الدرس في شرح كتاب التوحيد 26، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يستعرض الشيخ باب الاستعاذة بغير الله مستدلاً بآية الجن وحديث خولة بنت حكيم في الاستعاذة بكلمات الله التامات، مبيناً أنها الكلمات الكونية القدرية عند ابن تيمية، وأن الاستعاذة بصفات الله جائزة بخلاف المخلوق. ويسوق قصة القرطبي مع الدعاء، ويستدل العلماء بالحديث على أن كلام الله غير مخلوق، مختتماً بأن من استعاذ بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك.
يشرح المقطع أن الشرك الأكبر هو صرف أي نوع من العبادة لغير الله، ومنه الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. ويفرق بين الاستغاثة الشركية (طلب الغوث من غير الله في أمور لا يقدر عليها إلا الله) والاستغاثة الجائزة (طلب المساعدة من المخلوق فيما يقدر عليه)، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
يبين شروط الاستغاثة الجائزة بالمخلوق وهي القدرة والحضور والسمع، مستدلاً بقصة موسى عليه السلام، ويؤكد أن الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك أكبر. كما يفصل في تقسيم الدعاء إلى دعاء عبادة (فعل العبادات متضمناً السؤال) ودعاء مسألة (طلب الحاجة)، محذراً من صرف أي منهما لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
يختتم المتحدث حديثه بتفويض الأمر لله سبحانه وتعالى، ثم يودع الحضور بتحية الإسلام والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه.
طيب، نكمل الحديث إن شاء الله تعالى. قال المصنف رحمه الله تعالى: باب من الشرك الاستعاذة بغير الله. وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. قال: عن خولة بنت حكيم رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك». رواه مسلم. والمراد بكلمات الله التامات: يعني كلمات الله سبحانه الكاملات التي لا يلحقها نقص ولا عيب، فهي تامة في نفسها، لا ككلام البشر الذي يلحقه النقص والعيب. والمراد بكلمات الله أي الكونية، وهي التي استقام بها الكون، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وكقوله سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾. وكلام الله صفة من صفاته، كلام الله سبحانه صفة من صفاته. ويحتمل أن يكون المراد بكلمات الله أي الشرعية، يحتمل في الحديث أن يراد بكلمات الله الشرعية وهي القرآن، يحتمل ذلك. لكن الذي نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية أن المراد بكلمات الله التامات أي الكونية، قال: وهي التي استعاذ بها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال في الحديث الآخر: «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ذرأ وبرأ وخلق». وهذا دعاء بصفة من صفات الله وهي كلام الله سبحانه. قال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، فهو سبحانه له الأسماء الحسنى وله صفات العلى. فمن دعا الله بصفته فقد دعا الله سبحانه. وهكذا أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر، كما في حديث عثمان بن أبي العاص في مسلم في دعاء الألم. فعزة الله صفة من صفاته، عزة الله صفة من صفات ذاته سبحانه. أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، يعني من شر كل مخلوق ذي شر. هذا معنى "من شر ما خلق": أي من شر كل مخلوق ذي شر، لأن من المخلوقات ما لا شر فيه كالملك، من المخلوقات ما لا شر فيه كالملك. فكان الاستعاذة هاهنا إنما هي من شر ما كان من خلق الله ذي شر. والشر كما يقول العلماء: اسم جامع، الشر كما يقول العلماء اسم جامع للسوء والفساد والظلم وجميع الرذائل والخطايا، هذا هو الشر. الشر اسم جامع للفساد وللسوء والظلم وجميع الرذائل والخطايا، هذا هو الشر. قال: «لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك». وهذا يفيد العموم، "شيء" نكرة في سياق العموم، "شيء" نكرة في سياق العموم. ويذكر الشراح هاهنا كلام القرطبي صاحب المفهم، أنه قال: جربت هذا الدعاء فوجدت