تعظيم قدر الصلاة

تعظيم قدر الصلاة

المحاضرة بعنوان تعظيم قدر الصلاة، المجلس الثالث من برنامج مهمات الدين الأول والذي كان بمسجد ابن عباس بزغفة يوم الثلاثاء 7 صفر 1448هـ الموافق 21 يوليو 2026م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أصل فرض الصلاة ومكانتها في شرائع الأنبياء

يستعرض المحور مكانة الصلاة كركن ثانٍ للإسلام وفرضها في ليلة الإسراء والمعراج بخمسين صلاة خُففت إلى خمس بأجر خمسين. كما يسوق الأدلة من قصص الأنبياء كإبراهيم وشعيب على أن الصلاة كانت شريعة سابقة وأصلاً في دعوة جميع الرسل.

الصلاة عمود الدين والفاصل بين الكفر والإيمان

يبيّن المحور أن الصلاة عمود الإسلام وعهد يفصل بين المسلم والكافر، وأول ما يُحاسب عليه العبد يوم القيامة. كما يؤكد أن المحافظة عليها بطهارة وفي جماعة من أعظم شعائر الإيمان، وأن تاركها يستحق القتال والعقوبة الشديدة.

أحكام إقامة الصلاة الصحيحة والتحذير من إضاعتها

يؤكد المحور على وجوب إقامة الصلاة كما أمر الله محذراً من إضاعتها بتركها أو تأخيرها أو عدم إتمام أركانها بخشوع وطمأنينة. ويستدل بأقوال النبي وآثار السلف على أن من صلى بغير طمأنينة أو في غير وقتها فقد ضيع صلاته، ويأمر بأدائها في وقتها ثم الجماعة مع الأمراء درءاً للفتنة.

الصلاة ميزان الاستقامة ودليل الولاء والبراء السياسي

توضح المادة أن الصلاة هي الميزان الحقيقي لاستقامة العبد وإيمانه، فقد كان السلف ينظرون إلى صلاة الشيخ قبل الأخذ بعلمه، واعتبر الصحابة ترك صلاة الفجر والعشاء في الجماعة علامة على النفاق. كما بيّنت أن إقامة الصلاة هي الفاصل بين طاعة الحاكم والخروج عليه، وأن النبي أوصى بها عند موته تأكيداً لعظمتها.

خشوع الصلاة وحرمة منع إقامتها وحمايتها

يؤكد المحور على وجوب أداء الصلاة في وقتها بشروطها وأركانها مع الخشوع، لأن الأجر يتناسب مع درجة الخشوع، وقد كان السلف الصالح يصلون بخشوع تام. كما يبين أن من يمنع الناس من إقامتها يجب إزالتهم، وأن النبي ﷺ كان يمتنع عن غزو قرية إذا سمع الأذان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، أحمده تعالى، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد: فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة الكرام، كما تعلمون أن موضوعنا في هذه الليلة وفي هذا المجلس في تعظيم الصلاة. فالصلاة -عباد الله- لها أهمية عظيمة جدًا في ديننا كما تعلمون. ونأخذ في هذا المقام -إن شاء الله تعالى- تعظيم الإسلام لهذه الصلاة: تعظيم الإسلام لهذه الصلاة، أي تعظيم الكتاب والسنة وما جاء في ذلك، وكذلك تعظيم هذه الصلاة في نفوس أهل الإيمان، تعظيمها في نفوس أهل الإيمان، وكذلك أيضًا تعظيمها بما تترتب عليه من الثمرات والفوائد، سواء كانت في جزائها وثوابها، أو كانت ما تحدثه من ثمار عظيمة في قلب المؤمن أو في عمله. فهذه التقاسيم التي -إن شاء الله تعالى- نأخذها هذه الليلة. فأول ما يذكر: تعظيم هذه الصلاة في هذا الدين العظيم، وفي الإسلام. لا شك ولا ريب أن الصلاة ركن من أركان الإسلام، وهي الركن الثاني بعد الشهادتين، ولها أيضًا أهمية عظيمة كما سنذكر بعض النقاط التي تبين ذلك. فهي ركن من أركان الإسلام الذي يبنى عليه الإسلام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا». فالإسلام بني على هذه الأركان، ومن أعظم الأركان بعد التوحيد هي الصلاة. ولأن هذا كلمة التوحيد والعبادة التي تصرف إلى الله جل وعلا من أعمال الجوارح ومن أعمال القلوب، من أعظمها الصلاة. فالصلاة من أعمال القلوب والجوارح؛ الصلاة ليست فقط من أعمال الجوارح، بل هي تتعلق بالقلب. فإن العبد إذا صلى الصلاة بدون تعلق القلب بها فإنه لا ثمرة لها. لهذا الصلاة تكون بالقلب، وبالجوارح، وباللسان. والصلاة أيضًا من الإيمان، من الإيمان الذي يكون في قلب المؤمن. