شرح كتاب التوحيد 64

الدرس في شرح كتاب التوحيد 64، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

حقيقة التوكل على الله وخصائص المؤمنين

يوضح المقطع أن التوكل من أبرز صفات المؤمنين الذين تخشع قلوبهم لذكر الله وتزداد إيمانهم بآياته، مفردين توكلهم لله وحده. ويؤكد أن التوكل الصادق يستلزم كفاية الله للعبد كما دل عليه قول "حسبنا الله ونعم الوكيل".

حكم العطف بـ (ثم) في التوكل وما يختص بالله

يبين المقطع أن التوكل عبادة قلبية خالصة لله ولا يجوز العطف بـ (ثم) على المخلوق لأن ذلك شرك بإجماع العلماء. ويفرق بين ما يختص بالله كالتوكل والعبادة والخلق والهداية وما يجوز للمخلوق كالمشيئة والاستعاذة المقيدة.

خطر نسبة الهداية والتوكل لغير الله والفرق بين هداية التوفيق والدلالة

يؤكد المقطع أن هداية التوفيق مختصة بالله وحده وأن نسبة التوفيق للعلماء أو غيرهم شرك، موضحاً أن فتوى اللجنة الدائمة حملت على التوكيل اللغوي لا الشرعي. ويشدّد على سد الذرائع بمنع الألفاظ التي توهم الشركة في التوكل.

خاتمة الدرس والدعاء الختامي

يعلن المتحدث انتهاء الدرس مؤكداً أن ما ذُكر هو مذهب العلماء، ويختتم بالدعاء والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

