الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 409، ألقاها
شرح حديث خوات بن جبير الذي قسم النوم إلى ثلاثة أوقات، حيث نوم أول النهار خرقاً ونوم وسطه خلقاً ممدوحاً وهو القيلولة ونوم آخره حمقاً. القيلولة نوم نافع يعين على إكمال اليوم.
النوم بعد العصر ليس محرمًا إذا دعت الحاجة، وحديث "من نام بعد العصر فقد اختلس عقله" ضعيف. دعوة الناس للطعام أمر مستحب يؤلف القلوب ويعتبر إحسانًا.
ابن عمر نحر بعيراً ودعا الناس لتناول طعامه، وأجاب عن عدم وجود خبز بحمد الله على النعمة المتاحة، مشيراً إلى عدم التكلف في الطعام.
تم اختتام الدرس بالاكتفاء بما تم شرحه، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب نوم آخر النهار، قال: حدثنا محمد بن مقاتل، قال: أخبرنا عبد الله، قال: حدثنا مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن أبي ليلى، عن خوات بن جبير، قال: نوم أول النهار خرق، وأوسطه خلق، وآخره حمق. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله «باب نوم آخر النهار»، بعد أن ذكر في الباب السابق القيلولة، وهو النوم في وسط النهار، وما ورد فيه، أو ذكر بعض ما ورد في هذا الباب في أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالقيلولة، وحرص الصحابة رضوان الله عليهم على الاهتمام بها، على نومهم في نصف النهار. ذكر في الباب الذي بعده «باب نوم آخر النهار»، وذكر في هذا الأثر عن خوات بن جبير، قال: نوم أول النهار خرق، وأوسطه خلق، وآخره حمق. نوم أول النهار خرق، ومعنى خرق أي جهل وسوء تصرف. أن ينام الإنسان في أول نهاره، وهذا يشمل ما إذا كان النوم بعد الفجر، وهذا نوم أو هذا الوقت، النوم فيه سبب لحرمان البركة، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم بارك لأمتي في بكورها». فالنوم في هذا الوقت فيه تضييع لهذه البركة في الأرزاق، وفي تحصيل العلم. وكذلك أيضا في ذهاب النشاط، ويصبح الإنسان على كسل وخمول. وهكذا أيضا يشمل النوم في وقت الضحى، فهو نوم في أول النهار، وهذا أيضا من الخرق؛ لأنه وقت عمل وسعي في طلب الأرزاق، ليس وقت نوم. فالنوم في مثل هذا الوقت خرق، وأصل الأخرق الذي لا يحسن العمل، كما في حديث بذر، حين قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تعين صانعا أو تصنع لأخرق». الأخرق الذي ما يحسن أن يعمل، فتعينه. فالنوم في أول النهار يعتبر سوء عمل وسوء تصرف، إلا إذا احتاج إليه الإنسان، وطر إليه، كأن يكون قد سهر في الليل لحاجة أو لسبب شرعي، واستيقظ في النهار وهو يشعر بالتعب، واحتاج أن يرتاح، لا بأس. لكن يجعل هذا ديدنه، أنه ينام في أول النهار، فهذا يعتبر خرق. وأوسطه خلق، أي النوم في وسط النهار، وهو نوم القيلولة، كما مر معنا في الباب السابق. نوم القيلولة في وسط النهار، قبل الزوال أو بعده، هذا النوم خلق، يعني خلق ممدوح، ونوم نافع. فالنبي عليه الصلاة والسلام حث على النوم في هذا الوقت، وكان ينام في مثل هذا الوقت. وهكذا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا ينامون في وسط النهار. فالنوم في هذا الوقت خلق، وهو كما مر معنا نوم نافع لصاحبه، يستريح من تعب النهار، فيأخذ قسطا من الراحة، يعينه على النشاط في بقية اليوم. وهكذا أيضا يعينه على قيام الليل. وآخره حمق، آخره يعني آخر النهار، بعد العصر وقبل المغرب. النوم في هذا الوقت حمق، والحمق كما في النهاية: وضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه. فالنوم في هذا الوقت حمق؛ لأنه ليس وقت نوم، وربما كان سببا في تضييعه لصلاة المغرب إذا نام في مثل هذا الوقت. فالنوم في مثل هذا الوقت، كما يذكر أهل العلم وأهل الطب، غير نافع للإنسان. ومع ذلك، إذا احتاج إليه أن ينام في هذا الوقت لسبب، أنه كد في أول النهار، وما وجد وقتا ينام فيه في الظهيرة، فجاء العصر وهو متعب، يرى أنه يحتاج إلى قسط من الراحة، هل له أن ينام؟ الجواب: نعم له أن ينام، وليس هناك نهي عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك. وأما حديث «من نام بعد العصر فقد اختلس عقله»، ضعيف، حديث ضعيف. فإذا احتاج إلى أن ينام في هذا الوقت، لا بأس له أن ينام، لكن كما قلنا أيضا لا يجعل هذا هو الأصل في نومه، يجعل الأصل في النوم في وسط النهار. وأما أول النهار وآخره، عند الحاجة، إذا احتاج إلى ذلك لسبب من الأسباب، فلا بأس. قال: باب المأدبة، قال: حدثنا عمر بن خالد، قال: حدثنا أبو المليح، قال: سمعت ميمونا -يعني ابن مهران- قال: سألت نافعا: هل كان ابن عمر يدعو للمأدبة؟ قال: لكنه كسر له بعير مرة، فنحرناه، ثم قال: احشر علي المدينة. قال نافع: فقلت: يا أبا عبد الرحمن، علي أي شيء؟ ليس عندنا خبز. فقال: اللهم لك الحمد، هذا عراق، وهذا مرق -أو قال: مرق وبضع- فمن شاء أكل، ومن شاء ودع. باب المأدبة، المأدبة هو الطعام الذي يدعى إليه الناس، يدعى إليه الناس، سواء كان لسبب أو لغير سبب. الطعام الذي يجتمع له الناس يسمى مأدبة. فإن كان لعرس سمي وليمة، إن كان هذا الطعام بسبب عرس سمي وليمة. وإن كان لختان سمي إعدارا، وإن كان لبناء -يعني بعد الفراغ من بناء البيت- سمي هذا الطعام وكيرة. وإن كان لقدوم مسافر من سفر سمي نقيعة. فصنع المأدبة لاجتماع الناس، أو دعوة الناس للطعام، هذا أمر من الأمور المستحبة التي تؤلف بين القلوب، وفيها يعني إحسان للآخرين بطعامهم. وكذلك أيضا تجميعهم لأجل هذا الأمر، فهو أمر حسن. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «في كل ذات كبد رطبة أجر». فإطعام الإنسان لغيره من الناس يؤجر على ذلك، حتى الحيوان إذا أطعمه أجر على ذلك، فكيف بالإنسان؟ ذكر بهذا الباب هذا الأثر أن نافعا سأله ابن مهران: هل ابن عمر يدعو للمأدبة -يعني يصنع طعاما ويدعو الناس إليه؟ فقال: لكنه انكسر له بعير. هنا هناك جواب يعني مقدر لم يذكر. فقال: لكنه انكسر له بعير، الجواب لعله نعم، أو أحيانا، الله أعلم بالجواب. لكن لعل هذا هو التقدير في جوابه. قال: لكنه انكسر له بعير مرة، فنحرناه. انكسر له بعير، أي لابن عمر. انكسر له بعير، فأمر بنحره، ثم قال: احشر علي المدينة -المدينة يعني أهلها- احشر علي أهل المدينة. وقد يراد من أهلها أن ربما البعير الوحيد ما يكفيهم، البعير ما يكفي أهل المدينة، لكن أطلق هنا اللفظ العام، وأراد به البعض -يعني هو من العام الذي يريد به الخصوص- يعني بعض أهل المدينة ممن يكفيهم الطعام والأكل من هذا البعير. قال نافع: فقلت: يا أبا عبد الرحمن، على أي شيء؟ ليس عندنا خبز -يعني ندعوهم إلى الأكل من لحم هذا البعير، وما عندنا ما يوكل معه هذا اللحم، كالخبز مثلا-. وخص الخبز؛ لأنه ربما أكثر ما كان يستعمل في أكله مع اللحم والمرق، كما هو عادة بعض القرى والبلاد. وربما في بعض البلاد يكون العادة والأكثر استعمال أرز، فلهذا خص الخبز لكثرة استعماله. يعني كيف ندعوهم إلى أن يأكلوا من اللحم والمرق، وما عندنا الخبز الذي يأكلون به هذا اللحم والمرق؟ فقال ابن عمر رضي الله عنهما: اللهم لك الحمد، هذا عراق، وهذا مرق -يعني الحمد لله فضل الله واسع، وهذا خير، هذا اللحم والمرق خير من الله، ونعمة تكفي، الحمد لله-. اللهم لك الحمد، هذا -هذا عراق، وهذا مرق- العراق من العرق، وهو العظم الذي أخذ منه معظم اللحم. والمرق معروف، عصارة اللحم. أو قال: مرق وبضع -وبضع يعني قطعة لحم-. فهذا مرق، وهذا قطع لحم، وهذا عظام. الحمد لله هذا طعام. فقال: من شاء أكل، ومن شاء ودع -من شاء أن يأكل أكل، ومن لم يريد أن يأكل فليس الأمر بلازم، إن شاء ودع يعني ترك-. إن شاء ترك. ما ودعك ربك وما قلى، ما تركك. إذا شاء أن يأكل أكل، وإذا شاء يترك ترك، فالأمر بالخيار، ليس بلازم أنه لابد أن يأكل. إذا كان لا يأكل إلا بخبز، فلا يأكل، الأمر واسع. من شاء أن يأكل أكل، ومن شاء أن لا يأكل، فالأمر إليه. فنحن عندنا هذا الطعام الذي يسره الله، والحمد لله، لا نتكلف. وهذا فيه عدم تكلف في الطعام. والصحابة رضوان الله عليهم كانت يعني أمورهم على ميسرة، ليس هناك تكليف، كما يقال على الحاصل الموجود الذي يتيسر من الطعام يقدمه ويأكله، ولا يتكلف. وهذا أمر حسن، أن الإنسان لا يتكلف في أفعاله وفي أعماله، حتى في طعامه ودعوته مثلا لإخوانه، لا يتكلف. إن كان يعني ما يمكن أن يدعوهم إلا بشيء عليه كلفة، ما كلف بهذا، يأتي بالموجود والحاصل، ويجعل الله عز وجل فيه البركة. وقد نهينا عن التكلف: «وما أنا من المتكلفين». نهينا عن أن نتكلف في سائر الأمور، حتى بالطعام، وفي يعني دعوة الناس لطعام، فلا يتكلف الإنسان. فالشاهد من هذا الأثر نعم ما فعله عمر رضي الله عنهما من دعوة الناس إلى هذا الطعام، وهي المأدبة، أن نحر بعيرا ودعى الناس إليه، وهذا مما يوجر عليه الإنسان، كما سمعنا لعموم الأدلة. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.