الدرس في شرح كتاب الزكاة 12، ألقاها
زكاة الفطر واجبة على كل مسلم يملك ما يزيد عن حاجته وحاجة من يعول يوم وليلة العيد. تجب على الكبير والصغير والذكر والأنثى والحر والعبد.
الحكمة من زكاة الفطر هي تطهير الصائم من اللغو والرفث وإغناء الفقراء وإظهار شكر نعمة الله على إتمام الصيام. تجب على من يملك ما يزيد عن حاجته وحاجة من يعول يوم العيد وليلة العيد.
زكاة الفطر تخرج طعاما من غالب قوت أهل البلد ولا يجوز إخراجها نقودا أو ثيابا. يجوز تقسيمها على عدة أشخاص أو إعطاؤها لشخص واحد.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلف كتاب فقه الله: الباب الخامس في زكاة الفطر. قال: ويقال لها صدقة الفطر، وفيه مسائل. قالوا: سميت بذلك لأنها تجب بالفطر من رمضان، يعني سبب وجوبها هو الفطر من رمضان، ولا تعلق لها بالمال، وإنما هي متعلقة بالذمة، فهي زكاة عن النفس والبدن، زكاة الفطر زكاة عن النفس والبدن، ليس زكاة مال، يعني غير متعلقة بالأموال. المسألة الأولى في حكمها ودليل ذلك، قال: زكاة الفطر واجبة على كل مسلم، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان، صاعا من تمر أو صاعا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، والحديث في الصحيحين. فقوله عليه الصلاة والسلام: فرض رسول الله، قول ابن عمر: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، معنى أوجب، فرض بمعنى أوجب، فدل الحديث على أن صدقة الفطر واجبة. المسألة الثانية: شروطها وعلى من تجب، قال: تجب زكاة الفطر على كل مسلم، كبير وصغير، وذكر وأنثى، وحر وعبد، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما السابق، فإن النبي عليه الصلاة والسلام فرضها على كل مسلم، كبير وصغير، حتى ولو كان رضيعا، تخرج عنه الزكاة، وهكذا إذا كان ذكرا أو أنثى، بل والعبد والحر، حتى العبد المملوك تجب عليه زكاة الفطر. قال: ويستحب إخراجها عن الجنين إذا نفخت فيه الروح، وهو ما صار له أربعة أشهر، لحديث مسعود: «إن أحدكم لا يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، ينفخ فيه الروح» الحديث، فأربعة أشهر، أربعة أشهر، أربعة أشهر، هذه مئة وعشرون يوما، فإن الجنين إذا بلغ مئة وعشرين يوما نفخت فيه الروح. وهذه أربعة أشهر، قال: وقد كان السلف يخرجونها عنه، كما ثبت عن عثمان وغيره أنه كان يخرج زكاة الفطر عن الجنين، لكن لا يجب، لا يجب، وإذا أراد وليه أن يخرج عنه فجائز، وأقل أحوال هذا الأمر أنه يجوز، لأنه لم يثبت عن نبي عليه الصلاة والسلام إخراجه عن الجنين، لكن من حيث الجواز يجوز لفعل عثمان رضي الله عنه وغيره من السلف. قال: ويجب أن يخرجها عن نفسه وعن من تلزمه نفقته من زوجة أو قريب، يجب أن يخرجها عن نفسه، يعني يخرج الإنسان زكاة الفطر عن نفسه، وعن من تلزمه نفقته، إذا كان الرجل ينفق على زوجته، وينفق على أولاده، وينفق على أمه، فإنه يخرج زكاة الفطر عنهم. استدل العلماء بحديث: «أدوا زكاة الفطر عن من تمونون»، أدوا زكاة الفطر عن من تمونون، يعني عن من تنفقون عليهم، والحديث رواه الدارقطني والبيهقي، والصواب فيه الوقف، كما قال الدارقطني رحمه الله، والإمام البيهقي رحمه الله أشار إلى عدم صحته، وقال: ليس بالقوي، فالحديث فيه ضعف. وعلى هذا فالأصل أن كل واحد يخرج صدقة الفطر عن نفسه، هذا هو الأصل، الزوجة تخرجها عن