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، قال ابن عباس: أي صلاتكم. معنى صلاتكم: كانوا يصلون إلى بيت المقدس، لما صلى المسلمون في بداية الأمر كانوا يصلون إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، ستة عشر شهرًا: معنى سنة وأربعة أشهر. ثم فرض الله عز وجل الصلاة إلى بيته الحرام. فمن تعظيم هذه الصلاة العظيمة أنها -كما قلنا- ركن من أركان الإسلام، فرضها الله عز وجل في أعظم ليلة بالنسبة للنبي عليه الصلاة والسلام، أعظم ليلة بالنسبة للنبي عليه الصلاة والسلام، وأيضًا فرضها مباشرة، لم يرسل رسولًا ولا واسطة بينه وبين نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على عظمة هذه الصلاة. فرضها الله عز وجل في الإسراء والمعراج، كما قد جاءت الروايات الكثيرة في بيان ذلك، بيان أن الله عز وجل افترض على نبيه عليه الصلاة والسلام الصلاة، وأيضًا افترضها خمسين صلاة، افترضها خمسين صلاة. وهذا يدلك على أن الله عز وجل جعل الصلاة لها أهمية، بل كل الدين: أن إذا كانت خمسين صلاة، معنى ستكون في أوقات كثيرة، وقد يشمل أكثر الوقت أن العبد في صلاة. لكن خففها الله عز وجل على عباده من ناحية الفعل، وأبقى أجرها وثوابها، فيصلي العبد خمس صلوات فهي كخمسين صلاة، أي أن هذه الخمس الصلوات كل صلاة يصليها العبد بعشر صلوات، بعشر صلوات، وهذا أجر عظيم. كل صلاة بعشر صلوات، وليس المراد أن كل صلاة بحسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا، هي أعظم من هذا، هي أعظم من هذا. معنى كل صلاة من هذه الصلوات تعتبر مائة صلاة، وهذه المائة في خمسة معنى تعتبر خمسمائة صلاة، أي ثواب خمسمائة صلاة. وهذا من فضل الله عز وجل على عباده. فلهذا أيضًا من تعظيم هذه الصلاة أن الله عز وجل فرضها على الأنبياء، ولهذا تجد في القرآن ذكر الله عز وجل الصلاة عن أنبياء كثر الذين ذكرهم في القرآن، كإبراهيم، وهود، وكذلك صالح، وشعيب، وغيرهم من أنبياء الله عز وجل، ذكر فيهم الصلاة، وأنهم كانوا يصلون، وأن الصلاة التي كانت بينهم وبين الله هي الصلاة. ولهذا في قصة نبي الله إبراهيم لما ترك زوجته وابنه في ذلك الوادي الذي لا أنيس فيه ولا زرع، وقال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾، ثم ذكر أنهم ليقيموا الصلاة، أو قال الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾، فنجعلهم عند البيت حتى يقيموا الصلاة. ولما اعترض ذلك الطاغية، اعترض نبي الله إبراهيم، وكان ذاهبًا إلى بيت المقدس ومعه زوجته سارة، فاعترضهم هذا الطاغية وأراد أن يأخذ سارة من نبي الله إبراهيم، فقيل له: هذا إبراهيم ومعه امرأة من أجمل النساء، فأراد هذا الطاغية أن يأخذها، فقال لإبراهيم: من هذه المرأة التي معك؟ فقال: هي أختي. وقال إبراهيم لزوجتي سارة: إنه سألني عنك، فقلت إنك أختي، أي في الإسلام، فليس هناك أحد مسلم إلا أنا وأنت. لكنه لم يكتفِ بذلك، فأخذها. فلما أراد أن يمسها، توضأت وصلت ركعتين. فلما أراد أن يقرب تحتها، جعله الله عز وجل يسقط إلى الأرض، ما استطاع أن يقوم، فقال: ادعي إلهك حتى يقيمني، فإني لا أمسك. فدعت، فقام. فأراد أن يمسها مرة أخرى، فدعت عليه، فسقط. وهكذا حتى قال: ما جئتموني إلا بشيطان، ردوها إلى إبراهيم، وأعطوه هاجر، أو آجر، فأعطاه أيضًا أمه يقال لها هاجر، فتزوجها إبراهيم، وجاءت بعد ذلك بإسماعيل، هي أم إسماعيل. وهذه هاجر، وسارة هذه أم إسحاق التي ولدت بعد ذلك، وقالت: ﴿أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، قال: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾. وهكذا أيضًا ذكر الله عز وجل الصلاة عن الأنبياء، كما قال قوم شعيب: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾. فالصلاة قد أوجبها الله عز وجل على الأنبياء، فالإسلام تجد أنه الصلاة لا بد فيه، فهي عموده، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث معاذ: «ورأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة». وعمود