إرادة الخير للمسلمين

الخطبة بعنوان إرادة الخير للمسلمين، بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٠ جماد الآخر ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح حديث: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه

تناولت الخطبة شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم مبينة أن النفي فيه نفي كمال الإيمان لا أصله، وأن المراد بالأخ هو أخ الإسلام شاملة المحبة للخير الديني والدنيوي. كما ربطت الخطبة بين هذا الحديث وحق النصيحة في الله مستشهدة بوصية النبي لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه.

إرادة الخير للمسلمين ونشر العلم والنصيحة

أكد المقطع على أهمية إرادة الخير للمسلمين بنشر العلم والنصيحة الصادقة كما فعل السلف الصالح، مستعرضاً قصة الشاب مع النبي صلى الله عليه وسلم في كراهية الزنا لأقاربه. دعا المسلمين للتحلي بهذا الخلق العظيم سبباً للنجاة من النار ودخول الجنة.

إرادة الخير والإيثار في سيرة السلف والصحابة

استعرض الخطيب نماذج من سيرة السلف والصحابة في إرادة الخير والإيثار كقصة محمد بن واسع وإيثار الأنصار وتقاسم الأشعريين الطعام. استدل بحديث المحبة داعياً إلى تحقيق معاني الأخوة والتعاون والتراحم بين المسلمين.

دعاء للألفة بين القلوب ورفع الغلاء والوباء والمحن

احتوى المقطع على دعاء يطلب فيه المتكلم من الله أن يؤلف بين قلوب المسلمين ويرفع عنهم الغلاء والوباء والمحن والفتن الظاهرة والباطنة. ختم بالاستغفار والرحمة والتوبة والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