نفسها، والرجل يخرجها عن نفسه، والأولاد يخرجون عن أنفسهم، لكن إذا كان الأولاد لا يعملون، ليس عندهم مال، فيخرجها عنهم وليهم، وإذا أراد أن يخرجها عن الجميع، إذا أراد الأب ولي الأسرة أن يخرج زكاة الفطر عن الجميع فجائز، لكن الأصل أنه يجب على كل شخص أن يخرجها عن نفسه من ماله، هذا هو الأصل كما هو في سائر الواجبات. واستدل أهل العلم بقول الله جل وعلا: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، لا تزر وازرة وزر أخرى، وكل إنسان يتحمل عن نفسه، هذا هو الأصل، لكن كما قلنا إذا كان الأولاد ليس لهم دخل، وليس عندهم مال، فيخرجها وليهم، والدهم أو جدهم أو من يقوم عليهم، وهكذا الزوجة تخرج من مالها، لكن إذا أراد الزوج أن يخرج عن الجميع فلا بأس. قال: وكذا العبد، فإن صدقة الفطر تجب على سيده، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر»، والحديث في البخاري، فالعبد تجب صدقته على سيده، لأن العبد لا يملك شيئا، العبد لا يملك شيئا من المال، كل ما معه فهو للسيد، فصدقة الفطر تجب على سيده، يخرجها عنه. قال: ولا تجب إلا على من فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته وحوائجه الضرورية في يوم العيد وليلته، ما يؤدي به الفطرة، يعني تجب زكاة الفطر على من فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته وحوائجه الضرورية، إذا عنده زيادة عما يكفيه ويكفي من يعول يوم العيد وليلة العيد، واجب عليه زكاة الفطر، فإن كان ليس عنده شيء، ليس عنده شيء، يعني إلا ما يسد حاجته في يوم العيد وليلة العيد، فلا تجب عليه زكاة الفطر. والحوائج الضرورية يعني كالأواني والفرش والبيت والكتب العلمية وغيرها من الأمور التي تعتبر من الضروريات التي يحتاج لها المسلم في حياته، فلا يلزمه أن يبيعها حتى يخرج زكاة الفطر. قال: فزكاة الفطر لا تجب إلا بشرطين: الأول الإسلام، فلا تجب على الكافر، لا تجب على الكافر، لأن الكفر مانع من قبول العمل، وإن كان مخاطب بها ويعاقب على تركها، لكن ما تصح منه إلا بالإسلام. الثاني: وجود ما يفضل عن قوته وقوت عياله وحوائجه الأصلية في يوم العيد وليلته، قال: المسألة الثالثة في حكمة وجوبها، أي ما الحكمة من وجوب زكاة الفطر؟ قال: من الحكم في وجوب زكاة الفطر ما يلي: أولا: تطهير الصائم مما عسى أن يكون قد وقع فيه في صيامه من اللغو والرفث. ثانيا: إغناء الفقراء والمساكين عن السؤال في يوم العيد، وإدخال السرور عليهم، ليكون العيد يوم فرح وسرور لجميع فئات المجتمع، وذلك لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين»، والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث عن حكمة زكاة الفطر، قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث»، فالصائم خلال صومه يحصل منه اللغو، يعني الكلام الباطل، والرفث ما يتعلق بأمور النساء، قد يتكلم بشيء من ذلك، فإخراج زكاة الفطر تطهر ما حصل منه من ذلك. «وطعمة للمساكين»، يعني تسد حاجتهم وتفرحهم في يوم العيد. ثالثا: أنه فيها إظهار شكر نعمة الله على العبد بإتمام صيام شهر رمضان وقيامه، وفعل ما يتيسر من الأعمال الصالحة في هذا الشهر المبارك، هذا أيضا من حكم وجوب زكاة الفطر، إظهار شكر نعمة الله عز وجل على العبد، أنعم الله سبحانه وتعالى عليه بإدراك هذا الشهر المبارك، شهر رمضان، ووفقه لصيامه وقيام