الإسلام الصلاة، والعمود هو العَصا أو العَصا التي تحمل الخيمة، تكون في وسطها، إذا سقط سقطت هذه الخيمة، وإذا سقطت الصلاة سقط الإسلام. ولهذا كان عمر يقول: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. بل النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». فهو عهد بين المسلم والكافر. وجاء في حديث جابر في مسلم: «بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة». فدل على أن الصلاة هي الرابط الذي يربط الرجل بإسلامه، يربط الرجل بإسلامه. وكذلك من عظمتها أنها صلة بين العبد وربه، هذه الصلاة صلة بين العبد وربه. ولهذا كان الأنبياء، ومنهم نبينا عليه الصلاة والسلام، يهرعون إلى الصلاة إذا حزَبهم الأمر، هرعوا إلى الصلاة. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فهذه الصلاة يستعان بها على أمور عظيمة، ومنها أنها الصلة بين العبد وربه جل وعلا، فيدعوه، وأيضًا يقبل عليه. فقد جاءت في الأحاديث أن العبد إذا صلى أقبل الله عز وجل عليه. وجاء في وصية نبي الله يحيى بن زكريا أنه أمره الله عز وجل أن يوصي قومه، فتأخر عليهم، فقال له ابن خالته عيسى بن مريم: إن الله أمرك أن توصي قومك، فتأخرت عليهم، إما أن توصيهم وإما أوصيهم أنا. فقال: بل أوصيهم. فجمع الناس في بيت المقدس، ثم ذكر خمس وصايا، ومنها الصلاة، قال: «أوصيكم بالصلاة»، وذكر من ذلك أن العبد إذا صلى فإن الله يكون قبل وجهه، فلا يلتفت، فإن الله يكون قبل وجهه، فلا يلتفت. وفي الصحيح، صحيح البخاري، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا صلى أحدكم فلا يبصقن في وجهه، أو قال: في قبلته، فإن الله فإن الله يواجهه». أو جاء في رواية: «تواجهه الرحمة». وجاء في رواية الصحيح، أو في الصحيح أيضًا البخاري: «فإن الله في جهته، فإن الله في جهته». فهذا كله يدل على عظمة هذه الصلاة. ولهذا سيأتي معنا لما استشعر أهل الإيمان هذه العظمة من الله جل وعلا، عظموا هذه الصلاة، عظموا هذه الصلاة، فلا يدخلونها إلا وهم فيهم تعظيم لهذه الصلاة، بعضهم يصفر، وبعضهم تحسن له شيء من الخوف، وبعضهم... وهذا كله لما علموا عظمة هذه الصلاة. فللهذا من الأمور العظيمة التي جعلها الله عز وجل في هذه الصلاة أن الصلاة صلة بين العبد وربه جل وعلا، وكلما كان العبد محبًا لهذه الصلاة كان الله عز وجل أحب، وكلما ذاق هذه الصلاة وأيضًا أحب أحب دخولها كان ذلك أعظم. ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام قرة عينه الصلاة، في حديث: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ». أي: راحتي جُعِلَتْ في الصلاة. وهكذا أيضًا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أرحنا بها يا بلال». وهذا لعظمة هذه الصلاة في قلوب أهل الإيمان، كما سيأتي أيضًا. كذلك من عظمة هذه الصلاة أن الله عز وجل رتب عليها الأجور العظيمة، رتب عليها الأجور العظيمة من دخول الجنة والنعيم، وكذلك السعادة، وكذلك أيضًا من إصلاح الأعمال، فإنها تصلح بصلاح الصلاة. في حديث أبي هريرة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أول ما يحاسب العبد عليه يوم القيامة صلاته، إن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله». كذلك من عظمة هذه الصلاة أن الله عز وجل أمرنا أن لا نأتيها إلا بطهارة، أن لا نأتيها إلا بطهارة. وإذا أحدث الإنسان توضأ، فإن كان حدثًا أصغر، أو اغتسل إن كان حدثًا أكبر، فلا يجوز له أن يدخل الصلاة. لو دخل الصلاة وهو يعلم أنه غير طاهر فقد ارتكب إثمًا عظيمًا، حتى أن بعض العلماء قالوا: يعتبر كافرًا، وذهب جمهور العلماء إلى أنها كبيرة من كبائر الذنوب، أن الإنسان يدخل الصلاة بغير وضوء، معناه متعمدًا. أما إذا كان ناسيًا فيجب عليه أن يخرج إذا تذكر أنه غير متوضئ، ولا يجوز له أن يمكث. بعض الناس يستحي، يقول: إذا خرجت سيقول عليه الناس: أكيد هذا أحدث في الصلاة، أكيد كذا. لا تلتفت إلى هذه الأمور، فلا يجوز لك أن تبقى وأنت محدث في صلاتك، بل الواجب أن تخرج إذا تيقنت بأنك أحدث. فإنك تخرج. في الصحيحين في حديث عبد الله بن زيد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الرجل يكون في صلاة فيشكل عليه: أخرج منه شيء أو لم يخرج؟ قال: لا يخرج حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». لا بد أن يخرج إذا كان متأكدًا، أو أنه لم يتوضأ، لا بد أن يخرج ويتوضأ. فللهذا وهذا كذلك من عظمة هذه الصلاة. من عظمة هذه الصلاة أيضًا أن الله عز وجل أمر بالمحافظة عليها، أمر بالمحافظة عليها، كما قال الله عز وجل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. فلا بد للمسلم أن يحافظ على هذه الصلاة. وسيأتي -إن شاء الله تعالى- أيضًا هذا من ذكر عظمة الصلاة في نفوس أهل الإيمان. كذلك أيضًا من تعظيم هذه الصلاة أنها ميزان من موازين الإيمان، ميزان من موازين الإيمان. فالعبد المصلي تدل صلاته على إيمانه، والعبد الذي يترك الصلاة أو يضيعها يدل على أنه إما ليس بمسلم، وإما أنه فيه شيء من النفاق. وكذلك أيضًا من عظمة هذه الصلاة أن العبد -كما قلنا- يحافظ أيضًا عليها في جماعة. أمر الله، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن تصلى هذه الصلاة في جماعة، لا يجوز أن يصليها الإنسان وحده، لا يجوز أن يصليها الإنسان وحده إلا إذا كان بعذر. وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بصلاة الجماعة. فمن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد هممت أن آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أخالف إلى أناس لا يشهدون هذه الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، وأخالف» أي: أذهب إلى بيوت هؤلاء الذين لا يحضرون الصلاة، وأحرق عليهم بيوتهم. أنا هم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرق بيوتهم لأنهم لا يصلون. وهذا يدل على عظمة هذه الصلاة. ومن عظمة أيضًا الصلاة أن من امتنع عنها فإنه يُقاتل، يُقاتل. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. فذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن من امتنع عن الصلاة فإنه يُقاتل، أن من امتنع عن الصلاة فإنه يُقاتل حتى يصلي. وهذا من أيضًا كذلك أهمية الصلاة وتعظيمها. ومن تعظيم الصلاة أيضًا أن الله عز وجل أمر بها في آيات كثيرة، أمر بها في آيات كثيرة، وربطها بأشياء كثيرة، وهذا يدل على أهميتها. حتى قال بعض العلماء: أن إقامة الصلاة ذكرت أكثر من خمسين مرة في القرآن، إقامة الصلاة فقط. ومعنى إقامة الصلاة ليس المراد الصلاة أن تصلى فقط، لا، إقامتها ومعنى إقامتها أي أن تقيمها بما أمر الله عز وجل، إقامتها معنى أن تقيمها كما أمر الله عز وجل، تصليها في وقتها، وكذلك بركوعها وخشوعها وأركانها. فهذه الصلاة التي يقال إنه أقامها. كذلك أيضًا من تعظيم هذه الصلاة أن الله عز وجل حذر من تضييع هذه الصلاة أو تركها، حذر من تضييع هذه الصلاة، كما قال الله عز وجل: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. وقال الله عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. عن هؤلاء الذين سهوا في صلاة، ما يضيعوها. وضياع الصلاة وضياع الصلاة يكون بثلاثة أمور: ضياع الصلاة يكون بثلاثة أمور. الأمر الأول: تركها بالكلية، فهذا لا شك أنه إضاعة لها، فهذا يعتبر إضاعة، وحمله كثير من المفسرين في قول جل وعلا: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾، أي تركوها. وأيضًا إضاعتها بالتفريط فيها فيها من ناحية توقاتها، توقاتها أنها لا تصلى في الوقت، وإنما تصلى إما في غير وقتها، أو في آخر وقتها، الوقت الذي لا يكون وقتًا صحيحًا، ما ننهى عنه شرعًا. مثلًا من يصليها عند غروب الشمس أو عند طلوعها متعمدًا، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا طلعت