني قد رجعت بعده بيوم واحد إلى قول آخر مخالف لقولي في اليوم الأول. وهكذا سائر الأئمة. فالإمام الشافعي كان ببغداد وكان متأثرا بفقه مالك رحمه الله، فلما وصل المدينة -وصل إلى مصر- اطلع في رحلته تلك على أشياء غيرت اجتهاده، غيرت اجتهاده. ونص رحمه الله على أنه إذا صح الحديث فهو عين مذهبه، يعني وإن كان المذهب مخالفا للحديث. يعني: أني قد لا أطلع على الحديث وقد يخفى علي، فلا يقولن أحد: إن الشافعي لم يخفى عليه الحديث وخالف الحديث عن عمد. لا يقولن أحد هذا. ولما قيل له في حديث: أتقول به؟ قال: «أرأيت على رأسي زنارة؟» أي: الشعر الطويل الذي يفعله اليهود. يعني: أتظنني يهوديا لا أقبل سنة رسول الله؟ أنا مسلم معظم للسنة. فهذه المنظومة قال الناظم: «وإنما يصح تطهير بما أطلق لا مستعمل ولا بما...» فهذا كان رأيه الأول، ثم في شرحه على سنن أبي داود في المجلد الأول: ما لا، بل رجح القول بطهارة الماء المستعمل وأنه طهور ليس طاهرا فقط. وهذا القول أيضا قاله الرافعي. قال الرافعي بشرحه: «الماء المستعمل ماء مطلق لكن يترك تعبدا»، يعني لأجل الحديث الذي فيه النهي عن الوضوء بفضل وضوء المرأة للرجل وكذلك العكس. تعبدا يعني: أنه إن جئنا إلى معقول المعنى فإن هذا لا يدخل في الباب، وإنما أقول به هكذا. يقول أبو القاسم الرافعي الملقب بالشيخ. وإذا قيل: «قال الشيخان» يعني النووي والرافعي، يقول هذا، لكنه يقول: يترك تعبدا لأجل الحديث. الحديث ما ثبت، والنووي أعلم بالحديث من الرافعي رحمهم الله تعالى. وهكذا الشاهد: ما موقفك اليوم يا من يدرس مذهبا من مذاهب أهل العلم؟ إن رأيت المذهب يخالف الحديث والحديث صح، وقد وجد من قال بالحديث من علماء المذهب، أفتترك الحديث لأجل المذهب؟ هذا هو السؤال. والمحق: إن كنت ترد السنة لأجل المذهب فأنت كما يقال على خطر عظيم، نسأل الله العافية والسلامة، نسأل الله العافية والسلامة. فالواجب اتباع الحجة. ولهذا سيأتي معنا أن الإمام النووي في مسائل كثيرة، لو أريد لجمع بعضها يستغرب الإنسان: يكون المذهب على قول وهو نفسه قرره في بعض الكتب ثم يرده هو نفسه في كتاب آخر. مثلت سابقا بمسألة سواك بعد الزوال للصائم، ومسائل كثيرة في هذا الباب. النووي رحمه الله لا يرى المذهب في مثل هذا، والذين يتعصبون يضطربون، لا يدرون ماذا يقولون: قول هنا وقول هنا، يعني: خرج عن المذهب أو ليس من أهل المذهب، وهو من أئمة المذهب. إذن لماذا يخالف المذهب؟ ما فهموا أن الأمر قائم على تعظيم السنة والتجرد لها. قال الناظم رحمه الله تعالى: «وإنما يصح تطهير بما أطلق لا مستعمل ولا بما بطاهر مخالط تغيرا تغيرا إطلاق الاسم غيرا في طعمه أو ريحه أو لونه ويمكن استغناؤه بصونه، واستثن تغييرا بعود صلب أو ورق أو تحلب أو ترب، ولا بماء مطلق حلته عين نجاسة وهو بدون القلتين، واستثن ميتا دمه لم يسيل أو لا يذاب الطرف لما يحصلي، أو قلتين بالرطيل الرمل فوق ثمانين قريب رطلي، أو قلتين بالدمشقي هي عندكم بفتح الميم أو بكسرها، بالدمشقي أو بالدمشقي هذا الأفصح. كلمة دمشق يجوز فيها كسر الميم والأفصح فتح الميم، فيقال: دمشق