الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 61، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع حديث ثوبان عن زوي الله الأرض للنبي صلى الله عليه وسلم فرأى مشارقها ومغاربها، مبيناً أن المراد بالأمة هنا أمة الإجابة وأن ملكهم سيبلغ ما زوي له. وقد تحقق ذلك تاريخياً بفتوح المسلمين وسيتحقق مستقبلاً بنصر الإسلام.
يفسر المقطع الكنزين الأحمر والأبيض بأنهما الذهب والفضة، مشيراً إلى كنوز كسرى وقيصر التي فتحها المسلمون في عهد عمر. كما يوضح دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا تهلك أمته بسنة عامة ولا يسلط عليهم عدو خارجي، مبيناً الفرق بين القضاء الكوني والشرعي.
يوضح المقطع أن عدم استجابة الدعاء بعينه لا يعني ترك الدعاء، بل يعوض الله بالخير في الدنيا أو الآخرة أو يصرف شراً أعظم. كما يبين أن تسلط الأعداء على الأمة مشروط باقتتال المسلمين وسفك دمائهم، مستدلاً بحديث النبوة والتاريخ منذ عهد الخلفاء الراشدين.
ذكر أن البرقاني روى الحديث في صحيحه (مستدركه على مسلم) وزاد فيه ألفاظاً وأحاديث لم يذكرها مسلم، وأكد أن الحديث صحيح عند العلماء وله شواهد تقويه.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، قال شيخ الإسلام العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان: قال: ولمسلم عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة» - في رواية: «بسنة عامة» - «وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال: بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً». قوله: «إن الله زوى لي الأرض»، زوى بمعنى ضم وجمع، والله عز وجل على كل شيء قدير. وكثير من أهل العلم على أن هذا الضم والاجتماع على حقيقته، فالله عز وجل على كل شيء قدير. وبعضهم قال: لا، المراد بالضم هنا أن الله عز وجل قوى نظر نبيه، فصار نظر النبي عليه الصلاة والسلام يصل إلى مشارق الأرض ومغاربها. ولكن التفسير الأول هو الأولى، فالله عز وجل على كل شيء قدير. فضم الله عز وجل لنبيه الأرض جميعاً حتى تمثلت هذه الأرض أمامه، فنظر إلى مشارق الأرض ومغاربها، فلذلك قال: «فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها». ومعنى «وإن أمتي»: الأمة هنا يراد بها أمة الإجابة؛ فإن الأمة أمتان: أمة الدعوة وأمة الإجابة. فأمة الدعوة: كل من بعث إليهم النبي عليه الصلاة والسلام، فهم مأمورون بالدخول في دعوته، فيشمل كل الناس، وهذا يسمون أمة الدعوة. وأما أمة الإجابة: فهم الذين استجابوا له وآمنوا به. وقوله هنا: «وإن أمتي» يعني أمة الإجابة، سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، يعني أن المسلمين تفتح لهم البلاد فتتوسع رقعة الدولة الإسلامية، وهذا قد وقع، فبلغ المسلمون إلى مشارق الأرض ومغاربها، وصلوا إلى السند والهند، وإلى بلاد الأندلس، وإلى أقطار بعيدة. قال العلماء: وأيضاً لعل هذا يحدث في الأزمان القادمة، فيتقوى أمر الإسلام فينتشر. وهذا يذكره العلماء: هذا الحديث في البشائر التي بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمة. ولذلك ذكر الشيخ الألباني هذا الحديث في الصحيحة في ذكره لتلك البشارات، بشارات النصر، نصر المسلمين على الكفار والمشركين. فإذن هذا فيه بشارة أن ملك هذه الأمة سيبلغ إلى مشارق الأرض ومغاربها، فمنه قد وقع، ومنه إن شاء الله سيقع. وأما قوله: «وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض»، فيريد الذهب والفضة: الأحمر يعبر به عن الذهب، والأبيض يعبر به عن الفضة؛ لأن الذهب يكون أحمر، والفضة تكون بيضاء. وقوله: «وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض»، المراد به كنز كسرى وقيصر. فإن قيصر مشهور بالذهب، وكسرى مشهور بالفضة، يعني أكثر ما يوجد عندهم، ولا يمنع أن هذا عنده شيء يسير من الذهب وذاك عنده شيء يسير من الفضة. ومعنى «أعطيت الكنزين»: يعني أن المسلمين سيفتحون بلاد كسرى وقيصر، فسيأخذون ذهبهم وفضتهم، وهذا وقع في عهد عمر. وقوله: «أعطيته» هنا نسبه عليه الصلاة والسلام إلى نفسه؛ لأن ما أعطيت أمته فكأنه أعطي لنبيها عليه الصلاة والسلام، فهو نبي هذه الأمة. وقوله: «وأعطيت الكنزين» يعني أعطيت أمة الكنزين، ويراد به كنز الذهب والفضة، أي كنز كسرى وقيصر. وقوله: «وإني سألت ربي» يعني دعوت ربي لأمتي، والمراد بالأمة هنا أمة الإجابة أيضاً. «ألا يهلكها بسنة عامة»: سنة بمعنى قحط. «وقحت» بمعنى قحط، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ يعني بالقحط والشدة، وكذلك القحط. وكما قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينَ يُوسُفَ﴾ يعني من القحط والجذب. فقوله «بسنة» بفتح السين، يعني لا تجعل الأمة تهلك بسبب القحط والجذب وقلة المعاش. فهذا هو المعنى: أن لا يهلكها بسنة عامة، يعني سنة عمت جميع الأمة. وقوله: «وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم»، يعني دعا النبي صلى الله عليه وسلم وسأل ربه ألا يسلط على هذه الأمة عدواً خارجياً ليس منهم كافراً فيستبيح بيضتهم. ومعنى «يستبيح» يعني يستحل. و«بيضتهم»: البيضة هي التي توضع على الرأس من أجل أن تحمي الرأس من الضرب، فهذا دليل أو كناية على قتل المسلمين؛ فإذا استبيحت بيضتهم هلكوا، هذا هو المراد. وقوله: «عدواً من سوى أنفسهم» يعني من غيرهم، من غير أنفسهم. قال عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدْ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ». والمراد بالقضاء هنا القضاء الكوني؛ فإن القضاء قضاءان: قضاء كوني وقضاء شرعي. القضاء الشرعي قد يقع وقد لا يقع، أمر الله عز وجل بالتوحيد فبعض الناس ما حققوا هذا التوحيد، هذا أمر شرعي. أمر الله بالصلاة فكثير من الناس لا يصلون، هذا أمر شرعي قد يقع وقد لا يقع، واضح. لكن الأمر الكوني لا بد أن يقع. فقوله هنا: «وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدْ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ»، يعني: وإن دعوت، فإن هذه الدعوة إذا قضيت أمراً كونيا فإنه لا يرد، ولا تستجاب الدعوة في ذلك. وهذا سيأتي معناها: ما المراد بهذا القضاء الذي لا يُرَد؟ لأن هنا ترد مسألة: هل معنى ذلك أن يترك المسلم الدعاء؟ لا، ليس معنى ذلك أن يترك المسلم الدعاء؛ لأن المسلم إذا دعا مثلاً أن الله يشفيه، وقد قضى الله عز وجل أن لا يُشفى، فإن الله عز وجل يعطيه بهذه الدعوة ما هو خير من شفائه، كما جاء في الحديث الصحيح: «ما من مسلم يدعو بدعوة إلا استجاب الله له إحدى ثلاث: إما أن يقضي حاجته يعني سؤاله، وإما أن يدخرها له يوم القيامة، وإما أن يعطيه أفضل منها». فإذا قضى الله قضاءً، نعم يصرف عنه شراً، كيف؟ يصرف عنه ما هو شر أو أضر من هذا. نعم، فهذا يعني ليس معنى هذا أن الإنسان لا يدعو؛ لأن الله عز وجل إذا قضى ما لا تنفع فيه هذا الدعوة، يدعو فالله عز وجل يعطيه ما هو أفضل في يوم القيامة، أو يصرف عنه من الشر ما هو أشد منها. فإذا قضى الله عز وجل قضاءً فقد يدعو الإنسان ولا يستجاب له في هذا الدعاء بعينه في هذه المسألة بعينها، فالله عز وجل على كل شيء قدير، وهذا سيأتي تفسيره فيما سيأتي إن شاء الله. قال: «وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة»، هذا أعطى الله عز وجل لنبيه، فلا تهلك هذه الأمة كلها بسبب القحط أو كذلك الجذب. «وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم» يعني يستبيح دماءهم. «ولو اجتمع عليهم من بأقطارها» يعني إذا قضى الله عز وجل لذلك، لو اجتمع من في الشرق والغرب على أن يستبيحوا بيضة المسلمين لم يستطيعوا ذلك، أو قال: «بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً». وهذا يدل على أن عدم تسلط العدو على المسلمين مقيد بشرط، ما هو هذا الشرط؟ «حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً». بمعنى: إذا كان المسلمون لم يسفكوا الدماء بعضهم مع بعض، ولم تكن بينهم الحروب فيسبي بعضهم بعضاً وهم مسلمون، ويهلك بعضهم بعضاً وهم مسلمون، إذا فعلوا ذلك فإن الله عز وجل يسلط عليهم عدواً، وإذا ما فعلوا ذلك فإن الله لا يسلط عليهم عدواً. هذا معنى قوله: «حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً»، أي: فأسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم إذا فعلوا ذلك. قال العلماء: وتسلط العدو على بعض المسلمين في هذا الزمان بسبب انتهاك المسلم لدم أخيه المسلم، فكان إراقة دماء المسلمين من عهد الخلفاء الراشدين، من عهد عثمان رضي الله عنه قتلوه، ثم بعده علي، وهكذا انتشرت الفتن بين المسلمين إلى يومنا هذا، فتسلط العدو إنما هو بسبب أنفسنا. ولذلك لما كثرت الفتن بين المسلمين تسلط العدو عليهم. طيب، ما هو وجه الشاهد من هذا الحديث؟ لم يأتِ وجه الشاهد بعد لأن الحديث لا يزال له بقية. طيب. فقال هنا: ورواه البرقاني في صحيحه، وزاد البرقاني - يعني عمل مستدرك على صحيح مسلم - فالألفاظ وبعض الأحاديث التي لم يذكرها مسلم أضافها، وهذا الحديث صحيح، صحيح العلماء، وله شو