أثره. قال: وفي ليلة كنت في بعض بلادي الأندلس، قال: فلدغتني حية، قال: فلدغتني عقرب، قال: فتذكرت فإذا بي لم آت بهذا الذكر في ذلك المنزل. شاهد هذا ذكر مجرب. والعلماء يستدلون على أن كلام الله غير مخلوق، لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ بكلام له، ولا يجوز الاستعاذة بمخلوق. ومن استعاذ بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، فلو كانت كلمات الله أو كان القرآن مخلوقًا لكان هذا دعاء شرك؛ لأنه استعاذ بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه. استدل بهذا أحمد بن حنبل في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكوا فيه من متشابه القرآن وغيره، ومن السلف أيضًا رد بهذه الحجة. الشاهد من هذا الباب: أن من استعاذ بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك. ومن استعاذ بغير الله فيما يقدر عليه ذلك الغير فهذا جائز، وصاحبه ليس بمشرك. قال رحمه الله تعالى: باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره. وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآيات. وهذا الباب والبابان قبله المراد منها جميعًا بيان حقيقة الشرك. هذا الباب والبابان قبله المراد منها بيان حقيقة الشرك، وأن الشرك هو صرف العبادة لغير الله. الشرك هو صرف العبادة لغير الله، هذا هو الشرك. فمن ذبح لغير الله فقد أشرك، ومن نذر لغير الله فقد أشرك، ومن استعاذ بغير الله فقد أشرك، ومن استغاث بغير الله فقد أشرك، ومن دعا غير الله فقد أشرك. فصرف العبادة لغير الله هو الشرك. فالمصنف رحمه الله يريد أن يبين حقيقة الشرك في هذه الأبواب. قال: باب من الشرك، يعني الأكبر. باب من الشرك، يعني الأكبر. قال: باب من الشرك أن يستغيث بغير الله. الاستغاثة: طلب الغوث، الاستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة والكربة. الاستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة والكربة، كالاستنصار طلب النصر. إذا عرفنا أن الاستغاثة هي طلب الغوث وهو إزالة الشدة والكربة، بان لنا أنها أخص من الدعاء. بان لنا أنها أخص من الدعاء، وأن الدعاء عم منها. فإن الاستغاثة دعاء في حال كربة وشدة، الاستغاثة دعاء في حال شدة وكربة، والدعاء أعم من ذلك. ولهذا قدم المصنف رحمه الله الاستغاثة على الدعاء في هذا الباب، فقال: أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره. وهذا من باب عطف العام على الخاص. وبينه الشيخ رحمه الله في مسائله، فقال: الأولى أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص، لأن الدعاء أعم من الاستغاثة، ولأن الاستغاثة أخص من الدعاء. نعم، لأن الاستغاثة أخص من الدعاء إذ هي دعاء في حال شدة وكربة، ولأن الدعاء أعم فإنه قد يكون في هذا وقد يكون في هذا، قد يكون في حال الرخاء وقد يكون في حال الشدة. فَالاستغاثة أخص من الدعاء، والدعاء أعم من الاستغاثة. والاستغاثة الشركية هي الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، هذه استغاثة شركية. الاستغاثة الشركية ضابطها: أن يستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهذه استغاثة شركية. الاستغاثة الشركية ضابطها: أن يستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، ككشف المرض وعافية الأبدان ونحو ذلك، فهذا لا يكون إلا من الله سبحانه. وأما الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه المخلوق فهذه جائزة. الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه المخلوق جائزة، بشرط أن يقدر على ذلك. والأدلة على الاستغاثة الجائزة كثيرة لا تحصى. منها ما جاء في الصحيح: أن أهل المدينة سمعوا رجة ففزعوا، فخرجوا فرأوا النبي صلى الله عليه وسلم مقبلًا على فرس، فقال: «لن تراعوا، لن تراعوا، وجدته بحرًا سَخَلًا». بها العلماء على الاستغاثة الجائزة، وأنهم كانوا في حال الكربة والشدة يلجؤون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي ليدعو الله فيدفع عنهم ما بهم من البلاء. وأدلة هذا لا تحصى. ومن أشهرها قول الله سبحانه: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾. هذا من أشهر أدلة الاستغاثة الجائزة. ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾. فهذه الآية فيها شروط الاستغاثة الجائزة، هذه الآية تضمنت شروط الاستغاثة الجائزة، وهي: أن يكون قادرًا حاضرًا سامعًا. هذه الآية تضمنت شروط الاستغاثة الجائزة، وهي: أن يكون قادرًا حاضرًا سامعًا. ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾، فموسى سمع، موسى عليه السلام سمع، وموسى قادر، وموسى أيضًا كان حاضرًا، فهو سمع وكان حاضرًا وكان أيضًا قادرًا على إغاثته، بدليل قوله: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾، هذا دليل على قدرته. فدفع عنه الرجل، دفع عن القبطي أو دفع عن الإسرائيلي القبطي، كما ذكر. الشاهد: الاستغاثة قد تكون شركية إذا كانت فيما لا يقدر عليه إلا الله. الاستغاثة بغير الله قد تكون شركًا أكبر إذا كانت فيما لا يقدر عليه إلا الله، وقد تكون شركًا أصغر، وقد تكون جائزة، قد تكون جائزة إذا كانت فيما يقدر عليه المخلوق مع سمعه وحضوره، هذه جائزة. قال: أو يدعو غيره، يعني أو يدعو غير الله فيكون مشركًا أيضًا شركًا أكبر. والدعاء المراد هنا دعاء... المراد بالدعاء هنا دعاء العبادة أو دعاء المسألة، المراد هنا مطلق الدعاء سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة فيما لا يقدر عليه إلا الله. المراد بالدعاء هاهنا مطلق الدعاء. وحاصل عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الدعاء أيضًا: أن من دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، من دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك. من دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك. وهذا دعاء المسألة، هذا دعاء المسألة. من دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك. فإن دعاه فيما يقدر عليه فهذا جائز، ليس بشر. إن دعاه فيما يقدر عليه، كان يقول: يا فلان احمل معي هذا، هذا جائز لأنه دعاه فيما يقدر عليه، دعاه فيما يقدر عليه. قال: باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره. والدعاء على قسمين: دعاء عبادة ودعاء مسألة. الدعاء على قسمين: إما أن يكون دعاء عبادة وهو فعل العبادات، فمن صرف عبادة لغير الله فقد أشرك. من صرف عبادة لغير الله فقد أشرك. ومن صرف دعاء لغير الله سبحانه فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك. فقوله: أو يدعو غيره، أيًا كان الدعاء فهو شرك أكبر. أما دعاء العبادة فهو فعل العبادة، أما دعاء العبادة فهو فعل العبادة المتضمن سؤال المغفرة والقبول. دعاء العبادة: فعل العبادة المتضمن سؤال الإجابة والمغفرة والقبول، هذا دعاء العبادة. فمن صلى فلسان حاله: اللهم تقبل صلاتي، اللهم اغفر خطيئاتي، هذا لسان حاله: اللهم اكتب لي أجرها. فهو يصلي صلاة ولسان حاله الدعاء، هذا يسمى دعاء عبادة. أما دعاء المسألة فهو الطلب. دعاء المسألة: الطلب، كأن يقول: اللهم إني أسألك أن تغفر لي، هذا دعاء مسألة. اللهم اقضِ حاجتي، اللهم اشفني وعافني، هذا طلب حاجة، هذا دعاء مسألة. فدعاء المسألة الطلب، ودعاء العبادة فعل العبادات المتضمن للطلب. فعلى هذا: كل دعاء عبادة يتضمن دعاء مسألة. على هذا: كل دعاء عبادة يتضمن دعاء مسألة، فإنه ما صلى ولا ذبح لله ولا فعل العبادات إلا وهو يسأل بلسان حاله الله سبحانه أن يتقبل وأن يكتب الأجر إلى غير ذلك. فدعاء العبادة يتضمن دعاء المسألة يدخل فيه، ودعاء المسألة يستلزم دعاء العبادة. فمن طلب حاجة فيما لا يقدر عليه إلا الله يلزمه أن يخلص العبادة، وأن يخلص الدعاء، يلزمه أن يخلص الدعاء لله سبحانه لا يشرك به شيئًا. قال: وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. طيب، نكمل الكلام على الآية في غد أحسن. فإذا كان لكم شيء... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه.