التعليقات على كتاب الأدب المفرد 11

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الوصية بالثلث وتفسير الآيات

شرح حديث سعد بن أبي وقاص والآيات التي نزلت فيه، وتناول موضوع الوصية بالثلث وما دون. أوضح أن الوصية المشروعة تكون في الثلث فما دون ولغير وارث.

تحريم الخمر وتدرج الأحكام

يروي سعد بن أبي وقاص قصة نزول تحريم الخمر وتدرج الأحكام الشرعية، حيث نزل تحريم الخمر على مراحل. كما يذكر أن الأحكام الشرعية الأخرى نزلت أيضا بالتدرج.

صلة الوالدين الكافرين وحرص الصحابة

يتناول المقطع جواز صلة الوالدين الكافرين مستندا إلى حديث أسماء بنت أبي بكر وفتوى النبي، ويبرز حرص الصحابة على سؤال النبي عن الأحكام الشرعية.

اختبار ردة فعل أخي عمر قبل إسلامه

أرسل عمر جارية لاختبار ردة فعل أخيه قبل إسلامه، والحديث صحيح ومذكور في الصحيحين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا في كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري رحمه الله عند الكلام على حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، في قول سعد: نزلت فيه أربع آيات. وذكر منها حين حلفت أمه أن لا تأكل ولا تشرب حتى يفارق النبي عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله: ﴿وإن جهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾. والثانية حين أخذ سيفا أعجبه، فطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يهبه إياه، فأمره أن يعيده، فنزلت: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾. والثالثة حين كان في مرضه، حين مرض عاده النبي عليه الصلاة والسلام، وسأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يقسم ماله وأن يوصي بالنصف، فقال: لا، ثم قال: الثلث، فسكت. وكان الثلث بعده جائزا. مر معنا ذكر النفل، قلنا: ما هو النفل؟ الفيء: هو ما يتحصل عليه المسلمون من أموال الكفار بغير قتال. والنفل: ما ينفله الحاكم، فيعطي بعض المقاتلين شيئا زائدا عن الغنيمة. هذا يسمى النفل، فكان النبي عليه الصلاة والسلام ينفل بعض الجيوش أو من يبعث من السرايا شيئا خاصا بهم دون سائر المقاتلين. خلف العلم: هل التنفيل يكون من الغنيمة أو من الفيء؟ على خلاف بينهم، منهم من قال: تكون من الغنيمة، ومنهم من قال: تكون من الفيء. ورجحه شيخ الإسلام رحمه الله على أنها من الفيء، أن الغنيمة تقسم خمسة أخماس: خمس لله ورسوله ﴿اعلموا أن ما غنمتم من شيء فلله خمسه وللرسول﴾ إلى آخر الآية، وأربعة أخماس ترد إلى المقاتلين. فكان هذا التنفيل من هذا الخمس. والآية الثالثة: مراده رضي الله تعالى عنه هو إجازة الوصية بالثلث، فأجاز النبي عليه الصلاة والسلام أن يوصي بثلث ماله. هذا يدل على جواز الوصية بالثلث فما دون. أما الوصية بأكثر من الثلث فلا تجوز، فلهذا الوصية المشروعة هي أن تكون في الثلث فما دون، وأن تكون لغير وارث، وأن لا تكون فيها مخالفة شرعية. فإن كان فيها مخالفة شرعية فإنها لا تنفذ، كان يوصي إلى القبور أو يوصي بوصية فيها شيئا من الجور والظلم، فإنها لا تنفذ. ويصلح هذه الوصية بما هو أنفع لهذا الموصى له، كما قال جل وعلا: ﴿فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم﴾، فمن قام مقام موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إذا أصلح هذه الوصية، فليس عليه إثم. فالوصية الجائزة هي الثلث، وأما أكثر من الثلث فلا تجوز. وإذا أوصى بأكثر من الثلث، هل تنفذ؟ إذا رضي بذلك الورثة، في خلاف بين العلماء. والصحيح أنه تنفذ إذا رضي الورثة بذلك، إذا رضي الورثة أن تنفذ هذه الوصية التي هي أكثر من الثلث فيجوز؛ لأن هذا حق لهم تنازل عنه، فيجوز تنفيذها والله أعلم. قال: والرابعة: قال: إني شرفت الخمر مع قوم من الأنصار، فضرب رجل منهم أنفي بلحي جمل. وفي رواية أخرى في مسلم: بأحد لحيي رأس جمل، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل تحريم الخمر. هذه الآية الرابعة أنه شرب الخمر مع قوم من الأنصار، والخمر كانت مباحة، فنزل تحريمها متدرجا. في أول الأمر ذكر الله جل وعلا فيها المنافع والمضار، وأخبر أن مضارها أكثر من منافعها: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، هذه أول آية نزلت في ذكر الخمر، ذكر المنافع والمضار. ثم بعد ذلك نزلت الآية التي فيها النهي عن قربان الصلاة في أثناء السكر: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾. ثم نزلت الآية الثالثة التي فيها التحريم، وهي هذه الآية: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾، أمر الله جل وعلا باجتنابه، فحرمه تحريما نهائيا، لا يجوز قربانه مطلقا. فذكر رضي الله تعالى عنه أن كان السبب في ذلك ما حصل منه حين شربها مع هؤلاء الأنصار، وما حصل كذلك بينهم من ضرب وقتال؛ لأن هذا هو حال من يشرب الخمر، يذهب عقله، فيرتكب الشرور. فأنزل الله جل وعلا تحريم الخمر. وهذه من حكمة الله جل وعلا أن الخمر نزل تحريمها مفرقا، ولم ينزل دفعة واحدة؛ لأن هذا مما يشق ويصعب على الأنفس لأنهم تعودوها، فأمرهم باجتنابها من البداية به شيء من المشقة، فنزل تحريمها بالتدرج حتى تتهيأ النفوس لقبول هذا التحريم وهذا الحكم. ومثل ذلك أيضا ما أمر الله جل وعلا به من الشرائع والأحكام، كذلك كان مفرقا. أول ما أمر به أو ما يمر به الكافر هو الشهادتان، يؤمر بشهادتين. وكان هذا هو الأمر الأول أن من أراد الإسلام فإنه يأتي بشهادتين، واستمر فترة من الزمن بضعة عشر سنة حين كان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، ثم انتقل إلى المدينة، وكانت أكثر أحكام الشرع إنما نزلت في المدينة، حين تهيأت النفوس لقبول هذه الأحكام، بدأت كذلك هذه الأحكام بالتدرج: الصلاة، ثم الصيام، ثم الزكاة، وهكذا بالتدرج. وهذا من حكمة الشرع. وشاهد من حديث سعد بن أبي وقاص هو قوله: حين حلفت أمه أن لا تأكل ولا تشرب حتى يفارق النبي عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله: ﴿وإن جهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾، أنه لا طاعة لوالدين في معصية الله ورسوله، إنما الطاعة في المعروف. لكن لا بأس أن يبر والديه وإن كانا مشركين، يحسن إليهما ويبرهما. قال رحمه الله: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرتني أسماء بنت أبي بكر، قالت: أتتني أمي راغبة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم: أصلها؟ قال: نعم. قال ابن عيينة: فأنزل الله عز وجل فيها: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾. والأثر صحيح، هذا الحديث صحيح، وهو أصله في صحيح الإمام مسلم، بل في الصحيحين. وفيه أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أتتها أمها راغبة، أي راغبة بشيء من متاع الدنيا، وكانت مشركة، وذلك في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فأرسلت إلى النبي عليه الصلاة والسلام تسأله: إن أمي تأتيني وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: نعم، صلي أمك. فأجاز النبي عليه الصلاة والسلام لها أن تصل أمها مع كونها مشركة. وقوله: قال ابن عيينة: فأنزل الله عز وجل فيها: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾، فهذا ليس بصحيح، يعني لا يصح سبب النزول. وقول سفيان هذا: فنقف عليه، هو من قوله. وجاء في رواية أخرى عند الطيالسي وأبي داود وابن جرير وغيرهم، وفيها: موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، فلا تثبت هذه الزيادة في ذكر سبب النزول. ولهذا لم يذكرها شيخنا مقبل رحمه الله في كتابه: «الصحيح المسند من أسباب النزول». وفي هذا الحديث: جواز صلة الوالدين وإن كانا كافرين، فالنبي عليه الصلاة والسلام أجاز لها أن تصل أمها مع كونها مشركة، تبرها وتنفق عليها أو تعطيها شيئا من أموال أو نحو ذلك، فهذا جائز وإن كانا مشركين. ويدل عليه كذلك معنى الآية أو عموم الآية: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾، فيدخل من ضمن هؤلاء الكفار من باب أولى الوالدان، يدخل فيهم الوالدان. وفيها أيضا: حرص الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على سؤال النبي عليه الصلاة والسلام وعلى التفقه في الدين، والرجوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام لمعرفة الحكم الشرعي في المسائل التي تنزل بهم. فأسماء رضي الله تعالى عنها لما أتتها أمها راغبة، مباشرة أرسلت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسألته عليه الصلاة والسلام: هل تصلها أم لا؟ وهكذا ينبغي للمسلم أنه إذا نزلت به النازلة أو حصل له أمر وأراد أن يعرف حكم هذا الأمر، فإنه يرجع إلى أهل العلم، كما قال جل وعلا: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾، ويكون كذلك متورعا في دينه حتى لا يقع في أمر حرام هو لا يعلم، فيسأل ويكون على بصيرة في دينه. قال رحمه الله: حدثنا موسى، قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن عبد الله بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: رأى عمر رضي الله عنه حلة سيراء تباع، فقال: يا رسول الله، ابتع هذه فالبسها يوم الجمعة وإذا جاءك الوفود. قال: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له». فأتي النبي صلى الله عليه وسلم منها بحلل، فأرسل إلى عمر بحلة، فقال: كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت؟ قال: «إني لم أعطكها لتلبسها، ولكن تبيعها أو تكسوها». فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم. والحديث صحيح، وهو في الصحيحين.