  • 26 جمادى الأولى 1438هـ - 22/02/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، قال أبو محمد ابن أبي زيدٍ إمام المالكي في المغرب في عصره: "جميعُ آداب الخير تتفرَّع من أربعة أحاديث": قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، وقوله صلى الله عليه وسلم لمن طلب منه الاختصار في الوصية: «لا تغضب»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». وقد تقدم في خطبتين ماضيتين الكلام على حديثين من هذه الأربعة الأحاديث، وها نحن في هذه الخطبة نتناول حديثًا ثالثًا من هذه الأحاديث الأربعة التي تتفرع منها جميع آداب الخير. هذا الحديث هو ما أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». قال أبو داود رحمه الله: "هذا الحديث من الأحاديث التي يدور عليها الإسلام"، فهو حديثٌ عظيم، اعتنى العلماء بشرحه وبيان معانيه. فيقول النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «لا يؤمن أحدكم»، أي: لا يؤمن إيمانًا كاملًا، فالنفي في هذا الحديث نفي كمال وتمام، وليس نفي أصل الإيمان. «لا يؤمن أحدكم» أي: إيمانًا كاملًا، ويدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، وصححه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يبلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير»، فدل ذلك على أن النفي في هذا الحديث هو نفي كمال. وكما هو من معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، فمن أسباب زيادة الإيمان محبة الخير للناس كمحبتك لهذا الخير. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «حتى يحب لأخيه»، والمراد بالأخ في هذا الحديث هو أخ الإسلام، فالأخوة الأخوة الإسلامية، ومن بابٍ أولى تتدخل فيها أخوة النسب إذا كان هذا الأخ من أهل الإسلام. «حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، أي: الذي يحبه لنفسه، وكما سمعت في رواية الإمام أحمد زاد عليه الصلاة والسلام: «من الخير»، أي: أن يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير. والخير كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات من الأمور الدينية والدنيوية. لا يتبادر إلى ذهنك أن الخير مقصور على الخير الدنيوي فحسب، بل إن الخير الديني هو أعظم وأولى أن يقدم للمسلمين من قبلك. ولذلك فإن النبي عليه الصلاة والسلام جعل من حقوق الأخوة التناصح في الله، فهو من محبة الخير للمسلمين، فقال: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، رواه مسلم من حديث أبي رقية رضي الله تعالى عنه. ولذلك علم النبي عليه الصلاة والسلام... لا تظن أخي المسلم إنما هي إرادة الناصح للمنصوح الخير... لا تظن أخي المسلم أن الذي يدلك على عيوبك كاره لك أو مبغض لك، إنما هو يحبك، وهذا من مقتضى الأخوة. اسمع إلى هذا الحديث العظيم الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «يا أبا ذر، إنك رجل ضعيف، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، وإني أحب لك ما أحب لنفسي». هذا كالتمهيد والتوطئة، هذا كالتمهيد والتوطئة لما يريد النبي عليه الصلاة والسلام به النصيحة لهذا الصحابي الجليل، فقال له: «يا أبا ذر، إنك رجل ضعيف، وإني أحب لك من الخير ما أحب لنفسي، فلا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم». نصيحة دينية من رسول الله عليه الصلاة والسلام لهذا الصحابي الجليل. فمن نصحك فقد أحبك، ومن كتم عيبك فقد غشك. فمن أعظم إرادة الخير للمسلمين بث النصيحة فيما بينهم، وبث العلم في مجالسهم، وهكذا كان سلفنا الصالح عليهم رضوان الله. هذا ابن عباس رضي الله تعالى عنه يقول: "إني لا أمر على الآية من كتاب الله فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم". يمر على آية من كتاب الله فيستخرج تفسيرها وفقهها وعلمها، فمن حبه الخير للمسلمين يود أن هذا العلم الذي علمه يعلمه جميع المسلمين، "فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم". وهذا الإمام الشافعي عليه رحمة الله يقول: "وددت لو أن الناس تعلمت هذا العلم ولم ينسب إلي منه شيء". ود أن الناس كلهم يعلمون هذا العلم، هذا الخير، هذا الدين، هذا القرآن، هذه السنة المحمدية، ومع هذا من إخلاصه وصدقه ود أن لا ينسب إليه شيء من هذا العلم حتى لا يقع في شيء من الكبر أو الرياء، والعياذ بالله. هكذا كان سلفنا الصالح عليهم رضوان الله، عليهم رضوان الله. فيا طلاب العلم، ويا أيها الدعاة إلى الله، شمروا عن ساعد الجد، وانصحوا إخوانكم المسلمين، لا تقصروا هذا الخير على أنفسكم، لا تقصروا هذه الاستقامة على أنفسكم، فإن المسلمين في أمس الحاجة إلى نصيحة، إلى موعظة، إلى تذكير بالله عز وجل، فجدوا واجتهدوا في التناصح فيما بينكم، فهذا من أعظم الخير، الخير الذي تقدمونه لإخوانكم المسلمين. وكذلك عباد الله، الخير الدنيوي: أحب لإخوانك المسلمين، أحب لإخوانك المسلمين ما تحب لنفسك. أنت ما تحب أن يغشك أحد، أو أن يكذب عليك أحد، أو أن يظلمك أحد، فاحذر أن تقع في شيء من ذلك، فإن التحلي بهذا الخلق العظيم ينبغي أن يكون قاعدة جليلة أمام نصب عيني كل إنسان. فمتى أراد أن يوصل شرًا بالمسلمين تذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». يقول الكرماني عليه رحمة الله: "ومن الإيمان كذلك أن يبغض لإخوانه المسلمين ما يبغض لنفسه، أن يبغض لإخوانه المسلمين ما يبغض لنفسه". ولذلك من تحل بهذا الخلق وهو إرادة الخير للمسلمين وكف الشر عنهم فقد أتى بسبب عظيم من أسباب البعد عن النار ودخول الجنة، كما جاء عند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال عليه الصلاة والسلام: «فمن أحب أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه». لا تظلم الناس وما تريد الناس يظلمونك، لا تطفف الكيل والميزان وتريد من الناس ألا يكفوا لك الكيل والميزان، لا تكذب، لا تغش، ثم تريد من الناس ألا يكذبوا عليك ولا يغشوك، ائتِ إلى الناس الذي تحب أن يؤتى إليك. اسمعوا إلى هذا الحديث العظيم الذي أخرجه الإمام أحمد وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن فتىً شابًا أتى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يا رسول الله، ائذن لي في الزنا»، أعوذ بالله، «ائذن لي في الزنا». فقام عليه الصحابة وزجروه وقالوا له: مه، مه. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أدنه، أقرب، تعالى». فدنى منه ذلك الشاب فجلس، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أتحبه لأمك؟» لأمك، قال: لا والله يا رسول الله، جَعَلَنِي اللَّهُ... جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «والناس كذلك، الناس لا يحبونه لأمهاتهم». «أتحبه لأختك؟» «أتحبه لابنتك؟» قال: لا والله يا رسول الله، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لبناتهم». ثم قال له: «أتحبه لأختك؟» قال: لا والله يا رسول الله، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قال: «كذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم». قال: «أتحبه لعمتك؟» قال: لا والله يا رسول الله، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لعماتهم». قال له: «أتحبه لخالتك؟» قال: لا والله يا رسول الله، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قال: «فكذلك الناس لا يحبونه لخالاتهم». ثم وضع النبي عليه الصلاة والسلام يده على صدره ودعا بهذا الدعاء: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه». فلم يكن بعد ذلك الدعاء يفكر في شيء. الشاهد من هذا الحديث: كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر هذا الفتى الذي يريد أن يوصل الشر بالمسلمات، ذكره بهذه القاعدة العظيمة، ألا وهي: هل تحب هذا الشر لأحد من أقاربك؟ لأنه يمس نفسك التي بين جنبيك، فكان الجواب منه ومن كل أحد: لا. فلتكن هذه القاعدة أمام أعيننا أيها المسلمون. نسأل الله بمنه وكرمه أن يفقهنا في الدين وأن يعلمنا التأويل. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، وهكذا كانت سيرة سلفنا الصالح، يحبون الخير للمسلمين، يحبون النصيحة للمسلمين، يحبون إزالة الشر والمحن عن المسلمين. فهذا محمد بن واسع رحمه الله تعالى كان يريد أن يبيع حمارًا، فقال له أحد الناس: "أترضاه لي؟ أترضى لي هذا الحمار؟" فقال له محمد بن واسع: "لو رضيته لك لم أبعه". ومعنى ذلك: أنني لا أرضاه لك كما لا أرضاه لنفسي. وهذا من باب النصيحة، ومن باب البيان في البيع والشراء، لا كحال كثير من الباعة في هذه الأزمان، ربما إذا قيل له: "أترضاه لي؟" مدح في بضاعته وإن كانت فيها ألف عيب، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أيها المسلمون، عباد الله، إن إرادة الخير بالمسلمين تتأكد في وقت الشدائد والمحن والمصائب العظيمة التي تنزل بالمسلمين. فانظروا إلى سيرة الصحابة الكرام عليهم رضوان الله، لما هاجروا من مكة إلى المدينة هاجروا بأنفسهم، تركوا أموالهم، تركوا ديارهم، تركوا كل دنياهم، خرجوا بملابسهم لا يملكون شيئًا، كما وصفهم الله عز وجل في كتابه بقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾. فلما قدموا إلى المدينة آواهم الأنصار، آواهم الأنصار وآثروهم على أنفسهم، وأعطوهم ما أرادوا. هذا هو مغزى الأخوة، هذا هو مغزى الأخوة أيها المسلمون، عباد الله. إرادة الخير بالمسلمين وإيثارهم وعدم الإضرار بهم، قال الله عز وجل في وصف إيثار وكرم الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. يؤثرون على أنفسهم ولو كانوا محتاجين إلى هذا المال أو إلى ذاك البيت أو إلى ذاك الجمل أو نحو ذلك، يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. بل بلغ كرمهم وحبهم لإخوانهم المهاجرين أن أرادوا قسمة أموالهم أنصافًا بينهم وبين إخوانهم، كما جاء في البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وكان سعد بن الربيع من أهل الأموال، فلما آخى بينه النبي عليه الصلاة والسلام وبين عبد الرحمن بن عوف قال لعبد الرحمن بن عوف: "إني لأكثر الأنصار مالًا، فخذ نصف مالي، وإن لي زوجتين... وإن لي زوجتين، انظر... انظر أيهما أعجب إليك أطلقها، فإذا حلت لك تزوجتها، فإذا حلت لك تزوجتها". انظروا عباد الله إلى معنى الإيثار والمحبة وإرادة الخير بالمسلمين، لا كحال كثير من المسلمين في هذه الأزمان، هداهم الله وإيانا، تغلوا الأسعار وتشتد الأمور وهم كذلك يضيقون على المسلمين، يضيقون على المسلمين، وقد فتح الله عليهم بالأموال الكثيرة. أين التعاون؟ أين المحبة؟ أين الرحمة؟ أين الإخاء؟ أين إرادة الخير بالمسلمين؟ انظروا إلى هذا الحديث العظيم الذي يعطينا درسًا عظيمًا في معنى التعاون ومحبة الخير للضعفاء، للفقراء، للمساكين، للمحتاجين. فقد أخرج الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أنه قال: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو»، ومعنى أرملوا: لم يبق معهم شيء من الطعام، أو معهم شيء قليل، أي بمعنى أنهم لا يملكون إلا الرمل، وهذا بمعنى قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، يعني: لاصقًا بالتراب لا يملك شيئًا من أمور هذه الدنيا. «فقال أبو موسى الأشعري: إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم في المدينة»، أي: في الحضر، «قال رضي الله تعالى عنه: جمعوا ما كان عندهم من طعام في ثوب واحد، كل واحد يأتي ما معه من طعام فيجعلوه في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء بالسوية». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأنا منهم وهم مني». ما باعوه لإخوانهم الذين لا يملكون شيئًا، وما رفعوا عليهم الأسعار، وما تقاضوا على هذا الطعام مالًا ولا دينًا أبدًا، إنما اقتسموه بالسوية، الذي معه قليل أو كثير أو ما معه شيء، يجمع في هذا الثوب ثم يقسم بينهم بالسوية. هذا هو الإسلام، لا تحسبوا أن الإسلام هو قول باللسان، أو هو تظاهر بشعائره الظاهرة، إن الإسلام معاملة، إن الإسلام إخاء، إن الإسلام محبة، إن الإسلام تعاون. فحققوا هذه المعاني أيها المسلمون. تفقدوا إخوانكم، تفقدوا جيرانكم، فقد جاءت رواية في الصحيحين أيضًا من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه». جاء بهذه الزيادة بالقسم في أوله، وبذكر الجار، وهي رواية ثابتة في الصحيحين، في صحيح البخاري ومسلم. فتفقدوا جيرانكم، وتفقدوا إخوانكم، وتراحموا فيما بينكم يرحمكم ربكم سبحانه وتعالى، فالراحمون يرحمهم الله. وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى. اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والمحن والفتن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.