بين قرني شيطان، نقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً». قال: «تلك صلاة المنافق». وأيضًا نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يسجد في ذلك الوقت، وقال: «وحينئذ يسجد لها الكفار»، أي عند غروب الشمس وعند طلوعها، قال: «فإنها تطلع بين قرني الشيطان، وتغرب بين قرني الشيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار». فالذي يؤخر صلاة العصر إلى ذلك الوقت، معناه أنه يتابع هؤلاء الكفار، يتابع هؤلاء الكفار في تأخير الصلاة. وقد وجد في وقت من الأوقات وزمن من الأزمان، والعجيب أن ذلك الزمان كان قريبًا من زمن النبي عليه الصلاة والسلام، في زمن بني أمية، كانوا يؤخرون الصلاة، حتى أن بعضهم كان يؤخرها بعد وقتها. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فقال كما في صحيح مسلم: «لأبي ذر: يا أبا ذر، كيف أنت إذا كنت في أمراء يؤخرون الصلاة؟» وجاء في بعض روايات: «يميتون الصلاة». فقال: ماذا أفعل يا رسول الله؟ قال: «صل الصلاة لوقتها، صل الصلاة لوقتها» أي في بيتك، «ثم صل معهم، ثم صل معهم، فهي لك نافلة». لماذا يصلي معهم؟ حتى يثبت أنه ليس خارجيًا، وأنه يترك الصلاة خلف الأمراء، فتحصل بعد ذلك فتنة. انظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام بيّن أهمية صلاة الجماعة مع الأمراء، لا يترك الصلاة مع أنهم يصلون في غير الوقت. قال: «صل لوقتها، ثم صل معهم، ثم صل معهم، فإنها لك نافلة». أي: لا تترك الصلاة مع الأمراء. لكن جاء من لم يفقه هذا، فترك الصلاة مع الأمراء، وصلوا في بيوتهم، أنهم يتركون الصلاة ويصلون في بيوتهم. ولهذا ذكر السلف أنهم ليسوا على السنة، هؤلاء الذين يفعلون ذلك، وغالبًا هؤلاء الخوارج، وهذا فكر الخوارج، أنهم لا يصلون مع الأمراء. فلهذا هذا من إضاعتها، أن تصلى في غير الوقت. انظر في ذلك الزمان، في زمن بني أمية، كانوا يصلون في غير الوقت. جاء في صحيح البخاري، جاء عن ثابت، وجاء كذلك عن الزهري، قال: دخلنا على أنس رضي الله تعالى عنه بعد أن صلينا الظهر، صلوا الظهر بعد أن صلينا الظهر، دخلنا على أنس، وكان قد شاخ، أنصار رجل كبير لا يستطيع أن يخرج، يصلي في بيته. فقال: «أنا قد صليت». قالوا: «نعم، قد صلينا الظهر». قال: «أما إني قد صليت العصر، أنا صليت العصر، أنتم صليتم الظهر». قال: «أما إني قد صليت العصر». ثم بكى رضي الله تعالى عنه. فقال له من كان في المجلس: «يا أبا حمزة، لما تبكي؟» قال: «أبكي على الصلاة، وأني ما أعرف شيئًا على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه عليه وسلم». فقال له الرجل: «يا أبا حمزة، إنا نحن نصلي». قال: «تصلون وقد ضيعتم، تصلون وقد ضيعتم، ضيعتم الصلاة»، أي لأنكم تصلونها في غير وقتها. فالمهم أن هذا أيضًا من التضيع. والأمر الثالث الذي يدخل في التضيع: أن يصليها بغير الصلاة التي أرادها الله، معنا لا يقيم ركوعها ولا سجودها، ولا أيضًا يصليها صلاة صحيحة بقراءتها بكذا، فهذا أيضًا اعتبر تضيعًا لها. في صحيح البخاري: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان جالسًا في المسجد، فدخل رجل، فدخل رجل فصلى، فلما انتهى من صلاته ناداه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «صلِّ، فإنك لم تصلِّ معنا، كأنك ما صليت». هذا الصلاة لا غنى، «صلِّ، فإنك لم تصلِّ». فقام وصلى نفس الصلاة، فقال له النبي: «صلِّ، فإنك لم تصلِّ». وهكذا الثالثة. ثم قال: «يا رسول الله، والله لا أحسن غيرها، فعلمني ما أحسن، إلا هذه الصلاة، علمني الصلاة». فقال له النبي: «إذا أتيت الصلاة فتوضأ وضوءك، ثم استقبل القبلة، ثم كبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها». وهذا الحديث الذي سماه بعضهم حديث، بعض العلماء سماه حديث المسيء في الصلاة. أيضًا كذلك جاء في البخاري موقوفًا، وجاء عند غيره مرفوعًا: أن رجلًا، أن رجلًا كان يصلي في المسجد، فرآه حديثة، وجاء كما قلنا مرفوعًا: أن الذي رآه هو رسول الله. فلما انتهى هذا الرجل من صلاة، وكان يسرع في صلاة، معناه ما يقيم ركوعًا ولا سجودًا، كان هذا الرجل يسرع في صلاة. فلما انتهى ناداه حديثة رضي الله تعالى عنه، فقال: «منذ كم وأنت تصلي هذه الصلاة؟ من متى أنت تصلي هذه الصلاة؟» قال: «منذ عرفت الصلاة وأنا أصلي هذه الصلاة». فقال: «أما إنك لو مت على هذه الصلاة لمت على غير الفطرة، أما إنك لو مت على هذه الصلاة مت على غير الفطرة». أنا: أنت ضيعت هذه الصلاة أصلًا، هذه ليست الصلاة صحيحة، وإذا ضاعت الصلاة وتعطلت الصلاة وبطلت، فإنك تكون خاسر أعمالك كلها تقترها. ولهذا الصلاة تكون ميزانًا للعبد، تكون ميزانًا للعبد في استقامته، وأيضًا عدم استقامته. ولهذا كان السلف رحمهم الله من تعظيمهم للصلاة أنهم حتى إذا أرادوا أن يتعلموا، أرادوا أن يأخذوا العلم من أحد من المشايخ، نظروا إلى صلاته، كما جاء ذلك عن أبي العالية، وعن مجاهد، وعن أيضًا الشافعي رحمة الله عليه. فأولئك رحمهم الله كانوا يقولون: إذا جئنا إلى شيخ نطلب العلم، ننظر في صلاته، ننظر في صلاته ميزان. قالوا: إن أحسنها جلسنا، وقلنا لغيرها: أحسن، مدام أنه يحسن صلاة، فلا شك أن ما عنده خير. وقال: وإذا أساء في صلاته خرجنا، وقلنا لغيرها: أسوأ، أن مدام صلاته لم يقمها. وهذا هو العلامة، علامة الرجل المعتدل، أو الرجل المؤمن، ومن غيره. فإذا كان لم يحافظ على صلاة، فمن باب أولى أنه ما سيحافظ على الأمور الأخرى. خافة مثلًا في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قد يكذب إذا كان ما حافظ على صلاة، وما صلاها صحيحة، قد يكذب ولا يبالي». ولهذا كان بعض الطلبة يأخذون علمًا من بعض من كان عنده علم، لكن استغربوا أنهم يخرجون إلى الصلاة وهذا لا يخرج، وما دروا أيش العذر الذي يعذره عن الصلاة. فقاموا بدون أن يشعر، عملوا له مدادًا في رجله، عملوا له مدادًا في رجله. الآن هم يردون يرون صلاته كيف يصلي، ما رأوا يصلي. فقاموا، عملوا له المداد هذا في رجله. فاليوم الأول وجدوا المداد لا زال، واليوم الثاني، واليوم الثالث، فعرفوا أن الرجل الظاهر أنه لا يصلي، فتركوا العلم الذي معه. العلماء ينظرون فقط إلى حسن الصلاة وإقامتها. كيف الذي لا يصلي، فلا شك أنه لا يؤخذ عنه العلم، أنه لا يؤخذ عنه العلم. أيضًا كذلك أيها الإخوة الكرام، أيضًا من تعظيم الصلاة أنها كان الصحابة رضي الله عنهم يستدلون على نفاق الشخص بعدم محافظته على الصلاة، بعدم محافظته على الصلاة، يستدلون بنفاقه. بل هذا قد جاء في الأحاديث، في الصحيحين، في حديث أبي هريرة، النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الفجر وصلاة العشاء، أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الفجر وصلاة العشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما، ولو حبوًا، لو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما، ولو حبوًا». فبيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن هؤلاء الذين يتركون صلاة الجماعة في العشاء والفجر، ما نفهمهم، علامة نفاق، لأن هذه الصلوات أثقل الصلاة على المنافقين. ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «كنا نشك في الرجل إذا لم نلقه في صلاة الفجر، نشكه ونشكه في نفاقه، وأنه فيه نفاق، إذا كان ما يصلي الفجر، قد يصلي الصلوات، يصلي الظهر، يصلي العصر، المغرب، العشاء، لكن الفجر ما يقوم، وليس عنده عذر، وإنما قد يكون يسهر». الآن أيها الإخوة، هذه مصيبة عظيمة، مصيبة أصابت الشباب، شبابنا هذه الأيام، تجد أنه يسهر طول الليل، وإذا جاء قرب الفجر ذهب ونام. أن هذا إصرار على ترك الصلاة، الذي فيه خير، تجده يصلي بعد ذلك، يذهب ينام. لكن كثير منهم تجد طول الليل وهو يتسكع في الشوارع، من مكان إلى مكان، وإذا جاء، وإذا قرب وقت الفجر، ذهب إلى بيته ونام. فهذا إصرار على ترك