التعليق على منظومة الزمزمي  41

التعليق على منظومة الزمزمي 41

الدرس في التعليق على منظومة الزمزمي 41، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تخصيص العام بالدلائل الشرعية

يتحدث هذا الفصل عن تخصيص الألفاظ العامة في القرآن بالسنة والإجماع والقياس، مع تقديم أمثلة على ذلك مثل تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وتخصيص القرآن بالإجماع والقياس.

دور السنة النبوية في تخصيص القرآن

يناقش هذا الفصل دور السنة النبوية في تخصيص العام في القرآن، ويبين آراء الفقهاء حول تخصيص القرآن بسنة آحاد أو متواترة، مع توضيح الأمثلة العملية.

تطبيقات تخصيص الأحكام العامة بالسنة

يتناول هذا الفصل كيفية تخصيص الأحكام العامة في القرآن بالسنة النبوية، ويستعرض آراء المذاهب الفقهية حول التعامل مع خبر الآحاد في تخصيص الأحكام، مع مثال العرايا.

ختام الدرس والتأكيد على الأحكام

يختتم هذا الفصل بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع التأكيد على بعض الأحكام المتعلقة بالعرايا وغيرها من المسائل الفقهية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرابع ما خص منه بالسنة. قال رحمه الله تعالى: تخصيصه بسنة قد وقع، فلا تمل لقول من قد منع أحدها، وغيرها سواء، فبالعرايا خصة الرباء. قال رحمه الله تعالى: الرابع، أي النوع الرابع من هذا العقد، وهو العقد الخامس المتعلق بالمباحث المتعلقة بالمعاني التي لها الطيبات بالأحكام. فمر معنا العام الذي بقي على عمومه، ثم العام المخصوص، ثم العام الذي يراد به القصوص، وهنا تذكر رحمه الله تعالى ما يتعلق بالتخصيص. وقال: ما خص منه بالسنة. وكذلك كان العلماء لا زالوا يتبعون مباحث العام بمباحث الخاص، مباحث العام والخاص، المطلق والمقيد، مثل هذه الأنواع يذكر العلماء التلازم فيما بينها لانباط بعضها ببعض. وهنا خاصة في قضية التخصيص، وجه الربط أننا في دروس سابقة تكلمنا عن العام، وذكرنا أن في تعريف العام هو اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر. أما التخصيص على خلافه، فإن التخصيص يتسلط على العموم، فيخرج بعض أفراده. قد مر هذا معنى في قولنا: من أقسام العام العام المخصوص. العام المخصوص هو عام دخل عليه التخصيص. فهذا قول رحمه الله تعالى: الرابع ما خص منه بالسنة. وعرف التخصيص بأنه قصر العام على بعض أفراده. قال رحمه الله تعالى: ما خص منه بالسنة، أي ما خص من القرآن. فوجه المسألة لأنني سأتكلم فيها حول أن يأتي لنا ألفاظ عامة في كتاب الله عز وجل، ثم تعترض هذه الألفاظ العامة تخصيصا ما. والمخصصات التي نذكرها العلماء بالجملة أن القرآن قد يخص بالكتاب، أي القرآن بالقرآن، أو يخص بالسنة، أو يخص بالإجماع، أو يخص بالقياس. فمثلا القرآن بالقرآن، تأتي آية عامة ثم يأتي ما يخصصها، مثل في قول تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ والمطلقات لفظ عام يدخل في هذا جميع المطلقات من غير استثناء، لكن جاء التخصيص. ما هو؟ التخصيص من هذه التخصيصات التي جاءت على هذه الآية أن الذي طلقت من غير مساس «يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها» أين العدة؟ لا عدة في حق من؟ في حق مطلقة قبل المساس. وقبل الدخول عليها، فهذا تخصيص القرآن بالقرآن. لفظ عام، ثم أتى التخصيص في موضع آخر. وكذلك تخصيص القرآن بالسنة، وهذا كذلك أمثلة كثيرة منها عندما ذكر ربنا عز وجل المحرمات في النكاح، ثم قال ربنا عز وجل: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي ما وراء هذه المحرمات، أنت يا عبد الله في حل لك أن تنكح ما شئت. لكن جاءت السنة وخصصت كذلك بعض النسوة التي ما يجوز أنك تأتيهن، وهو أنك تجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها كما جاء في الصحيحين بعدة ألفاظ، فهذا من أين جاء تحريمه؟ جاء تحريمه من السنة، فهذا تخصيص. فعندي الإباحة العامة «وأحل لكم ما وراء ذلكم» أي تفع وتنكح ما شئت بعد هذه المحرمات المذكورة في الآية من نكاح البنات والأمهات والخالات والعمات وأبناء وبنات الأخ وبنات الأخت. ثم بعد ذلك أباح لنا ربنا كل شيء، لكن جاء التخصيص من السنة، فخصص هذا الحكم العام بماذا؟ بأن المرأة لا تجمع مع عمتها ولا مع خالتها في عقد واحد. كهذا ما يسمى تخصيص القرآن بالسنة. وهذا الذي نريده في هذا الفصل. ثم يأتي كذلك تخصيص القرآن بالإجماع، يأتي لفظ عام ثم يأتي من الإجماع المعتبر ما يخصص هذا اللفظ العام. طبعا هذا الباب توقف فيه جماعة من أهل العلم، إذ أنهم ما وجدوا ديلا يمكن أن يمثلوا به في مثل هذا المقام. إلا أن بعض العلماء ذكروا من الأمثلة التي قد تخلو من انتقاد في قول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ هذا لفظ عام «وذروا البيع» يترك البيع من كل مؤمن، ويدخل في ذلك الرجال والنساء على حد سواء. هذا الحكم العام وهو النهي عن البيع، خصصه كما يقول العلماء بمسألة أجمع عليها الفقهاء، وهو جواز بيع المرأة للمرأة. فإن وإن كان يشملها الحكم «وذروا البيع» لكن خصصه بالإجماع. أجمع العلماء على أن هذا مما يجوز، فهذا مما ضرب به المثل في تخصيص القرآن بالإجماع. وأما تخصيص القرآن بالقياس، أبعد هذا على قول من يقول بالقياس، وهي مسألة تجاذبت في أقوال الفقهاء حول القياس. من من اعتبره دليل شرعي، ومن من لم يعتبره دليلا شرعيا ينتهض إلى أن يتصلت على القرآن لضعفه. وبعضهم يفصل، وهذا الذي عليه الكثير من العلماء التفصيل، وهو بين القياس الجليء والقياس الخفي. فإن القياس الجليء له قوة واعتبار، وأنه قد بإمكانه أن يخصص حكما عاما من القرآن. فمن هذه الأحكام العامة مثلا الذي جاء تخصيصها بالقياس ما جاء في قول تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ هذا حكم عام، الزاني كائنا من كان، الزانية كائنة من كانت، بهذا التعريف هي أشملت وأستغرقت كل من وصف بوصف الزنا ذكرا كان أو أنثى، حكمه الجلد مئة جلدة. طيب جاء كذلك من القرآن على أن الأمة عليها ما على المحصنات من العذاب، الأمة إذا زنت فإنها يعطى لها نصف العذاب، خمسين جلدة. هذا جاء في القرآن. طبعا عندي الزانية الحرة مئة جلدة، وعندي الأمة وهي العبدة خمسين مئة جلدة أولى، والثانية خمسين جلدة بنص القرآن. بقي العبد، العبد هنا ذهب كثير من العلماء على أن العبد يقاس بالأمة، فيجلد خمسين جلدة. إذن هذا ماذا اعتبر؟ اعتبر هنا أن العبد خصص من الآية بالقياس، بالقياس المعتبر والمعتمد عند كثير من الفقهاء في هذه المسألة. فالحاصل إخواني في الله، إذن القرآن تخصيصه قد يكون القرآن بالقرآن، القرآن بالسنة، القرآن بالإجماع، القرآن بالقياس. وهذه الأمثلة تذكر من باب التنبيه والمعرفة لشأن التخصيص. فقال رحمه الله تعالى: تخصيصه بسنة قد وقعا، فلا تمل لقول من قد منعا. التخصيص بشكل عام من الأحكام التي أجمع عليها العلماء على وقوعها بالجملة. قال: تخصيصه بسنة قد وقعا، أي تخصيص القرآن بسنة. والمراد بالسنة هنا هو كل ما أثير عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أقوال وأفعال وتقريرات. السنة لها عدة مرادفات، السنة قابل القرآن، السنة قابل البدعة، السنة قابل الفرض. هنا السنة أراد بها الناظم رحمه الله تعالى كل ما أثير عن رسول الله من قول أو فعل أو تقرير. فقول رحمه الله تعالى: تخصيصه بسنة قد وقعا، أي أن مما يخص به العام من كتاب الله جل وعلا ما جاء في السنة المطهرة. وهنا بسنة أطلق، فكل ما يكون من عداد السنة فإنه يمكن أن يخص به القرآن، قد يكون من السنة القولية، قد يكون من السنة الفعلية. وأيضا إخواني في الله بشرط ماذا؟ أن يكون هذه السنة صحيحة، إما صحيحة وإما حسنة مما يحتج بها. أما الضعيف فإن الاعتبار له ولا معول عليه، لا يعول على تخصيص القرآن بالسنة الضعيفة. قال: تخصيصه بسنة قد وقعا، أي وقع بكثرة، أي الألف للإطلاق، أي وقع ذلك كثيرا. تجد ألفاظا عامة في كتاب الله فجاء من السنة ما يخصص، أي يحصر العام ويخرج بعض أفراده، هذا قد وقع بكثرة. قال: فلا تمل لقول من قد منع، لا تمل أي من الميل، فلا هي أصلا لا تميل، لكن هنا جزم، هنا جزم فالتقى ساكنان فحذفت الياء، فلا تمل. هذا بمعنى لا تميل، لا تذهب هو تميل إلى قول من قال: فلا تمل لقول من قد منعا. هناك أناس منعوا، ما الذي منعوا؟ لعل ظاهر البيت يظهر أن الذي منعوا هم فقهاء منعوا أن يخص القرآن بالسنة، لا لكن هذا ليس المراد. الذين منعوا إنما منعوا شيء من السنة، وهو ما يسميه العلماء بالآحاد. ما يسميه العلماء بالآحاد. فذهب الطائفة، طائفة من الفقهاء وهم على صور، ذهبوا إلى أن السنة إذا كانت من جنس الآحاد فإنها لا تقوى على تخصيص القرآن. لا تقوى على تخصيص القرآن. والسنة وأن تلك طالبة علم يعرف من بدهيات المصطلح أن الأحاديث من حيث الإسناد منها الآحاد ومنها المتواتر. الآحاد والمتواتر، المتواتر الذي استفاض وجاء عن طريق عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب، طبق عن طبق، هذا المتبعات لا إشكال، إذا كان وجد حكم عام في القرآن، ثم جاءت السنة المتواترة، بالإجماع أنها تخصص هذا الحكم القرآني. لكن الإشكال الذي وقع وهو من يرى أن الأحاد لا يخص به القرآن، لا يخص به القرآن. وهو الإخوان في الله على رتب، وهو الإخوان كذلك على أفكار. فمنهم من يرى هذا مطلقا، آية عامة ثم جاءت تخصيص، يقول: من أين التخصيص؟ قيل له: جاءت تخصيص من السنة، ضيقت من نطاق العام إلى أضيق. فيقول: من أين التخصيص؟ قلنا: من السنة. يسألون سؤالا ثانيا: السنة متواترة أم آحاد؟ يسألون هذا السؤال يتحرون موضوع السنة من أين جاءت؟ فإن قلت لهم: من سنة آحاد، قلنا: الأحاد تبقى الأحاد لا تقوى على أنها تتصلت على الآية القرآنية، لقاعدة يرونها، وهو أن القرآن قطعي الدلالة، وأما قطعي الدلالة والثبوت. وأما الآحاد فيرون أنه ماذا؟ ظني، أنه ظني. والظني لا يقوى على ماذا؟ أن يتصلت على القطعي. وهذا قول طائفة من المتكلمة، ومن بعض الفقهاء، هذا قول. ومنهم كذلك لهم مسلك آخر في التعامل مع الآحاد مع اللفظ القرآن العام. وهو يرون أنه إذا جاء عندي لفظ عام في القرآن، ثم جاء التخصيص من سنة متواترة، ثم قصت هذه السنة المتواترة بسنة آحاد، يعمل، انظر لهذا التدرج على هذا التدرج. لفظ عام، تخصيصه في سنة متواترة، ثم قصصت هذه السنة المتواترة بسنة آحاد. قالوا: نعمل بهذا على هذا الطبقات، يكون العمل بالسنة الآحاد، يعمل بها في باب التخصيص على هذه المراحل، أن يكون قبلها سنة متواترة. أما نتقفز مباشرة، يقول: لا. وهذا الذي عند كثير من الحنفية. وقول ثالث كذلك ممن ذهب إلى التوقف، يرى القاعدة عنده في التعامل في خبر الآحاد وعلاقته بالتخصيص في اللفظ العام القرآني، يرى أنه إذا جاء لفظ قرآني عام، وجاء التخصيص في حديث آحاد، فما كيف يجمع؟ يقول: هذا التخصيص على ماذا سيكون؟ على بعض الأفراد، على بعض الأفراد. قال: هذا التخصيص الذي جاء على بعض الأفراد، نبقيهم على حدة، ونعمل بالباقي على العمومة. نبقي بالباقي على عمومة. وأما هذا الذي جاء التخصيص من خبر الآحاد، نرجئه، نؤخره إلى متى؟ قال: حتى يأتي ديل آخر، يأتي ديل آخر يدل على ذلك. يعني مثلا يستدلون بقول تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ يوصيكم الله في أولادكم، هذا عام. فوصيه للولد، أي يجعل حق لمراثه، هذا الأصل. فكل يدخل فيك في كل ولد، كل ولد يدخل في هذا الحكم. طيب جاء التخصيص في بعض الأحكام، هذا الحكم العام جاء التخصيص في أن القاتل لا يرث شيئا، كما جاء عند أبي داود بإسناد صحيح، حسن الشيخ الألباني «القاتل لا يرث شيئا». طيب الولد يجعل له نصيب من الميراث، فحكم عام، لكن إذا كان الولد قاتلا استعجل فقتل أباه. فقال نبينا لا يرث القاتل شيئا. طيب هذا تخصيص، إذا نقول: «يوصيكم الله في أولادكم إلا من قتل». هذا يخرج هذا الأصل الذي سيعمل الجمهور لسوء حكمه. العمل بخبر الأحاد، أنه يخرج القاتل، ابن القاتل ما يرث لأنه جاء التخصيص. لكن الذي نذكره الآن قول مذهب الثالث، يقول: لا، ما أتعجل بالتخريج وإخراج القاتل الأبن، لا بل نبقيه، نبقيه على حدة. لماذا نبقيه؟ قال: لأن حكمه جاء عن طريق أحاد، فنبقيه على حدة، وننتظر ديل آخر، أدلة أخرى ستضافر لهذا الحكم. فقال: نبقيه، نعمل بعموم الآية، لكن هذا الذي تسلط عليه الحديث الأحاد، نبقيه حتى يأتي مرجح آخر، ودليل آخر من جانب جهة أخرى تأتي وتؤيد هذا المعنى، فنعمل بها. أما الآن لا. هذا قول كذلك نسب إلى بعض المتكلمين. قال رحمه الله تعالى: إذن المذهب الأول والثاني والثالث، ها كلهم لهم نظرة في التعامل مع خبر الآحاد. إما بأصله ورمته لا يعتد له، نظرة في التخصيص لآية قرآنية جاءت بلفظ عام. ومنهم يجعل لها واسطة، وهو أن تكون فيها مرحلة السنة المتواترة. ومنهم من ماذا؟ من توقف فيه حتى يأتي بماذا؟ دليل آخر. قال رحمه الله تعالى: تخصيصه بسنة قد وقع، فلا تمل لقول من قد منعه، أي هذه الأقوال ومن كان على شاكلتها، لا تمل إلى أقوالهم، ولا تعتبرها لأن هذا فيها منع المنع لإعتبار السنة أن تكون مخصصة. قال: أحدها وغيرها سواء، فبالعرايا خصة الرباء. أحدها وغيرها سواء، وهذا هو الصحيح، وهذا هو الحق. أن خبر الأحد وخبر المتواتر كيلاهما سيان، حكمهما واحد. متى ما جاء حديث أحد أو متواتر، والكل من جنس السنة، فجاء فيها حكم تخصيص للحكم العام، فالعمل عليها. فالعمل عليها، ولا نقول كما يقول هؤلاء: أن هذا ظن الدلالة، أو ظن الثبوت، أو أنه يضعف، أو أنه لا بد لحكم أجد للآخر، لا. فنقول: هيا هذه أحدث ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأنا كأول طبعا هذا يحتاج مبحث طويل حول ما استدل به العلماء من الاحتجاج بخبر الآحاد