التعليق على كتاب التوحيد 57

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 57، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح باب حماية المصطفى لجناب التوحيد وسد طرق الشرك

يشرح المحاضر عنوان الباب مبيناً أن حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجانب التوحيد تعني سد كل المنافذ المؤدية للشرك كما يحمي الملك حرمه. ثم يفسر آية التوبة موضحاً أن الرسول من جنس البشر، شديد عليه مشقة أمته، حريص على نفعهم، رؤوف رحيم بالمؤمنين، مستدلاً بذلك على حرصه على حمايتهم من الشرك وأسبابه.

حماية التوحيد وتفسير النهي عن جعل البيوت قبوراً ودفن النبي في بيته

يوضح المقطع حرص النبي ﷺ على حماية التوحيد وسد ذرائع الشرك، ويستعرض حديث «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا» بتفسيريه: النهي عن دفن الموتى في البيوت، والنهي عن ترك الصلاة فيها. كما يبين سبب دفن النبي ﷺ في بيت عائشة بالنص الشرعي وخشية اتخاذ قبره عيداً.

النهي عن اتخاذ البيوت قبوراً وقبر النبي عيداً وفضل الصلاة عليه

يشرح المقطع أن النهي عن جعل البيوت قبوراً يعني عدم ترك الصلاة فيها، وأن النهي عن جعل قبر النبي عيداً يقصد به عدم التردد عليه بشكل متكرر كالمواسم. ويبين أن الصلاة على النبي تبلغه أينما كان المصلي، وأن هذين النهيَين يهدفان لحماية التوحيد وسد ذرائع الشرك.