الصلاة، إصرار على ترك الصلاة. ولو صلى تلك الصلوات الأخرى، لكن يفعل بهذا، هذا يدل على أن عنده نفاق. قال: «كنا نشك في الرجل إذا لم نراه في صلاة الفجر، إذا لم نراه في صلاة الفجر». وكان يقول عبد الله بن عباس، أو يقول عبد الله بن مسعود: «ولو اتبعتم هذا المتخلف الذي يتخلف عن صلاة الجماعة، تركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم». ولو تركتم، وجاء في رواية: «لكفرتم». صحيح مسلم: «لضللتم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم». هذا ضلال الذي يترك الصلاة، وخاصة الجماعة، يصلي في بيته. فكما قلنا: الصلاة في البيت إنما تكون لمن كان عنده عذر، وأما لمن لم يكن عنده عذر، فلا بد أن يصلي في المسجد. النبي عليه الصلاة والسلام لم يعذر الأعمى، ابن أم مكتوم، لم يعذر، قال: «تسمع النداء؟» قال: «نعم». قال: «فأجب». فلهذا فهذا كلهم من تعظيم هذه الصلاة العظيمة. فللهذا الأمور التي ذكرت في الشرع في تعظيم الصلاة كثيرة جدًا، لكن حسبنا ما ذكرنا، حسبنا ما ذكرنا من هذه الأمور العظيمة التي تبين أن الشرع عظم هذه الصلاة. وأيضًا قبل أن ندخل في الفقرة الثانية، أيضًا كذلك من الأمور التي تجعل الصلاة في الإسلام عظيمة، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يوصي بها قبل أن يموت، بل كان يوصي بها حتى في حياة، لكن كررها في موت. جاء في حديث علي، وأنس، وجماعة، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: «الصلاة، الصلاة، وما ملكت أيمانكم، الصلاة، الصلاة»، أي: حافظوا على الصلاة، لأن مقام العبد في إيمانه هي صلاة، كما ذكرنا أنها ميزان. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يوصي بها، يوصي بهذه الصلاة وعدم تركها. وأيضًا كذلك أن من أمور العظيمة التي تبين عظمة الصلاة أنها دليل على استقامة الرجل، أو على إسلامه، أنه يقيم الصلاة في الناس. فإذا منع الصلاة، أو آذى الناس في صلاتهم، وضيق عليهم، تدل على أنه ليس بمسلم، وأنه يجوز الخروج عليه. ولهذا جاء في الأحاديث الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام في أن العبد يسمع ويطيع. ولما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة ما يحصل من التغيير من الأمراء: «يكون عليكم أمراء لا يهتدون بهدي»، في حديث حديفة: «ولا يستنون بسنة، تعرفون منهم وتنكرون». فقالوا: «يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟» قم عليهم بسيوفنا. قال: «لا، ما أقام فيكم الصلاة». ألا من ولي عليه أميرًا فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره عمله، ولا ينزع يدًا من طاعة. فليكره عمله. وجاء في حديث عوف بن مالك أنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، تدعون لهم ويدعون لكم، وشرار أئمتكم الذين تلعنونهم ويلعنونكم، وتبغضونهم ويبغضونكم». وقالوا: «يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟» انظر إلى فقه الصحابة رضي الله عنه: طيب، هؤلاء الذين يفعلون هذا، هل نقوم عليهم بسيوفنا؟ قال: «لا، ما صلوا». قال: «لا، ما صلوا». فإما أنهم هنا قولهم: «ما صلوا»، أي: ما أقام الصلاة، كما ذكر هنا. فإذا كانوا يقيمون الصلاة في الناس، ولا يؤذون الناس في صلاتهم، ولا يضيقون عليهم في مساجدهم، فهم أهل طاعة. فنصارة الصلاة هي الميزان الذي يعرف به: إذا كان ظاهره على الإسلام، لكن يعرف بالصلاة، فإن أقام الصلاة فإنه لا يخرج عليه، وإن لم يقم الصلاة فإنه يخرج عليه. فإن لم يقم الصلاة، فقال: «لا، ما أقام فيكم الصلاة». فأما إذا كان يضيقون على الناس في صلاة، ويؤذونهم، ويغلقون المساجد، فهم لا، ليس لهم طاعة. فإن لم تكن هناك فتنة، واستطاع الناس أن يخرجوهم، فإنه واجب أن يخرجوهم. وهذا أيضًا من الكفر الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام: «إلا أن تروا منهم كفرًا بواحًا، عندكم فيه من الله برهان». فللهذا فالصلاة