الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 377، ألقاها
نهى الإسلام عن الدخول في حديث شخصين يتناجيان دون إذنهما لما قد يسببه من أذى لهما. التناجي بالبر والتقوى جائز ومشروع كما استدل بذلك من قول ابن عمر رضي الله عنهما.
يتناول تحريم التناجي دون الثالث في مجلس يتكون من ثلاثة أشخاص، ويحذر من الاستماع إلى حديث قوم وهم يكرهون ذلك. هناك عقوبة مترتبة على ذلك التحريم.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تناجي شخصين دون الثالث في مجلس واحد لما يسببه من حزن للشخص الثالث. إذا كانوا أربعة أو أكثر فلا بأس بتناجي اثنين دون الآخرين، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، بابٌ إذا رأى قوماً يتناجون فلا يدخل معهم. قال حدثنا محمد، قال أخبرنا عبد الله، قال أخبرنا داود بن قيس، قال سمعت سعيد المقبري يقول: مررت على ابن عمر ومعه رجلٌ يتحدث، فقمت إليهما، فلطم في صدري، قال: إذا وجدت اثنين يتحدثان فلا تقم معهما، ولا تجلس معهما حتى تستأذنهما. فقلت: أصلحك الله يا أبا عبد الرحمن، إنما رجوت أن أسمع منكما خيراً. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: «بابٌ إذا رأى قوماً يتناجون فلا يدخل معهم». التناجي أن يسر أحد الشخصين إلى آخر بكلام، ويكون هذا الكلام مباحاً، فهذا هو التناجي. وإذا كانت المناجاة في أمر فيه معصية لله والرسول، فلا تجوز، ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى﴾. التناجي بالبر والتقوى أمر جائز ومشروع في فعل الخير وفي فعل الطاعة، وأما إن كانت في فعل الإثم والمعصية فلا يجوز. قال: إذا رأى قوماً يتناجون فلا يدخل معهم، يعني لا يأتي إليهم ويدخل في وسطهم وهم يتحدثان ويتكلمان، ربما عندهم أشياء يعني ما يحب أن يطلع عليه أحد، أمور عائلية، أمور خاصة، فتأتي وتدخل معهم فيكره ذلك. فإذا رأيت إثنين يتناجيان فلا تدخل معهم. ذكر أثر ابن عمر، قال: مررت على ابن عمر ومعه رجل يتحدث، يقول سعيد المقبري: مررت على ابن عمر ومعه رجل يتحدث، فقمت إليهما، يعني فوقفا عندهما، فلطم ابن عمر في صدره، فقال: إذا وجدت اثنين يتحدثان فلا تقم معهما، ولا تجلس معهما، يعني إذا كان قياماً فلا تقم معهما، وإذا كانا جالسين فلا تجلس معهما؛ لأن هذا مما يؤذيهما، فلا توقع نفسك في مواقع الحرج والأذية كما سمعنا، قد تكون عندهما أمور خاصة وأشياء لا يحبان أن يعرفها أحد من الأشياء المباحة. قال: حتى تستأذنهما، يعني هل تأذنان بأن أجلس معكما؟ إن أذنا بذلك فلا بأس، وإلا فالأصل الذي ينبغي أنك لا تأتي إليهما تتركهما ما دام أنهما يتكلمان فيما بينهما، فلا تأتي إليهما. فقال: قلت أصلحك الله أبا عبد الرحمن، إنما رجوت أن أسمع منكما خيراً، يعني يقول ما جيت إلا لقصد سماع الخير، أسمع فائدة، أسمع نصيحة ومنفعة ونحو ذلك. وهذا يقوله من ربما يأتي ويجلس عند من يتحدث مع أخيه، يقول: أردت الخير والنفع، فيقال: لا، لا تجلس. ومثل أيضاً إذا جلس شخص مثلاً إلى عالم يتحدث معه، ربما يكون عنده أمور خاصة ما يحب أن يطلع عليها أحد، لكن يسأل هذا العالم عما حصل أو أشكل عليه، فيجد فرصة مع هذا العالم لكونه وحده، فيجلس معه يتحدث معه، فيأتي إنسان ويجلس فيجد الحرج، السائل ما يستطيع أن يتكلم عن أموره الخاصة مع وجود أحد، فيكون سبباً في قطع حديثه وتأذيه بذلك، فلأجل هذا لا تجلس، اتركه حتى ينتهي من حديثه معه، ثم بعد ذلك تأتي وتجلس معهما أو تسلم عليهما. قال حدثنا محمد بن سلام، قال أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، قال حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: من تسمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك، ومن تحلم بحلم كلف أن يعقد شعيرة. الحديث عندنا بهذه الرواية موقوف على ابن عباس، وقد صح مرفوعاً ومر معنا في الأحاديث المتقدمة مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، من قوله، وفيه زيادة ذكر جملة ثالثة وهي ما يتعلق به التصوير. قوله: من تسمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، تسمع يعني جلس يستمع إلى كلامهما وهم كارهون، ما يحبون أن تسمع كلامهم، فتأتي وتتجسس عليهم، هذا أمر لا يجوز. وإذا فعلت ذلك فأنت موعود بهذا الوعيد، صب في أذنه الآنك، الآنك الرصاص المذاب، يصب في أذنه عقوبة له، والجزاء من جنس العمل، هذا يدل على أن هذا الفعل كبير من كبائر الذنوب. قال: باب لا يتناجى اثنان دون الثالث، قال حدثنا إسماعيل، قال حدثني مالك عن نافع عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث. هذا الباب باب لا يتناجى اثنان دون الثالث، يعني إذا كانوا ثلاثة في المجلس، ثلاثة في المجلس فأراد اثنان منهما أن يتحدث ويتناجيا فيما بينهما دون الثالث، هذا لا يجوز. الباب الذي قرناه قبل هذا: إذا رأى قوماً يتناجون فلا يدخل معهم، وليس معهم هما إثنان منفردان فيريد الثالث أن يدخل معهم، هذا لا يجوز. أما إذا كانوا ثلاثة وأراد إثنان منهما أن يتناجيا دون الثالث، هذا لا يجوز. إذا كانوا ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث، ما يجوز اثنان يتكلمان والثالث لوحده. لماذا؟ سيأتي معنا ذكر العلة في ذلك، وهو أنه يحزنه، هذا يحزنه، يظن أنهم يتكلمون عليه أو يذكرونه بسوء، فيقع في قلبه شيء عليهما، فلأجل ذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يتناجى اثنان دون الثالث. قال: باب إذا كانوا أربعة، قال حدثنا عمر بن حفص، قال حدثني أبي، قال حدثنا الأعمش، قال حدثني شقيق عن عبد الله يعني ابن مسعود، قال: قال نبي صلى الله عليه وسلم: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث، فإنه يحزنه ذلك. يعني يحزنه أن يتناجيا ليس معهما. قلنا: فإن كانوا أربعة؟ قال: لا يضره. وحدثني أبو صالح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. قلنا: فإن كانوا أربعة؟ قال: لا يضره، يعني إذا كانوا أربعة وتناجى اثنان دون اثنين لا بأس، هذا ما يضر. أربعة في المجلس، اثنان يتحدثان فيما بينهما واثنان لوحدهما، هذا ليس فيه شيء. لأنه هنا قد يتحدث مع أخيه ولا يظن أنه يتكلم فيما لوجود من هو معه. فإن كان في المجلس أكثر من ثلاثة، أربعة أو أكثر، فلا بأس أن يتناجى إثنان. قال: وحدثنا عثمان، قال حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يتناجى اثنان دون الآخر حتى يختلطوا بالناس؛ من أجل أن ذلك يحزنه. إذا حصل الاختلاط بالناس تذهب هذه العلة، علة الحزن الذي قد يصيبه. قال: وحدثنا قبيصة، قال حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي صالح عن ابن عمر قال: إذا كانوا أربعة فلا بأس، يعني أن يتناجى إثنان. طيب إذن علمنا من هذا الباب أنه إذا كان في المجلس أربعة أو أكثر فيجوز أن يتناجى إثنان دون البقية. أما تناجي الأكثر دون الواحد، هذا لا يجوز، تناجي ثلاثة دون الرابع أو أربعة دون الخامس أو خمسة دون السادس، هذا لا يجوز؛ لأجل أنه يحزنه، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.