ختام الدرس وتأجيل المسائل المعلقة

يعلن المحاضر عن انتهاء وقت الدرس الحالي مع بقاء حديث واحد ومسائل معلقة، مؤجلاً إكمالها إلى الدرس القادم إن شاء الله. ويختتم بالبسملة والتسليم لعلم الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، قال شيخ العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: "باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك". ومعنى هذا التبويب: "باب ما جاء في حماية المصطفى"، والمراد بالمصطفى النبي عليه الصلاة والسلام؛ من الصفوة فهو صفوة صفوة، وللعزم من الرسل فهو أفضل الأنبياء والمرسلين. ومعنى "جناب التوحيد": يعني جانب التوحيد. والحرم -كما تقدم معنا في شرح الأربعين- هو ما يضعه الملوك على بعض الأراضي من الحدود التي يمنعون دخول الناس إليها، ويجعلون حرمًا. ألا وإن حمى الله... ألا وإن لكل ملك حمى. فمعنى "حماية المصطفى": يعني ما جاء من الموانع التي تخدش في التوحيد وتوصل إلى الشرك، فهذه الموانع كالحمى الذي يمنع غيره من الدخول إليه. وقوله: "وسده كل طريق يوصل إلى الشرك"، يعني أن هذا الحمى ما فيه أبواب، وما فيه مداخل، بل حمى محكم، حمى محكم، ما يستطيع أحد أن يدخل إلى جانب التوحيد. واضح هذا الآن؟ فهذا هو المعنى الإجمالي لمعنى هذا التبويب. ومناسبته لكتاب التوحيد واضحة؛ فإن الله سبحانه وتعالى نهى عن الوقوع في الشرك، وعن الأسباب الموصلة إليه، وعن الأسباب الموصلة إلى الشرك. وإذا قال: "فاجتنبوا"، فاجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور. والاجتناب أبلغ من مجرد الابتعاد، صح؟ فيشمل الابتعاد، ويشمل الطرق التي توصل إلى الشرك. فهناك نصوص كثيرة تحث على القيام بكل ما يقوي التوحيد وينميه ويغذيه، وهكذا التحرر من كل ما يوصل إلى ما يضاده من الشرك. فنهى عن الأقوال والأفعال التي فيها الغلو، وفيها الوصول إلى الشرك. فكل سبب يوصل إلى الشرك سده الشرع، سده الشرع وحرمه، كما سيأتي في هذه النصوص. وقال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. ومعنى الآية: يخاطب الله عز وجل هذه الأمة على الصحيح من أقوال العلماء؛ لأنهم اختلفوا في قوله: "من أنفسكم"، هل المراد: منكم أيها العرب؟ فالخطاب يكون للعرب خاصة، أو "من أنفسكم" يعني من بني جنسكم، لا من الجن ولا من الملائكة، بل هو من جنسكم؟ ففي قوله "من أنفسكم" اختلف فيها المفسرون: فمن قال إن المراد به العرب خصها بالعرب، ومن قال المراد به بالجنس خصها بكل من آمن من البشر. والصحيح الثاني: أنها عامة لكل من آمن به من البشر، العرب والعجم، العرب والعجم. "لقد جاءكم رسول من أنفسكم": يعني من جنسكم، لا من الملائكة ولا من الجن. "عزيز عليه": معنى "عزيز"، حرف العين والزاء والياء يدلان على الصلابة، يدلان على الصلابة. فمعنى "عزيز عليه ما عنيتم": يعني شديد عليه عنتكم، يعني شديد عليه ما يشق عليكم. فهو العنت، العنت بمعنى المشقة، كما قال الله عز وجل: ﴿ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ﴾، فالعنت بمعنى المشقة. فيكون المعنى: أن هذا الرسول شديد عليه ما يشق عليكم، فهو لا يريد لكم المشقة. لا يريد لكم المشقة. فـ "ما" هنا مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر، فيكون التقدير: شديد عليه عنتكم، شديد عليه عنتكم. واضح؟ "حريص عليكم": الحرص يكون بحصول المرغوب ودفع المرهوب. أنت تحرص على كذا يعني تحب أن توصل إليه الخير، وتبعد عنه الشر، وتبعد عنه الشر. فهو حريص عليه الصلاة والسلام على هذه الأمة. "بالمؤمنين رؤوف رحيم": قالوا: الرؤوف هي أرفع من الرحمة، أرفع من الرحمة. وهذه كلها من أوصاف نبينا عليه الصلاة والسلام. طيب، ما وجه الشاهد من إيراد هذه الآية في هذا الباب؟ الشاهد من ذلك: أن من حرص النبي عليه الصلاة والسلام على هذه الأمة، ومن رحمته ورأفته بهم، حمايته لجناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك. فما من سبيل يحمي التوحيد إلا وحث عليه ورغب فيه، وما من طريق يوصل إلى الشرك إلا وحذر منه، إلا وحذر منه. وهذا من رحمته، ومن حرصه، ومن رأفته عليه الصلاة والسلام بهذه الأمة. واضح الآن وجه الشاهد؟ هذا هو وجه الشاهد من إرادة هذه الآية. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات، والحديث يصححه العلامة الألباني، كما يصححه في داود وغيره. فـ "قولوا: لا تجعلوا بيوتكم قبورًا"، قيل في هذا تفسيران: التفسير الأول: لا تجعلوا بيوتكم قبورًا بدفنها فيها، يعني دفن الأموات في البيوت، فهذا لا يجوز. لماذا؟ لأن في ذلك مفاسد كثيرة، منها: من تلك المفاسد ربما تعظيم هذا القبر، لأنه يكون في بناء، وقد نُهي عن البناء على القبور، بل وعلى رفعها أكثر من غيرها من القبور، كما في حديث علي. واضح؟ فأنت كونك تدخلها في البيت، فهذا فيه تعظيم لهذا القبر، وفيه مفاسد أخرى. هذا تفسير. وتفسير آخر: لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، أي بعدم صلاتكم فيها. فمن لم يصل في بيته فجعلها مثل القبور، لأن القبور لا يُصلَّى عندها، صح؟ القبور لا يُصلَّى عندها. فكذلك البيت الذي لا يُصلَّى فيه فهو مثل القبور. فلذلك كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه يصلي السنن في بيته، يصلي السنن في بيته، مع أن المسجد الحرام الصلاة فيه مضاعفة. قال العلماء: هذه في الفريضة، وفيما كانت الصلاة فيه أفضل في المسجد، مثل صلاة الكسوف والخسوف، ومثل قيام الليل في رمضان، هذا الأفضل تكون في المسجد لفعل النبي عليه الصلاة والسلام. لكن غيرها من السنن الأفضل أن تؤدى في البيت لمن استطاع ذلك. لماذا؟ لحكم كثيرة، منها: حتى لا يكون البيت مثل القبور لا يُصلَّى فيه. وأيضًا منها: تعليم الذرية، لما يرونك تصلي يقلدونك في صلاتك. حتى الصغار، ربما الولد الصغير أو البنت الصغيرة إذا رأتك تصلي تجلس بجانبك وتعمل حركاتك، وهذا من التعليم. ربما أنت ترفع إصبعك ترفع إصبعها، أو يرفع إصبعه، أنت تقول: هكذا، هو يقول: هكذا، هو صغير يتعلم منك، والكبير كذلك يتعلم صلاتك. والصلاة بالفعل من هدي النبي عليه الصلاة... مرة صعد المنبر عليه الصلاة وصلى بالناس وهو في الدرجة الثانية، فلما انتهى قال: «فعلت ذلك لتعلم صلاتي». فكيف أنت تصلي في البيت؟ زوجتك وبناتك وأولادك ينظرون إليك، سيتعلمون أكثر. هذه أيضًا حكمة أخرى: نعم، السجود يرجع للقَهْقَرَى فيسجد في أصل المنبر، يعني في الأرض، في السجود، نعم، في مكان الإمام أو قبل أمام المنبر، أي يقوم الثاني، يطلع وهكذا، حتى يراه الصحابة. هذا تفسير آخر. طيب، قد يورد بعضكم إشكالًا فيقول: كيف على القول الأول أن المعنى "لا تدفن الموتى في البيوت"، وقبر النبي في بيته؟ طيب، فيرد على هذا بأمرين اثنين: الأمر الأول: أن دفن النبي عليه الصلاة في بيته بدليل شرعي، وهو حديث أبي بكر: قال صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي يموت إلا ودفن حيث قُبض». فأين قُبض النبي عليه الصلاة؟ في بيت عائشة. إذن يُدفن في بيت عائشة. هذا نص. والسبب الثاني: ما ذكرته عائشة: "ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن خشي أن يتخذ عيدًا". ففعل ذلك مع النبي عليه الصلاة والسلام خشية أن يتخذ وثنًا من دون الله. فحمى الله عز وجل قبر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بأن دفن في بيته. صلى الله عليه وعلى آله وسلم. واضح؟ وقوله: "والصحيح من القولين والأقرب هو الثاني"، مع أن الأول يحتمله الحديث. طيب، فيمكن أن نقول أن الحديث يشمل معنيين، لكن أقوى المعنيين هو القول الثاني، هو القول الثاني: أن المراد "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا" يعني لا تصلوا فيها. وبعض أهل العلم ذكر زيادة بذكر الصلاة: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، فاجعلوا من صلاتكم في بيوتكم». هكذا يقول عليه الصلاة والسلام: «ولا تجعلوها قبورًا لأن القبور لا يُصلَّى فيها». فالمراد هذا والله أعلم. وقوله: «ولا تجعلوا قبري عيدًا». العيد: العيد هو ما يعود ويتكرر. يعني لا تجعلوا قبري مزارًا يُزار ويتردد إليه أسبوعيًا أو شهريًا أو سنويًا. لا تجعلوا قبري عيدًا. «وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». كأنه يقول: لا يلزم من الصلاة علي أن تترددوا إلى قبري، لا يلزم من الصلاة علي أن تترددوا إلى القبر، بل يكفيكم أن تصلوا علي في أي مكان، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم. قيل: تبلغه بإرسال ملك إليه عليه الصلاة والسلام يبلغه سلام أمته. وهذا وردت به بعض الألفاظ: أن ملكًا يبلغ النبي عليه الصلاة والسلام سلام أمته. فسواء من سلم عليه بالقرب من قبره، أو في الشرق، أو في الغرب، فكل السلام يصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وبهذا تعلم خطأ بعض الناس الذين يكونون في المدينة فيزورون قبره في كل يوم، أو في كل أسبوع. هذا ليس من السنة، بل هذا خلاف السنة. فزيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام بالسلام عليه لا يلزم أن تذهب إلى قبره، بل تسلم عليه في أي مكان: "اللهم صل وسلم السلام عليك يا رسول الله"، لا، بل في أي مكان تسلم على النبي عليه الصلاة، فإن هذا السلام يبلغه كما في هذا الحديث: «وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني»، يعني تصل إلي حيث كنتم، في أي مكان كنتم. لو إنسان في الصين، أو في أمريكا، أو في غيرها، يصل هذا السلام إلى النبي عليه الصلاة. وضع هذا الآن. طيب، ما وجه الشاهد من إرادة هذا الحديث؟ وجه الشاهد من إرادة هذا الحديث في أمرين اثنين: الأمر الأول: نهي عن الصلاة لله عز وجل عند القبور. من أين أخذنا هذا؟ من قوله: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا»، فدل ذلك على أن القبور لا يُصلَّى عندها، ولو لله، ولو لله. وهذا فيه حماية لجناب التوحيد، وسد لطريق من الطرق التي توصل إلى الشرك. فعبادة الله عز وجل عند القبور، تصير هذه العبادة، وتصير هذه العبادة فيما بعد لغير الله. فسده النبي عليه الصلاة والسلام هذا الأمر. واضح هذا الآن؟ وشاهد آخر أيضًا به حماية المصطفى لجناب التوحيد: في قوله: «ولا تجعلوا قبري عيدًا». فمن يتكرر، ولو لم يدعُ الرسول، ويعتقد عقيدة فاسدة في الرسول، لكنه يكثر الترداد إلى القبر، فهذا يؤول أمره إلى عبادة الرسول، لأنه سيتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من تعلقه بالله. فسده النبي عليه الصلاة والسلام هذا الطريق الذي قد يوصل إلى ماذا؟ إلى الشرك، والعياذ بالله. فلا تجعل قبر النبي عيدًا دائمًا تتكرر إليه. وإنما زيارة قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تكون تبعًا لزيارة المسجد الحرام. إذا جئت بعد سنة، بعد سنتين، بعد عشر سنين، تزور المسجد وتسلم على النبي عليه الصلاة. أما دائمًا أنت في المسجد كل يوم وأنت داخل خارج، أو أسبوعيًا، أو شهريًا، لا، هذا خلاف السنة، هذا خلاف السنة. «لا تجعلوا قبري عيدًا». قد يقول قائل: "أنا أريد أن أسلم على الرسول". أجاب النبي عليه الصلاة والسلام على هذه الشبهة فقال ماذا؟ «وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». في أي مكان صلي عليه. إذا تريد أن تصلي عليه، فإن هذه الصلاة ستصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام. هذا هو وجه الشاهد من إرادة هذا الحديث. بقي معنا حديث، والمسائل مؤجلها إن شاء الله إلى الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.