لها أهمية عظيمة، لها أهمية عظيمة، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يغير على بلدة أو قرية، إن كان قد سمع منها أذانًا، وإن لم يسمع، أغار عليها. كما جاء في البخاري في حديث أنه قال: «كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يغير على قرية، يغير»، معناه: يهجم عليهم، يأتي، ينتظر إلى الفجر، فإن سمع أذانًا، لأن بعضهم يسلم، وهو النبي صلى الله سلام ما كان يعرف تسلم بعض القبائل، ويأتون بعضهم عند النبي عليه الصلاة والسلام، وبعضهم لا يأتي، لكنه يأتي أحد من الصحابة عندهم، أو يقول فيهم فيصلي، أو يعلمهم الصلاة. فالنبي عليه الصلاة والسلام يجلس إلى الفجر، فإن سمع أذانًا تركهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم. الأذان هو شعار الصلاة. فإذا سمع أذانًا، معناه أنهم يصلون، وإذا لم يسمع أذانًا، أي أنهم لا يصلون. فللهذا فهذا أيضًا كذلك من الأمور التي تعظم فيها الصلاة، وعظم الله عز وجل هذه الصلاة. وأما الأمر الثاني: وهو تعظيم أهل الإيمان الصلاة في قلوبهم وفي أعمالهم، فذلك يدخل أولاً في المحافظة عليها، يدخل أولاً في المحافظة عليها. وكذلك أيضًا صلاة الصلاة بما أمر الله عز وجل به، العبد أن يصلي الصلاة التي أمره الله بها. معنى من إتيانها في وقتها، وصلاة بركوعها وسجودها، حتى تكون لها أثر. النبي عليه الصلاة والسلام قال كما في حديث عبادة: «من صلى، من حافظ على هذه الصلاة، فصلاها بوضوئها، وصلاها في وقتها، وصلاها بخشوعها وركوعها وسجودها، كانت له نورًا يوم القيامة، وبرهانًا، أو كانت له برهانًا ونورًا يوم القيامة، فإن لم يحافظ عليها، فلم تكن له نور ولا برهان يوم القيامة، لم تكن له نور ولا برهان يوم القيامة». فدل هذا على أن العبد ينبغي أن يحرص على أداء هذه الصلاة بهذه الأمور: بوقتها، وبشروطها، وأركانها، وخشوعها. أيضًا كذلك ذكر في الحديث الخشوع، لأنه لب الصلاة. وهذا الأمر أيضًا من الأمور التي ينبغي المسلم أن يحرص عليها في صلاة، وهي أن يصليها بخشوعها، أن يصليها بخشوعها. لأن من صفات أهل الإيمان كما ذكر الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. ورتب الله عز وجل أجر الصلاة بخشوعها. إذا كان الإنسان يصلي بلا خشوع، ليس له شيء من الأجر، ليس له شيء من الأجر. ولهذا قال العلماء كالشوكاني وغيره: أن العلماء اتفقوا على أنه ليس للرجل من صلاته إلا ما عقل، ما عقلها. ليس له من صلاة إلا ما عقلها. معنى: لو دخل الصلاة وخرج وهو لا يدري: أصلى أم لم يصل؟ معنى: ما ذكر أنه في صلاة أبدًا، فهذا يخرج من الأجر. وإن ذكر فبحسب ذكره. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث الذي يخرجه ابن حبان: «يصلي الرجل، وليس له من صلاته إلا نصفها، أو ثلثها، أو ربعها، أو خمسها، أو سدسها»، إلى أن قال: «أو عشرها». معنى: أنه يتحصل هذا الأجر على قدر خشوعه في الصلاة. وهذا مما يجعل العبد الذي هو يعظم هذه الصلاة، يعظم هذه الصلاة، أنه يهتم بهذه الصلاة، يهتم بهذه الصلاة. وكما قلنا: أن السلف رحمهم الله، وفي مقدمتهم النبي عليه الصلاة والسلام، كانوا إذا دخلوا الصلاة، ما يدرون بما يحدث عندهم، وما يدرون بما يحصل في الدنيا كلها، يتوجهون إلى الله جل وعلا. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إني أناجي من لا تناجون». معنى: يناجي الله عز وجل في صلاة، عليه الصلاة والسلام. ولهذا يرتاح، معنى: يجد الراحة العظيمة في الصلاة. وهكذا كان السلف، كانوا يجدون الراحة في الصلاة. إذا دخل أحدهم في الصلاة، لا يدري ما يفعل أهله، فضلًا عن الدنيا. ذكروا في ترجمة سليمان بن يسار، وهو تابعي جليل، وسليمان، وعطاء، وعمر، أولًا ثلاثة إخوة من خيرة التابعين. فسليمان رحمه الله، ذكروا في ترجمته أنه كان إذا دخل بيته، هابه أولاده، لا، يسكتون، فإذا صلى قاموا ولعبوا، لأنه ما يحس بهم، ولا يدري ما يفعلون. فإذا صلى قاموا