تجمع من الباب، إن شاء الله. في عالمنا قال شيء: الإسلام، محمد عبد الرهاب، رحمه الله وأجزل له الأجر والثواب. قال: باب قول الله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 23]. الآن قدم الكلام على التوكل، وأن التوكل حقيقة بالاستعانة بالله. قال: وقوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2]. هذا حال المؤمنين، هذا حال المؤمنين قاصين. ولهذا قال الله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ﴾ هذا حال المؤمنين قاصين، فهم يعملون الطاعات ويبذلون القربات، ومع ذهلهم للطاعات والقربات قانتون وجلون أن ترد عليهم أعمالهم. فإذا ذكروا الله خافوا، خافوا لأعمالهم، خافوا لأعمالهم. هذا وصف المؤمنين: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتٌ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ فَالْقُرْآنُ يَزِيدُهُمْ إِيمَانًا عَلَى إِيمَانِهِمْ ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾. وهذه ثلاث سنن للمؤمنين، هذه ثلاث سنن للمؤمنين: ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ أي: لا على سواه. ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ أي: لا على سواه. أما المنافقون فإنهم إذا ذكر الله لم تقبل قلوبهم، ولا يزيدهم القرآن إيمانًا بنزوله، وليسوا يتوكلون على ربهم. فالمؤمنون وصفهم الله بالإحسان، وصف الله المؤمنين بالإحسان، فهم يعملون ويحسنون في العمل ويخافون، وعلى ربهم يتوكلون. وهذا الشاهد من هذه الآية: أن من خصائص المؤمنين الإيمان، أو التوكل على الله سبحانه. من خصائص المؤمنين التوكل على الله سبحانه. هذا الشاهد من الآية، بخلاف المنافقين والكافرين فإنهم لا يتوكلون على الله. قال: قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ﴾ [الأنفال: 64]، أي: هو كافيك وحدك، وحده سبحانه لا شريك. حسبك الله: أي هو كافيك وحدك لا شريك. وإذا كفاك الله فلا تحتاج إلى غيره. إذا كفاك الله فلست محتاجًا إلى غيره. قوله سبحانه: ﴿ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ [الأنفال: 62-63]. فالحسب هو الكفاية، الحسب هو الكفاية في التعامل. هذا هو الحسب. فالحسب بالله وحده لا بسواه، والحسب بالله وحده لا بسواه، والرغبة إلى الله وحده لا بسواه، والتوكل على الله وحده لا على سواه. فهذه عبادات مختصة بالله لا تكون لمخلوق أبدًا. هذه عبادات مختصة بالله: الحسب، والرغبة، والتوكل، عبادات مختصة بالله. فلا يجوز أن يقال: حسبي الله ثم فلان، لأن الحسب من خصائص الله، الحسب من خصائص الله. أو رغبت إلى الله ثم إليه، لا يجوز، لأن الرغبة من خصائص الله. أو توكلت على الله ثم عليه، لا يجوز، لأن التوكل من خصائص الله، ولا يكون للمخلوق، ولو بوجه من الوجوه، لا يكون للمخلوق بأي وجه من الوجوه. سيأتي في آخر الباب بيان هذا. والشاهد من هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ﴾، أن الله إذا كان هو كافيك وحدك، فلا يجوز لك أن تتوكل إلا عليه وحده لا شريك له. إذا كان الله هو كافيك وحدك لا شريك له، فلا يجوز لك أن تتوكل على سواه، فإنه حسبك، أي: كافيك وحدك سبحانه. قال: وقوله: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3]، الآية. أي: هو كافيه وحده. وهذا من حسن الجزاء على حسن العمل. يتوكل على الله وحده فيكفيه الله وحده ويغنيه عن سواه. يتوكل على الله وحده فيكفيه الله وحده ويغنيه عن من سواه. هذا من حسن الجزاء، هذا من حسن الجزاء على حسن العمل. ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾: من شرطية، وفعل شرطها: يتوكل، وجوابه جملة: ﴿ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾. وإذا كان الله حسب المتوكلين عليه وحده، فلا يضرهم أحد أبدًا، لا يضرهم أحد أبدًا. ولو اجتمع من في الأرض جميعًا على أن يضروا من توكل على الله شيئًا لم يضروه، لأن الله هو حسبه. فمن توكل على الله فالله حسبه، ومن كان الله حسبه فلن يضره العالمون جميعًا ولو اجتمعوا. فالشاهد: وجوب التوكل على الله، التعلق به، وأن هذا هو التوحيد. الشاهد: وجوب التعلق بالله، وأن هذا هو التوحيد. قال: وعن ابن عباس قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]. حسبنا الله: أي هو كافينا وحسبنا. ونعم الوكيل: ونعم الموكل إليه الأمور. والله الكافي وحده، وهو الحسب وحده، وهو الذي توكل إليه الأمور وحده. ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾. هذا ذكر عظيم. قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وهذا من يقين التوكل بالله سبحانه. وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل، لم يمسسهم سوء، واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم. ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175]. فهذا ذكر عظيم. فمن توكل على الله كفاه. ﴿ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾. ولهذا جعل الله لمن اتقاه وتوكل عليه الكفاية التامة. جعل الله لمن اتقاه وتوكل عليه الكفاية التامة. ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾. هذا من حسن الجزاء، كما تقدم. ﴿ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ﴾ [الطلاق: 3]، يعني: منفذ قضاءه. ﴿ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ﴾: أي منفذ قضاءه وأحكامه في خلقه. فما أراده كان، وما لم يشأه لم يكن، فلا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. ﴿ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: 3]. كل شيء بقدر عند الله سبحانه، كما قال: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ [الرعد: 38]. وكل شيء قدره الله سبحانه. فإذا علمت أن الله قدر الأشياء، وأن الله لا رد لأمره، ولا معقب لحكمه، وأنه أمره بالغ حيث شاء سبحانه، فتوكل على الله. هذا من التوفيق. لهذا: من توكل على الله كفاه. من توكل على الله سبحانه كفاه. ومن توكل على غيره افتقر. ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾. هذا من حسن الجزاء. من الأمور المهمة التي ينبغي التنبه لها، والتي يحصل بها الخلط والخبط والتخليط عند كثير من الناس، إلا من عافاه الله. من الأمور التي يحصل بها الخلط والخبط والتخليط عند كثير من الناس، إلا من عافاه الله سبحانه: قضية العطف بـ (ثم) في الأمور القدرية والشرعية ونحوها. فإن من المسائل المشهورة عند أهل العلم: مسألة قول بعض الناس: "توكلت على الله ثم عليك". وهذه المسألة: إن أريد بالتوكل التوكل الشرعي، فهي لا تجوز بإجماع العلماء. إن أريد بالتوكل التوكل الشرعي، فهذا لا يجوز بإجماع العلماء، لأن التوكل عمل قلبي محض، وعبادة مختصة بالله، لا يجوز أن يشرك فيها سواه. هذا ما عليه إجماع العلماء. والعطف بـ (ثم) إنما يجوز فيما لم يكن مختصًا بالله. العطف بـ (ثم) إنما يجوز فيما لم يكن مختصًا بالله. أما العطف بـ (ثم) فيما هو مختص بالله، فهذا شرك. العطف بـ (ثم) فيما هو مختص بالله لا يجوز، لأنه عين الشرك. فلا يجوز أن يقال: "توكلت على الله ثم عليك"، أو "أسجد لله ثم لك"، أو "أعبد الله ثم أنت"، أو "حسبي الله ثم أنت"، أو "أرغب إلى الله ثم إليك". كل هذا لا يجوز، كل هذا لا يجوز. أو "أعوذ بالله ثم بك" أيضًا هذا لا يجوز. كل هذا لا يجوز، لأن المعطوف عليه من خصائص الله، معطوف عليه من خصائص الله. هذا لا خلاف فيه بين العلماء، بين أئمتنا أئمة التوحيد، رحمهم الله. وأن هذا العطف عطف شركي لا يجوز. العطف هاهنا عطف شركي لا يجوز، لأن المعطوف عليه من خصائص الله. بخلاف المشيئة والاستعاذة ونحوها، فيجوز أن يقول: "أعوذ بالله ثم بك"، لأن الاستعاذة تجوز بالمخلوق فيما يقدر عليه، فهذا ليس من خصائص الله. مطلق الاستعاذة ليس من خصائص الله، وإنما تجوز للمخلوق فيما يقدر عليه: "أعوذ بالله ثم بك". لكن "أسجد لله ثم لك": هذا ما يجوز. "لولا الله ثم أبي ما خلقته": ما يجوز. "لولا الله ثم أبي ما خلقتني": ما يجوز. شرك. هذا كله من ألفاظ الشرك، لأن المذكورات من خصائص الله سبحانه. بخلاف المشيئة، فإن للمخلوق المشيئة، والاستعاذة، فإن للمخلوق عوذًا. لكن: هل للمخلوق توكل؟ الجواب: لا. هل للمخلوق حسب؟ الجواب: لا. هل للمخلوق عبادة وسجود؟ الجواب: لا. هل للمخلوق رغبة؟ الجواب: لا. فهذه الأمور خاصة بالله سبحانه، هذه الأمور خاصة بالله سبحانه. فإذا كان الأمر المعطوف عليه، المعطوف به، ليس من خصائص الله وحده، يجوز العطف بـ (ثم)، فيقال: "أعوذ بالله ثم بك". لكن إذا كان من خصائص الله، فهذا لا يجوز العطف به أبدًا. ومن عطف بـ (ثم) فقد أشرك. هذه القاعدة هي المعتبرة عند العلماء. فلا نقول: يجوز العطف بـ (ثم) مطلقًا. لا نقول: يجوز العطف بـ (ثم) مطلقًا، ولا نقول: لا يجوز العطف بـ (ثم) مطلقًا. وإنما هذا محل تفصيل عند أهل السنة والجماعة، هذا محل تفصيل. ولا نقول: إن العطف بـ (ثم) يجعل المعطوف غير المعطوف عليه. هذا جهل، وهذا افتراء على أهل العلم. هذا من الجهل والافتراء على أهل العلم. لا نقول: إن العطف بـ (ثم) يجعل المعطوف به غير المعطوف عليه. هذا من الجهل والافتراء على أهل العلم. ومن ذرائع الشرك بالله. فلو قال قائل: "لولا الله ثم أبي ما خلقني"، أيجوز هذا؟ "لولا الله ثم أبي ما خلقني"، أهذا جائز؟ طيب، الأب أليس سببًا في وجود الابن؟ فكيف تقولون إنه لا يجوز، والأب سبب؟ لأن الخلق من خصائص الله، الخلق من خصائص الله. قضية أنه سبب لا تغني شيئًا. هذا بإجماع العلماء، هذا بإجماع العلماء، لا يختلفون فيه. فلو قال قائل: "لولا الله ثم أبي ما خلقتني"، قلنا: أشركت بالله سبحانه. طيب، قال قائل: "لولا الله ثم العلماء لكنا ضالين". "لولا الله ثم العلماء لكنا ضالين". هذا توحيدًا؟ من الشر، هذا من الشر، لا يمتري بهذا من فهم عقيدة التوحيد، هذا من الشر. لأن انتفاء الضلالة ليس من خصائص البشر، والإخراج من الضلال ليس من خصائص البشر. هل يستطيع أحد أن يخرج أحدًا من الضلال إلى الهدى؟ هل هذا في قدرة بشر؟ الجواب: لا، ليس في قدرة البشر. فمن هذا الذي يخرجك من الضلالة، أو عن الضلالة، ويدخلك في الهداية إلا الله سبحانه وتعالى؟ لا أحد. لأن الإخراج من الضلالة من خصائص الإله سبحانه. الإخراج من الضلالة، أو عن الضلالة، من خصائص الله. والرسل إنما عليها البلاغ، والهداية بيد من يا إخواني؟ بيد الله سبحانه. ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ﴾ [الشورى: 48]، ﴿ إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ ﴾ [فاطر: 23]، ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ [النازعات: 45]، ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِحَفِيظٍ ﴾ [الغاشية: 22]، ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ [الشورى: 6]، ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ﴾ [الغاشية: 22]. في آيات كثيرة: ما معك شيء. ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ [القصص: 56]. لو بذلت ما بذلت لمن تحب، كشفت له الشبه، وقطعت له الأدلة والبينات، هل يهتدي؟ هذا ليس لك، هذا ليس إليك، إنما هذا إلى الله وحده لا شريك له. هذا من خصائص الله سبحانه. فهذا لبن شرك، لا يتمارى به. قول القائل: "لولا الله ثم العلماء"، محتجين: الهداية هاهنا هداية التوفيق، الهداية هاهنا هداية التوفيق، لا الدلالة. الهداية هاهنا هداية التوفيق، لأن من الفروق بين هداية التوفيق والدلالة: أن هداية التوفيق واقعة، وهداية الدلالة قد تقع وقد لا تقع. فإذا عبر عنها بالوقوع، تعين أنها هداية التوفيق. إذا عبر عنها بالوقوع: قال "اهتديت"، هل هو في هداية الدلالة أم في هداية التوفيق؟ هو في هداية التوفيق الآن، لأنه قد اهتدى. لكن "أهدي فلانًا" بصيغة المفاعلة: هذا هداية توفيق أم بيان وإرشاد ودلالة؟ هذا بيان وإرشاد ودلالة، لأنها لم تقع. لكن "اهتدى فلان": هذه هداية التوفيق. فقول القائل: "لولا الله ثم العلماء ما اهتدينا"، يعني: أننا قد اهتدينا. هذه هداية التوفيق، لا شك في ذلك. هذه هداية التوفيق، لا شك في ذلك. قول القائل: "لولا الله ثم العلماء لكنا ضالين". أنت الآن ضال؟ قال: "أنا لست بضال، أنت مهتد". قال: "أنا مهتد". هذا عين هداية التوفيق، هذا عين هداية التوفيق. فهذا لفظ شركي، لا ينبغي النطق به، فضلًا على أن يشكك أهل التوحيد في ذلك. لا ينبغي، والله، هذا من عدم النصيحة للمسلمين. الواجب سد هذا الباب. هؤلاء المؤمنون في يوم القيامة، وقد رأوا الكفار وأحوال الكفار، وما أصاب الكفار، قالوا - قال الله سبحانه: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ [الأعراف: 43]. الرسل لا يستطيعون الهداية، هداية التوفيق. ﴿ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾. مع هذا: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾. الصحابة في غزوة، في غزوة الخندق، كانوا يقولون: "والله لولا الله ما اهتدينا". لو قالوا في ذلك المقام: "نقول هذا، لأن عقيدتنا عقيدة التوحيد التي أخذناها عن علمائنا". لو قالوا: "لولا الله ثم النبي صلى الله عليه وسلم لكنا ضالين"، أو "لما اهتدينا"، لقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم قد أشركتم، إنكم تشركون". هذا مما لا نشك فيه، كأننا نراه بأعيننا. ولهذا قالوا: "والله لولا الله ما اهتدينا"، وسكتوا. هؤلاء ترابطوا النبي صلى الله عليه وسلم، ممن عرف التوحيد والهداية. هؤلاء هم الذين عرفوا عقيدة التوحيد. ولهذا، هذا الذي ينبغي تقريره: ما كان من خصائص الإله، فالعطف بـ (ثم) فيه لا يجوز، لا يجوز. أن يقال: "لولا الله وجودًا ثم بك"، هذا بإجماع العلماء. لو قال قائل: "لولا الله وجودًا ثم بك"، قال العلماء جميعًا: أجمعوا هذا شرك بالله سبحانه. لماذا؟ لأن الإيجاد هاهنا من خصائص المخلوق؟ لا، الخالق من خصائص الخالق. طيب، قال قائل: أليس الأب سببًا في وجود الابن؟ قلنا: الإيجاد هاهنا من خصائص الله، والمخلوق ليس له شيء في ذلك، المخلوق ليس له شيء في ذلك. وقضية أنه سبب: بحث آخر، قضية أنه سبب: بحث آخر. فلا يجوز أن يقال: "لولا الله ثم أنت يا أبي ما خلقتني"، وإن كان الأب سببًا، لكنه ليس بهذا المقام له شيء، لأن هذا الخلق من خصائص الإله سبحانه. أرأيت رجلًا تزوج ولم يكن له بنون؟ هل كل سبب يوجد به المسبب؟ هل الجواب: لا؟ فالله سبحانه خالق الأسباب، الله سبحانه المدبر وحده لا شريك له. هذا الذي عليه أئمة التوحيد، أمثال الشيخ، سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله. سُئل قولهم: "أنا متوكل على الله ثم عليك"، قال: "التوكل لا يجوز للمخلوق". أمثال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، وغيرهم من أهل العلم قاطبة، على هذا الذي ذكر. بقي قول القائل: "رأينا فتوى للجنة الدائمة". وكذلك الشيخ محمد أمان الجامي، وكذلك الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، الشيخ أحمد بن يحيى النجمي، من أهل العلم، كلهم على هذا الذي ذكر. بقي إشكال: هو قول اللجنة الدائمة: "يجوز أن يقال: توكلت على الله ثم عليك". قد يقول قائل: أفتت اللجنة بالجواز؟ والجواب: أن اللجنة مجمعة على أن المراد بالتوكل هاهنا ليس التوكل الشرعي. ولهذا قالت اللجنة: "العامة لا تريد معنى التوكل"، يعني: إذا قالت العامة: "توكلت على الله"، لا يريدون تفويض الأمر بالقلب إلى الله سبحانه، إلى آخره. العامة لا يريدون هذا، إنما يريدون: "أنا موكل لله ثم أنت". هذا الذي يريدون. فالعامة لا تريد التوكل، هكذا يقول العلماء. إنما يريدون التوكيل. العامة لا تريد التوكل، إنما يريدون التوكيل. إذن، إذا قال قائل: "توكلت على الله ثم عليك" من العوام، اللجنة الدائمة وفقها الله إنما جعلته جائزة بنية أن التوكل هاهنا ليس التوكل الشرعي، إنما هو بمعنى الوكالة. هذا الذي قالت به اللجنة. على أننا نقول: إذا قصد العامي ذلك، وأنه إنما أراد الوكالة، أي: "موكلي الله وموكلك بهذا الأمر"، إذا أراد العامة ذلك، فالواجب سد باب الشرك وذرائعه، لا سيما والتوكل لفظ شرعي، لا سيما والتوكل لفظ شرعي. ولهذا الصواب ما أفتى به سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم: أن يسد الباب. وغيره من أهل العلم، كالشيخ محمد أمان الجامي، والشيخ ربيع بن هادي في أسئلة العقيدة، وجماعة من أهل العلم، أهل العلم كلهم على هذا. قول العلماء المتقدمين: منع هذه اللفظة. نرجع فنقول: من قال بجوازها، هل أراد التوكل الشرعي؟ الجواب: لا. ماذا أراد؟ أراد الوكالة. هذا الذي عليه العلماء. طيب، نقف عند هذا، إن شاء الله. ودعا، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.