هذا البلد المعروف. عندي ضبطها بالكسر لغة لكنها دون الفصيحة. الأفصح: أو قلتين بالدمشقي، مياه، أو قلتين بالدمشقي هي ثمان أرطال». أتت بعد مياه تضمنت هذه الأبيات مسائل مهمة. منها المسألة الأولى: الماء الطهور إذا خالطه طاهر، والمراد بالطاهر ما ليس بنجس. المراد بالطاهر ما ليس بنجس. فعندنا الآن اختلاط الماء الطهور بشيء طاهر ليس بنجس، ثم تغير بسبب مخالطة هذا لهذا تغيرا كثيرا، ليس تغيرا قليلا. يقول الناظم رحمه الله تعالى: «بطاهر مخالط تغيرا تغيرا إطلاق الاسم غيرا»، يعني: إذا نظر الناظر إلى هذا الخليط الجديد لم يقل: هذا ماء. هل عرفنا هذا؟ لا يقول: هذا ماء، بل يقول: عصير برتقال، أو شاي، أو قهوة، أو مرق. أنتم معي في هذا: إنسان جاب ماء، شوية عصير، شوية سكر، وحركها، هاء، وجبنا عن طفل صغير سنه ست سنوات، وإن شئتم قلتم خمس سنوات، وإن شئتم قلتم أربع سنوات، وإن شئتم قلتم ثلاث سنوات، وركزوا على كلامه لأنه يتلعثم: إيش هذا يا ولدي؟ إيش هذا؟ يقول: ما... ولا عصير. إيش يقول؟ ما... ولا عصير. يقول: ما صبين من الثلاجة كوب شاي. قلنا له: إيش هذا؟ قال: إيش... يقول: ما... يقول له: ماء مطلق؟ يقول: هذا الشاي. هل عرفنا هذا؟ هذا... هذا مراده رحمه. أو جبنا عصير آخر. إذن: تغيرا إطلاق الاسم غير، غير الاسم من نفيضة الماء مع وجودي. لو سألتكم: ما هي أكثر مادة في الشاي؟ الماء، أو السكر، أو الشاي؟ عندك أسأل: ما هي أكثر مادة في الشاي؟ الماء، السكر، الشاي؟ بسرعة: الماء. يعني: كم نسبة الشاي؟ ملعقة صغيرة، كتن كامل، صح يا جماعة؟ شيء بسيط. لكن الماء كم؟ كثير. طيب، لكن تغير تغيرا إطلاق الاسم غيرا. هل يصح الوضوء عندك أخي بالشاي؟ «بطاهر مخالط تغيرا تغيرا إطلاق الاسم غيرا في طعمه أو ريحه أو لونه ويمكن استغناؤه بصونه». أي: يمكن لك أن تحفظ هذا الماء عن اختلاطه بتلك المادة الطاهرة. يمكن أن تحفظ هذا الماء عن اختلاطه بهذه المادة الطاهرة، وإنما أنت خلطته عن عمد. أنتم معي في هذا. «ويمكن استغناؤه» أي: عن الخلط والمخالطة بصونه، بصونه عن أن يصل إليه هذا الطاهر الذي غيره، ولكنكم أنتم غيرتموه حتى فقد اسمه. هذا معنى قوله رحمه الله وغفر له. قال رحمه الله: «واستثن تغييرا بعود صلب أو ورق أو تحلب أو ترب». يعني: استثن ما كان تغييره قليلا لا يبعد اسم الماء عن الماء. هل عرفنا هذا؟ استثن من الكلام السابق: إذا كان المخالط إنما حصل به تغيير يسير، إنما حصل به تغيير يسير، ليس تغييرا كثيرا يذهب لاسمه. إنما حصل به تغيير يسير. وهذا التغيير اليسير ربما لا نستطيع الاحتراز عنه. هذا التغيير اليسير ربما لا نستطيع الاحتراز عنه. مثل أن يكون هناك غدير من الماء في غابة، سقطت في ذلك الغدير أوراق أشجار، فتغير لونه إلى ما يشبه الأحمر بسبب هذه الأوراق التي تنقل إليه. لا نستطيع الاحتراز. هل نستطيع أن نمنع وصول تلك الأوراق إلى ذلك الغدير؟ هل نستطيع؟ الجواب: لا نستطيع. أنتم معي في هذا. لا نستطيع. بخلاف الأول. بخلاف الأول لا نستطيع. طيب، هل التغيير كثير؟ لا، التغيير قليل. هذا في اللون. لكن لما أخذ الماء هاكذا، أشوف الماء من بعيد، أقول: إيش هذا؟ لونه أحمر. ثم أخذ الماء بيدي، أشوف الماء شبه صافي. أطعم الماء: الماء على صفته التي هو عليها. إنما هذه الأوراق خرجت منها مادة غيرت شيئا في لون الماء، إلا أنها لم تفقده اسم الماء، بحيث إني لو أخذت في إناء فذهبت به إلى أي إنسان فقلت: ما هذا؟ لقال: هذا ماء. هل هذا مما غير إطلاق الاسم؟ هل هذا مما غير إطلاق الاسم؟ لم يغير. رسم صورة أخرى: غدير آخر بجانبه أعواد عطرية، بعض الجذوع فيها رائحة طيبة، فيها رائحة طيبة بجانب غدير أو بئر. معروف معروف أن الماء من العناصر التي تتأثر بما حولها. أنتم معي في هذا. الماء لطيف، فربما تتأثر رائحة الماء بمرور رائحة بجواره، وربما تتأثر رائحة الماء بأعواد بجواره تنفث شيئا من الريح في نوع من اللطف والخفاء في وقت السحر، فتأخذ الماء وإذا بك تجد ريحة عطرية في الماء، مع أنه لم يخالطه إنما بجواره. أنتم معي في هذا. هذه البئر وهذه الأشجار هنا، لكن تأثر هذا الماء لطافته بهذه السيقان وهذه الجذوع، فتأثر وانتقلت إليه رائحة الماء. كذلك العكس: ربما تكون رائحة كريهة، فتجد الماء فيه رائحة كريهة، والله قال فيه جثة هناك مرمية، يحصل هذا. أنتم معي في هذا. فإذا نظرت إلى هذا الماء وجدته ماء كما خلقه الله، إلا أن الرائحة فيها شيء من الطيب أو غيره. هذا ما أشار إليه قال: «واستثن تغييرا بعود صلب» أي: بعود من الجذوع الصلبة التي تكون حول الماء، وإن لم تكن مخالطة له. أنتم معي في هذا. وإن لم تكن مخالطة. «أو ورق» كذلك. لو سقطت أوراق الأشجار يصعب الاحتراز منها. «أو تحلب»: بعض الأماكن تجد الماء من تحت فيه طحالب لونها أخضر. أنتم معي في هذا. هذا معروف. طيب، وربما تؤثر في طعم الماء، فطعم طعمه في لدغ الماء أو شيء. هذا لا يؤثر. «أو ترب»: أي تراب. ربما يكون الماء مغبرا. أنتم معي في هذا. الآن ماء السيل: صافي ولا مغبر؟ ماء السيل صافي مرة، ولا مغبر، ولا مغبر شوية بس، مغبر كثير. يعني: غبرة الماء كثير. هل هو ماء يجوز الوضوء به أم لا يا جماعة؟ ما الذي خالطه أثناء المرور؟ مر بالتراب فتغير لونه وغبر. لكن التغير يسير، تغير يسير. ربما لو وضعته فرقد، ربما تجد تحت نسبة من الترسبات الترابية، والماء قلت فيه الغبر. أليس كذلك؟ هذا موجود. بل من يعرف ذلك: لو وضعت إناء، لو وضعت إناء أو مثلا شراع، فجاء عليه المطر، كيف يكون لون الماء؟ من جرب هذا ورآه يكون صافيا، ولا فيه غبرة؟ لابد أن يكون فيه غبرة. هذا شيء مجرب. هذا لابد أن يكون فيه غبرة. سبحان الله، ينزل من السماء على ذلك الطربال أو ذلك المكان، وتجد الماء فيه غبرة أو ترب. هذا اختلط بذرات الأتربة ونحوه. والدليل على هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم اغتسل هو وميمونة من إناء فيه أثر العجين. أنتم معي في هذا. اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم هو وميمونة من إناء فيه أثر العجين. عجنت، فبقي الأثر، فجاء عليه الماء، فصار الماء لونه مبيضا أو مائلا إلى البياض بسبب وجود العجين أو بقايا العجين في تلك القصعة أو في ذلك الإناء. ومع هذا فهذا طاهر. هذا يعتبر الماء يعتبر طاهرا في هذا الحال، كما في حديث أم هانئ -أن النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة اغتسل من إناء واحد من قصعة فيها أثر العجين-، أخرجه النسائي وإسناده صحيح. أخرجه الإمام النسائي وإسناده صحيح. لكن هذا التغيير عندك، إخوان عبد الملك: هل أفقد الماء اسمه؟ بدليل أنني لو جئت بأحد فسألته لقال: هذا ماء فيه بقايا عجين. فأثبت اسم الماء. أثبت اسم الماء. وبدليل أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». الطهور ماؤه. مع أنك لو طعمت ماء البحر تجده كيف؟ كيف طعم ماء البحر عندك؟ هل ماء البحر حلو شديد الحلاوة أم مالح شديد الملوحة؟ مالح. طيب، هذا تغير. لما هو تغير؟ هذا تغير في طعمه. تغير أو ما تغير؟ تغير. طيب، هل فقد اسم الماء؟ هل فقد اسم الماء؟ ما فقد اسم الماء. أنتم معي في هذا. لم يفقد اسم الماء. هل يجوز التوضع به؟ لا شك في ذلك أنه جائز، والاغتسال به نعم، لا شك في ذلك. يقول رحمه الله: «واستثن تغيرا بعود صلب». هذا مجاوبة الماء: مادة لطيفة فيها تنقل إليها أثر غيرها بسرعة، تتأثر بالجو وبغير ذلك. «أو ورق أو تحلب أو ترب». وهذا أيضا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم. هذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وأن هذا الماء يستعمل، هذا الماء يستعمل لهذا. يقول ابن المنذر: أجمعوا على أن كل ما يغير الماء مما لا ينفصل عنه غالبا كالماء الطيني، أنه لا يسلب الماء اسم الطهارة أو التطهير، إلا خلافا شاذا روي عن ابن سيرين في الماء الآسن. سيأتي الكلام على الماء الآسن. المسألة فيها إجماع. مسألة فيها إجماع. إن شاء الله تعالى. فهاتان مسألتان مجمع عليهما. ولهذا أيضا أدلة أخرى: منها أن في الرجل الذي وقصته دابته، قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس في الصحيحين: «اغسلوه بماء وسدر». اغسلوه بماء وسدر. فوجود الماء والسدر معا وخلطهما معا لا يعني أنه ليس مطهرا، بل هو مطهر. وهذا الرجل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتطهيره بالماء والسدر. وقال صلى الله عليه وسلم لما توفيت زينب رضي الله عنها لأم عطية: «اغسلنها بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا». متفق عليه. هذا يدل على أن التغير بالطاهر إن كان يسيرا ولا يسلب الماء اسمه، فإن هذا جائز التوضؤ به والاغتسال به والتطهر به مطلقا. تقدم أن هذا نقل فيه إجماع أهل العلم. نقل فيه إجماع أهل العلم رحمه الله تعالى. يقول رحمه الله: «ولا بماء مطلق حلته عين نجاسة وهو بدون القلتين». هذا مذهب الشافعي رحمه الله تعالى. أن الماء المطلق... صورة الثانية: إذا وقعت فيه عين نجاسة، كبول أو غائط أو نحو ذلك. «ولا بماء مطلق حلته عين» أي: عين نجاسة، لكن لأجل الوزن وقف: «حلته عين نجاسة» مضاف إلى لفظ «عين نجاسة»، «وهو بدون القلتين». يعني: فيصير نجسا بمجرد وقوع النجاسة فيه، وهو دون القلتين. هل أنتم معي في هذا؟ إذا كان الماء دون القلتين، فوقعت فيه نجاسة، فإنه ماء نجس، لا يصح التطهر به ولا التطهير. هذه المسألة التي نحن فيها: هل أنتم معي في هذه؟ هذه المسألة التي نحن الآن فيها: ماء طاهر خالطته نجاسة. يقول الشافعية: إن كان دون القلتين فتركه تركا مطلقا. أنتم معي في هذا. ودليلهم على هذا: حديث القلتين. حديث القلتين وهو حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون في الفلاة، أي في الصحراء. سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الماء يكون في الفلاة من الأرض، وما ينوبه من السباع والكلاب والدواب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث». في رواية ابن ماجة: «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس، لم ينجس». هذه رواية ابن ماجة. ففهم من هذا الحديث أنه إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث، وإنه ينجس أيضا. هذا الحديث صححه عدد من الأئمة: ابن خزيمة رحمه الله، والحاكم، والنووي، والنووي أيضا صحح الحديث رحمه الله تعالى، كذلك ابن حجر، ومن المتأخرين ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى. دليل الشافعية هذا الحديث. والصحيح أن هذا الحديث حديث ضعفه الأئمة الحفاظ. حديث القلتين حديث ضعفه الأئمة الحفاظ، وقالوا إنه مضطرب الإسناد، مجمل المتن. هذا الحديث: نص الأئمة الحفاظ على أنه مضطرب الإسناد، مجمل المتن، لا يجزم فيه بتحديد معين، لا يستطاع الجزم فيه بتحديد معين. كما يقول الإمام ابن المبارك، وابن المنذر، وابن عبد البر، وابن دقيق العيد، والإمام... والأئمة كثير. هذا هو الراجح: الحديث لا يصح. ولو صح، فإننا نسأل: ما تحديد القلتين ومقدارها؟ هذا موضع لم يستطيعوا ضبطه، لم يستطع كثيرون ضبط هذا الموضع لعدم الدليل عليه، لعدم الدليل عليه. فيه حديث: فيه حديث «إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر». وهجر منطقة معروفة في آخر الجزيرة في جهة البحرين. لكن هذا الحديث أيضا فيه إجمال من ناحية المتن. أضف إلى ذلك أن هذا الحديث ضعيف جدا في سنده: المغيرة بن سقلاب. الحديث ضعيف جدا في سنده، المغيرة بن سقلاب، وهو منكر الحديث، ضعيف شديد الضعف عند الحفاظ. فلا يصح الاستدلال بهذه الزيادة، إن كانت هذه الزيادة تضبط مقدار القلتين. إذن هذا الحديث معل من جهتين: من جهة الإسناد معل، ومن جهة المتن أيضا معل بالإجمال. ولهذا يقول الناظم -ونقفز على البيت الذي بعده-: «أو قلتين بالرطيل الرملي هذا قول، فوق ثمانين قريب رطلي، أو قلتين بالدمشقي هي ثمان أرطال». أتت بعد مياه. هذا من الأقوال، وهناك أقوال أخرى، وكلها تحتاج إلى دليل في تعيينها والإلزام بها وإفساد الطهارة بدونها. كل هذا يحتاج إلى دليل في الباب، يحتاج إلى دليل في الباب. والأصل في هذا الباب أقوى شيء في هذا الباب، وهو الأصل في هذه المسألة: حديث بئر بضاعة. هذا أقوى شيء يستدل به بهذه المسألة. حديث بئر بضاعة. فما خبر حديث بئر بضاعة؟ حديث بئر بضاعة رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري: قيل: يا رسول الله، إنا نتوضأ من بئر بضاعة. قيل: يا رسول الله، إنا نتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنطر. وهي بئر يلقى فيها الحيض، أي: بقايا خرق النساء التي يحضن، يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنطر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الماء طهور لا ينجسه شيء». الماء طهور لا ينجسه شيء. في رواية: «إلا ما غلب على ريحه أو لونه أو طعمه». وهذا حديث صحيح. دل هذا الحديث على أن النجاسة إذا وقعت في أي ماء، فإننا لا نحكم بنجاسته حتى ننظر في صفات ثلاث: الصفة الأولى: في طعمه، هل تغير بأثر النجاسة؟ الصفة الثانية: في لونه، هل تغير بسبب النجاسة؟ الصفة الثالثة: في ريحه، هل تغير بسبب النجاسة؟ فإن ظهر تغير في أحد هذه الأوصاف، فإن الماء نجس. وإن لم يظهر تغير، كما إذا أخذت الماء فشممته، فإذا بي لا أجد ريحا، وذقته، فإذا بي لا أجد طعما، نظرت إليه، فإذا بي لا أجد لونا، فهذا جائز التوضؤ والتطهر، وإن كان فيه نجاسة بعينها حلت فيه. والدليل: بئر بضاعة. أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتوضؤ من بئر بضاعة. أذن لهم صلى الله عليه وسلم، وقال: «الماء طهور لا ينجسه شيء». يعني: توضؤوا منها. وفعلاً يقول الإمام أبو داود صاحب السنن: عندما أخرج هذا الحديث قال: «وقد ذهبت إلى بئربضاعة فذرعتها، فإذا هي أربعة أذرع أو سبعة، شك مني في طولها وعرضها. قال: وإذا هي كما في هذا الحديث. فسألت من يعرفها من أهل ذلك البستان: هل غير من بنائها شيء؟ أي: وسعتموها؟ قالوا: لا، هي هكذا مذ عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم». أنتم معي في هذا. فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم التوضؤ من بئر بضاعة، ومنع من التوضؤ من أي ماء قل أو كثر، إن وقعت فيه نجاسة، بشرط واحد: أن يحصل إيش؟ أن يحصل التغير. أن يحصل التغير. هذا القول جزم به محققو الشافعية. هذا القول جزم به محققو الشافعية، كالإمام أبي المحاسن الروياني صاحب "البحر". إذا قالوا: «قال في البحر» فالمراد: أبو المحاسن الروياني رحمه الله تعالى. وغيره من أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى. قالوا: الماء لا ينجس إلا بالتغير. هكذا قال محققو أصحاب الشافعي رحمه الله في مثل هذا الموضع. وبه قال فقهاء الحديث. أنتم معي في هذا. قال به فقهاء الحديث: كمالك وأصحابه، وفقهاء الحجاز، وفقهاء العراق، ومن وافقهم من أصحاب الشافعي، وأحمد بن حنبل. حتى إن أبا حامد الغزالي صاحب "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز" -و"الوجيز" اختصره أبو القاسم الرافعي في كتابه، شرحه في كتابه "الشرح الكبير" على "الوجيز"، ثم اختصر منه "المحرر"-، إذن الغزالي من كبار علماء المذهب. يقول الغزالي: «وددت أن مذهب الشافعي في المياه كمذهب مالك». يقول الغزالي رحمه الله: «وددت أن...» الغزالي بتشديد الدال على الراجح، وقيل: الغزالي، وهذا مشهور عند المتأخرين والأئمة. قال الغزالي بتشديد الدال: «وددت أن مذهب الشافعي في المياه كمذهب مالك». يعني: لا يقول بالنجاسة إلا إذا حصل إيش؟ إلا إذا حصل التغير. ولا نعود إلى المسألة... هذا... صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكرا.