الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 425، ألقاها
النبي صلى الله عليه وسلم كان يحذر من ظن السوء ويوضح أهمية قطع أسباب الشر. الشيطان يحاول إيقاع الإنسان في الذنب والسوء.
دفع التهمة عن النفس مطلوب، ويجب قطع أسباب الشر وسد أبواب الظنون. كثرة الظن واتهام الناس بغير بينة أمر خطير.
يجب عدم اتهام الناس بالفسق دون بينة، كما أن الصلاة على النبي تعبر عن التقدير والاحترام له. يجب معرفة الفساق من خلال مخالطتهم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، في باب الظن، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت عن أنس، قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم مع امرأة من نسائه، إذ مر به رجل، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا فلان، إن هذه زوجتي فلانة. قال: من كنت أظن به، فلم أكن أظن بك. قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. وهذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مع امرأة من نسائه، أي واقفا معها أو يتكلم معها، فمر رجل، فدعاه النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا فلان، إن هذه زوجتي فلانة. لماذا قاله ذلك النبي عليه الصلاة والسلام؟ حتى لا يوقع الشيطان في قلبه شيء، ويقع في قلبه ظن السوء بالنبي عليه الصلاة والسلام. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم قطع ذلك، وأيضا دفع التهمة، حتى لا يتهمه أو يظن به ظنا سيئا، فأخبره أن هذه فلانة زوجته. ومثل هذا الحديث ما جاء بالصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام لما ذهب مع صفية حين جاءت تزوره ومعتكف، فذهب عليه الصلاة والسلام ليردها إلى بيتها، مر رجلان، فأسرع لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام مع صفية، أسرع في المشي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على رسلكما، إنها صفية بنت حيي - يعني زوجتي صفية - يعني تمهل ولا تسرع. فقال: يا رسول الله، سبحان الله - يعني هل نحن نظن بك؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا أو قال شرا. وهنا قال: يا فلان، إن هذه زوجتي فلانة. قال: من كنت أظن به، فلم أكن أظن بك - يعني لو كنت ظانا بأحد، لو كنت ظانا بأحد شيئا أو سوءا، لأظن به، لكن أنت لا، ما أظن بك، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم - يعني أن الشيطان ملاصق بالإنسان، وهو حريص على إغوائه، وعلى إيقاعه في الذنب، وفي السوء، وفي الشر، فربما أوقع في قلبك شيء، وجعلك تظن ظن السوء. فهذا الفعل من النبي عليه الصلاة والسلام في أن الإنسان يحرص على قطع أسباب الشر، قطع أسباب الشر، وسد أبواب الظنون والتهم. فإذا كان هذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله وخير خلق الله، فمن دونه من باب أولى أن يدفع التهم عن نفسه. لو مر أناس مثلا يعرفهم، أو شخص يعرفه، وهو قائم مع امرأته، وخشي أن يقع في قلبه شيء، أو يظن به ظن السوء، فيبين له أن هذه امرأته، حتى يقطع دابر الشيطان، ولا يجعل للشيطان عليه سبيل. ولو كان أيضا في غير هذا الأمر، لو كان في غير هذا الأمر من الأمور التي قد يظن به ظن السوء، أو يتهم بشيء، فيبرئ نفسه، ويدفع التهمة عن نفسه. فهذا أمر مطلوب، أن الإنسان يدفع التهمة عن نفسه. ويدل عليه هذا الحديث، وأيضا الحديث المذكور سابقا، في قوله عليه الصلاة والسلام: على رسلكما، إنها صفية بنت حيي. قال: وحدثنا يوسف بن يعقوب، قال: حدثنا يحيى بن سعيد أخو عبيد القرشي، قال: حدثنا الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله - أي بن مسعود - قال: ما يزال المسروق منه يتظن حتى يصير أعظم من السارق. هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: ما يزال المسروق منه يتظن - معنى يتظن، أي يكثر الظن، يكثر الظن - يعني يتظن، فيقول: لعل فلان سرقني، أو لعل فلان سرقني، وهكذا يتهم هذا، ويظن في ذاك. قال: حتى يصير أعظم من السارق - يعني إثما، يصير أعظم من السارق إثما، بسبب كثرة ظنونه، واتهامه للناس، يظن في هذا، ويظن في ذاك، ويتكلم في هذا، ويتكلم في ذاك. وخاصة إذا حصل الكلام، إذا حصل الكلام: أن فلان هو الذي سرق، أو فلان الذي سرق. والظن كما مر معنا في الدرس السابق، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث. الظن أكذب الحديث، فهو سيقع في كذبات عديدة، يتهم هذا، ويتهم هذا، ويتهم ذاك، فيقع في الإثم. فأراد بذلك رضي الله تعالى عنه أن الإنسان لا يتهم غيره بغير بينة، لا يتهم غيره بغير بينة، ولا حجة، فيظن في إخوانه، ويوقع نفسه في الإثم. لا يزال المسروق منه يتظن حتى يصير أعظم من السارق. إذا كان هنا قرائن تدل على أن فلان من الناس هو الذي سرق، فيجوز الظن إذا وجدت قرائن. أما من غير قرائن، مجرد اتهامات وظنون، هذا لا يجوز، وأنت بذلك توقع نفسك في الإثم. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة عن بلال بن سعد الأشعري: أن معاوية كتب إلى أبي الدرداء: أكتب إلي فساق دمشق. قال: ما لي فساق دمشق، ومن أين أعرفهم؟ فقال ابنه بلال: أنا أكتبهم. فكتبهم. قال: من أين علمت؟ ما عرفت أنهم فساق إلا وأنت منهم، ابدأ بنفسك. ولم يرسل بأسمائهم. هذا الأثر في أن معاوية - من أبي سفيان - رضي الله تعالى عنه، ما كتب إلى أبي الدرداء: أكتب إلي فساق دمشق - يعني أرسل لي بورقة أو رسالة أو كتاب فيه أسماء فساق دمشق - يعني من يعرف عنه الفسق، وفعل المعاصي، والمحرمات، أكتبهم، وابعث بهم إلي. فقال أبو الدرداء: ما لي وفساق دمشق؟ يعني ما لي ولهم، هم لهم سبيل، وأنا لي سبيل. ومن أين أعرفهم؟ من أين لي أن أعرف فساق دمشق؟ فهم لهم مواضع يجلسون فيها، وأماكن يفعلون فيها منكراتهم. وأنا من أهل الصلاح والاستقامة، وأهل الطاعة، فكيف أعرفهم؟ وهل يعني يكتب بذلك على سبيل الظن؟ الجواب: لا، لا يجوز أن يظن يعني بالمسلمين، وهو لا يتحقق من ذلك، وغير متأكد من ذلك. فقال ابنه بلال: أنا أكتبهم - يعني أنا أكتب لك فساق دمشق. قال: أنا أكتبهم. فكتبهم - يعني كتب أسماءهم. فقال له أبو الدرداء: من أين علمت؟ من أين علمت أن هؤلاء فساق دمشق؟ قال: ما عرفت أنهم فساق إلا وأنت منهم - يعني أنك تجلس مجالسهم، وتصاحبهم، فلذلك عرفتهم. وإلا لو كنت تجالس أهل الصلاح، وأهل الخير، وأهل الاستقامة، ما عرفت فساق البلد الذي أنت فيه. ما يعرفهم إلا من كان يصاحبهم، ويجالسهم، ويماشيهم. لهذا قال: ما عرفت أنهم فساق إلا وأنت منهم، ابدأ بنفسك. أنت أولا ابدأ بنفسك، فسجل نفسك أولا، لأنك ما عرفت إلا وأنت منهم. قال: ولم يرسل بأسمائهم. وقد يكون قال ذلك من باب سد باب الظن، ربما كتبهم على سبيل الظن، والتوهم، فلأجل ذلك أراد سد هذا الباب. فقال: ما قال، أو أنه أراد كذلك أيضا التحذير من مجالستهم، أو صحبتهم، أو الدنو منهم. وعلى كل، هذا الأثر فيه ضعف. فعبد الله بن عثمان مجهول. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.