في مثل هذا المواطن. وأعظم ما يستدل به: إجمع الصحابة. إجمع الصحابة، فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يعملون بهذه المخصصات الواردة عن السنة النبوية، مما من جنس الآحاد. فكان العمل عليها، وهذا الذي أعظم ما يستدل به جمهور العلماء على العمل بالسنة مطلقا، ما كان من جنب فعل سلفنا الصالح. قال: أحدها وغيرها سواء، فبالعرايا خصة الرباء. فبالعرايا هذا مثال ضربه المؤلف رحمه الله تعالى في تخصيص حكم عام في القرآن، ثم جاء تخصيصه من السنة، من السنة. قال: فبالعرايا خصة الرباء. الرباء، وقالوا: الرباء بالهمز، والرباء من غير همز، اللغتان بمعنى واحد، الرباء والربا. فما الذي يعنيه بالربا؟ قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وحرم الربا، بعموم الربا محرم، كل ما كان معاملة ربوية فإن محرمة للعموم. وحرم الربا، ليس عند استثناء. لكن جاءت تخصيص، هناك مسألة تجعل ووجعت من جنس الربا، وجاءت من السنة تخصص، وهي ماذا؟ مسألة العراية. مسألة العراية، العراية جمعها عرية. قال: مطايا، مطية، مطايا، مطية. والعرية مأخوذة من التعري، وهو التجرد. وقيل: أنها سميت هذه المسألة بالعراية أو العرية لأنها قد جردت من التحريم، جردت من التحريم لأنها جاءت أدلة بجوازها. وصورة المسألة وهي مسألة لها التفاصيل معروفة تذكر في باب البيوع، وهي مسألة أن يكون تبادل، تأتي إلى رطب موجود في الشجر، ثم تبادله بتمر، تبادله بتمر في الأرض. هذا الربا، والقاعدة المعروفة في باب الربا، قالوا: العلم بالتفاضل كالجهل بالتماثل، العلم بالتفاضل كالجهل بالتماثل. هذا بذاك، فكونك تجهل مقدار هذا بهذا، هو نفسك أنك تعلم بالتفاضل. العلم بالتفاضل كالجهل بالتماثل، فهذه قاعدة وهي عامة في باب الربا. وهذا هو الربا، أنك تأتي ومنه كذلك المزابنة، ومنه المحاقلة، أن تأتي إلى محصول لازال في رؤوس شجره، ثم تأتي بشيجاف فتريد أن تبدل هذا بذاك، هذا لا يستوي، لمن التفاضل سيكون موجود، اليابس ليس كالرطب. وهذه من أصناف الرباوية، التمر من أصناف الرباوية. هذا الربا، ومع ذلك جاءت مسألة العراية في مثل هذه المسألة بالجواز، بالجواز. لهذا جاءت في ألفاظ الحديث «ورخص بالعراية» رخص، كأنه أخرج من هذا الحكم، أخرج من هذا الحكم. فبتأتي مسألة العراية، وهو يجوز أنك تفعل هذا بهذا الأصل لا يجوز. لا يجوز التبادل شيء في الأرض بشيء في محصوله، لماذا؟ للتجاهل، للجاهل بالتساوي والتماثل الذي بينهما. لكن تأتي مسألة العراية بقيود، بشروط، يكون لها كيل معلوم، بخمسة أوسق. يأتي كذلك خراس يخرص، يقدر الذي في الأرض، يقدر الذي في رؤوس النخل بما يساويه تقديرا بما في الأرض. فهنا أمور، ومنه من جعل الأمر هذا لحاجة، وللفقراء الذين لا يملكون القدرة على شراء الرطب، فتح لهم هذا الباب. فجاءت هناك شروط وقيود أخرجت هذه المسألة من حد الربا، المسألة الربوية إلى مسألة جائزة شرعا. فهذا ماذا يقول عنه؟ يقال عنه تخصيص. فعندي «وحرم الربا» الربا بكل صوره محرم، ثم جاء التخصيص من السنة، من السنة على أن هذا الحكم، حكم العراية مخصص، وأنه يمكن التعامل به مع أنه يشمله حكم الربا لقواعده. لكن جاء الشرع بترخيص لهذه المسألة، لحاجة الناس، والتخفيف على الأمة. فهذا قول رحمه الله تعالى: أحدها وغيرها سواء، فبالعرايا خصة الرباء. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وصلى الله عليه وسلم.