ليله، فيؤدي هذه الزكاة ويخرج هذه الزكاة شكرا لله جل وعلا. المسألة الرابعة: مقدار الواجب ومما يخرج، قال: الواجب في زكاة الفطر صاع من غالب قوت أهل البلد، من بر أو شعير أو تمر أو زبيب أو أقط، هو الأقط هو اللبن المجفف، لبن يحمض ويطبخ في النار ثم يجفف ثم يؤكل، وهذا يستعمله كثير من أهل البادية، ومازالوا إلى الآن يستخدمونه، أهل البوادي يستعملون الأقط، وقد طعمناه عند بعضهم، تكون فيه شيء من الحموضة. قال: أو أرز أو ذرة أو غير ذلك، يعني مما يقتات أهل البلد، لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة، كحديث ابن عمر المتقدم: «صاعا من تمر أو صاعا من شعير»، أن قوتهم كان من التمر والشعير، وفي حديث أبي سعيد ذكر الأقط والزبيب، وقاس عليه أهل العلم ما يقتاته الناس، ما يكون غالبا من قوت أهل البلد، فيجوز إخراج الزكاة منه، زكاة الفطر، لأن ذكر هذه الأصناف كان هو الغالب من قوتهم، الغالب من قوتهم. فالعبرة ليس بأصل هذا الصنف، كما أن المقصود هو كونه يقتات ويؤكل، فلو أراد إنسان مثلا اليوم أن يخرج الشعير، نقول له: ما تخرج الشعير، مع أن الشعير من الأصناف التي وردت في الأحاديث كما في حديث ابن عمر مما يخرج من زكاة الفطر، لكن الشعير اليوم ما يأكله الناس، الشعير ما يأكله الناس، لو جئت تخرج الشعير ما سينتفع به من تعطيه إياه، ولهذا نقول: ما تخرج الشعير، أخرج شيئا آخر، أخرج برا أو أرزا أو تمرا مما يستعمله الناس ويأكلونه. قال: ويجوز أن تعطي الجماعة زكاة فطرها لشخص واحد، وأن يعطي الواحد زكاته لجماعة، يعني يجوز تقسيم الزكاة بأن يقسمها على عدة أشخاص، واحد عنده زكاة فطر يريد أن يقسمها على أربعة، يجوز، ويجوز أن يعطيها لواحد كاملة، هذا جائز، ويجوز أن يجتمع الجماعة فيعطون زكاتهم لشخص واحد، هذا جائز، فسواء أعطاها لشخص واحد أو قسمها فهو كله جائز. قال: ولا يجزئ إخراج قيمة الطعام، لأن ذلك خلاف ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنه مخالف لعمل الصحابة، فقد كانوا يخرجونها صاعا من طعام، ولأن زكاة الفطر عبادة مفروضة من جنس معين، وهو الطعام، فلا يجزئ إخراجها من غير الجنس المعين. الواجب في زكاة الفطر أن تخرج طعاما، هذا الذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، فإخراجها نقودا أو ثيابا ما يجزئ، هذا خلاف النص، خلاف ما أمر به عليه الصلاة والسلام، هذا قول جمهور أهل العلم، فإذا أخرج غير الطعام لم يكن قد أخرج الواجب الذي أمر به عليه الصلاة والسلام. فهذا أولا خلاف ما أمر به عليه الصلاة والسلام، والأمر الثاني أنه خلاف عمل الصحابة، فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يخرجون طعاما كما أمر عليه الصلاة والسلام، والأمر الثالث أن زكاة الفطر عبادة، نحن متعبدون بإخراجها طعاما، فإذا أخرجتها بغير الطعام فإنك أتيت أو فعلت العبادة على غير وجهها الصحيح، وعلى غير ما أراد الله سبحانه وتعالى وما أمر به، فلا يجزئ. ونزداد على ذلك أن المال كان موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، الفقراء يحتاجون للمال، ومع ذلك ما أمر عليه الصلاة والسلام بإخراج المال بدل الطعام، بل أمر بإخراجها طعاما، فنبقى على ما أمر به عليه الصلاة والسلام من إخراج زكاة الفطر طعاما، هذا هو الواجب. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.