الدرس في التعليق على كتاب كشف الشبهات 13، ألقاها
يؤكد المؤلف على أهمية الإيمان بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويوضح أن الشفاعة ملك لله تعالى ولا تحدث إلا بإذنه. الشفاعة كلها لله وحده ولا تنفع إلا بإذنه ورضاه.
يشرح المؤلف شروط الشفاعة وأحق الناس بها، مشيراً إلى أن الشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله ورضاه، وأن أحق الناس بشفاعة النبي هم أهل التوحيد الذين حققوا توحيد الله واجتنبوا الشرك.
يتناول المؤلف حكم طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، ويبين أن ذلك يعتبر شركاً في عبادة الله، حيث يجب طلب الشفاعة من الله وحده لأنها ملك له ولا تنال إلا بإذنه ولأهل التوحيد.
يوضح المؤلف بطلان طلب الشفاعة من النبي عليه الصلاة والسلام، ويبين أنه يعتبر صرفا للعبادة لغير الله، مما يبطل هذا الطلب ويبطل الشبهة المتعلقة به، ويؤكد على طهارة نبينا محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع، وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله، كما قال الله تعالى: ﴿قل لله الشفاعة جميعا﴾، ولا تكون إلا من بعد إذن الله، كما قال عز وجل: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾، ولا يشفع النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه، كما قال عز وجل: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾، وهو لا يرضى إلا التوحيد، كما قال عز وجل: ﴿ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾. فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين لك أن الشفاعة كلها لله، فاطلبها منه، فأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في، وأمثال هذا. فإن قال: النبي صلى الله عليه وسلم أعطي الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله. فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا، فقال: ﴿فلا تدعو مع الله أحدا﴾، فإذا كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك، فأطعه في قوله: ﴿فلا تدعو مع الله أحدا﴾. وأيضا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي صلى الله عليه وسلم، فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، والأفراط يشفعون. أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة، فأطلبها منهم؟ فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت لا، بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله. ذكر المؤلف رحمه الله هنا شبهة أخرى من شبه القوم، بعد أن بين فيما مضى أن مقصود المشركين الأوائل من عبدوهم طلب القرب والشفاعة، وكذلك أيضا هو فعل المشركين المتأخرين، أنهم يريدون طلب القرب والشفاعة، وبينت له أن هذا هو فعل المشركين سواء بسواء. فإن قال: أتنكر الشفاعة؟ أتنكر شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ منها؟ يعني: هل تنكر شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام وأنه يشفع للناس؟ فالجواب: لا، لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل أعتقد أن النبي عليه الصلاة والسلام ممن يشفع. وإنما ينكر الشفاعة أهل الأهواء من القوارج والمعتزلة، أما أهل السنة والجماعة فإنهم يثبتون شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع، وله المقام المحمود الذي فضله الله عز وجل به، حين يتبرأ الأنبياء، وكل يقول: نفسي، نفسه، فيشفع عليه الصلاة والسلام. لكن الشفاعة ملك لله، الشفاعة ملك لله جل وعلا، والله جل وعلا يقول: ﴿قل لله الشفاعة جميعا﴾، واللام في لفظ الجلالة للملك والاستحقاق، أي: فالذي يملك الشفاعة هو الله سبحانه وتعالى. والنبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع إلا بإذن من الله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾. وهذه الآية لفظها يدل على العموم؛ من «من» اسم استفهام، وأسماء الاستفهام من ألفاظ العموم، كذلك قوله: «الذي» اسم موصول، والأسماء الموصولة من ألفاظ العموم، فيدخل في ذلك النبي عليه الصلاة والسلام وغيره ممن يأذن الله سبحانه وتعالى لهم بالشفاعة. فلا يشفع أحد إلا بإذن الله جل وعلا، ولا يشفع أحد بعد إذن الله إلا لما رضي الله سبحانه وتعالى عنه. فالشفاعة لها شروط، منها الإذن من الله جل وعلا للشافع أن يشفع، ومنها كذلك رضى الله عن الشافع والمشفوع له. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾، وقال جل وعلا: ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾. والله جل وعلا لا يرضى إلا التوحيد، لا يرضى إلا التوحيد. فلذلك أحق الناس بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام هم أهل التوحيد، الذين وحدوا الله جل وعلا وحققوا توحيد الله، واجتنبوا الشرك بعبادة الله جل وعلا. ولما سئل النبي عليه الصلاة والسلام: من حق الناس بشفاعتك؟ قال عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه». وفي رواية قال: «وهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئا». إذن من أشرك في عبادة الله جل وعلا فإنه يحرم شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. إذن فالشفاعة كلها لله، ولا يشفع أحد إلا بإذن الله. والنبي صلى الله عليه وسلم في المقام المحمود عندما يشفع، ما يشفع مباشرة، وإنما يشفع بعد إذن الله، يأتي فيخر ساجدا تحت العرش، فيقال له: ارفع رأسك، وسل تعطى، واشفع تشفع. فحينئذ يشفع بعد أن يأذن الله سبحانه وتعالى له. فإذا كان الأمر كذلك، وأنه عليه الصلاة والسلام لا يشفع إلا بعد إذن الله، إذن تطلب الشفاعة ممن يملكها، وهو الله سبحانه وتعالى. فأنت إذا أردت أن تنال شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، فإنك تنالها بأمرين: بلسان الحال، وبلسان المقال. بلسان المقال: أن تدعو الله، تقول: اللهم شفع في نبيك، أو اللهم اجعلني من شفعاء نبيك، فتسأل الله جل وعلا؛ لأن الله هو الذي يملك الشفاعة. والأمر الثاني وهو لسان الحال: بتحقيق التوحيد؛ فإنك إذا وحدت الله جل وعلا، فإن التوحيد سبب من أسباب نيل شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. وأما أن تطلبها منه مباشرة، فتقول: النبي صلى الله عليه وسلم يشفع، فأنا أطلب الشفاعة منه. فيقال لك: إنك تطلبها بغير طريقها الصحيح، والذي أخبرك بأن النبي عليه الصلاة والسلام يشفع، وأعطاه الشفاعة، منعك من هذا، ونهاك أن تدعو غيره، نهاك أن تدعو غيره، كما قال الله جل وعلا: ﴿فلا تدعو مع الله أحدا﴾، وأحدا نكرة في سياق النهي، تفيد العموم، فيشمل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام. فلا يجوز أن تدعوه، وأن تسأله الشفاعة، وأن تطلب الشفاعة منه بعد موته عليه الصلاة والسلام. بل ينبغي أن تطلبها من الله. فإذا طلبتها من غير الله جل وعلا، فإنك بذلك تقع في الشرك. وإذا وقعت في الشرك، فإنك تحرم من الشفاعة؛ لأن الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد. وكذلك أيضا لازم قولك هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطي الشفاعة، فأنا أطلبها منه. يقال لك: كذلك غير النبي عليه الصلاة والسلام أعطي الشفاعة، فالملائكة يشفعون، والأنبياء يشفعون، والصالحون يشفعون، كما في حديث سعيد في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «تشفع الملائكة، ويشفع الأنبياء، ويشفع الصالحون». فهل تطلبها منهم وتقول لهم: أعطوا الشفاعة، فأنا أطلبها منهم؟ الجواب: أن هذا لا يجوز. فإنك إذا قلت ذلك، رجعت إلى عبادة الصالحين، وقد تبين لنا أن دعاء الصالحين من الشرك في عبادة الله؛ لأن الدعاء عبادة، وصرف الدعاء لغير الله يعتبر من الشرك في عبادة الله جل وعلا. فإذا قلت: أنا أطلبها منهم، رجعت إلى عبادة الصالحين. وإن قلت: لا أطلبها منهم، فبطل قولك: فأنا أطلبها من النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أعطيها. وبهذا تبطل هذه الحجة. فخلاصة هذه الشبهة هو أنهم يقولون: النبي عليه الصلاة والسلام أعطي الشفاعة، فنحن نطلبها منه. وكما بينا: أن الشفاعة ملك لله جل وعلا، وأن النبي عليه الصلاة والسلام لا يشفع إلا بإذن الله، ولا يشفع إلا لمن رضي الله سبحانه وتعالى عنه، والله لا يرضى إلا التوحيد. ومن أشرك في عبادة الله فإنه لا يرضى جل وعلا عنه، ولا عن عمله، كما قال سبحانه: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾. وإذا كان كذلك، فإنه لا يستحق الشفاعة. فالواجب هو طلب الشفاعة من الله، وكذلك العمل بالأعمال التي بها تنال الشفاعة، ومن أعظمها توحيد الله سبحانه وتعالى. وكما أنه لا يجوز طلب الشفاعة من النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا أيضا لا يجوز طلبها من غيره من الملائكة والأنبياء والصالحين. فالواجب هو طلبها من الله جل وعلا. فإذا طلبت من الأنبياء والصالحين، كان هذا من عبادة غير الله جل وعلا، ومن عبادة الصالحين. وإذا بطل ذلك، بطل طلبها من النبي عليه الصلاة والسلام، ووجب إخلاص العبادة لله، ومنها الشفاعة؛ فإنها لا تطلب إلا من الله جل وعلا. وبهذا يبطل قوله: إني أطلب الشفاعة ممن أعطيها، وهو النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن طلبها منه من صرف العبادة لغير الله، كما تبين ذلك. وبهذا تبطل هذه الشبهة. طيب الله صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.