كتاب الصوم وأسراره ومهماته 1

الدرس في كتاب الصوم وأسراره ومهماته 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

خصائص الصوم: السرية وقهر الشيطان

يتميز الصوم بكونه عملاً سرياً بين العبد وربه مما يسلمه من الرياء، كما يقهر الشيطان بتضييق مسالك الشهوات. ويجمع الصوم معاني الصبر التي وعد الله أصحابها بالأجر بغير حساب.

رمضان شهر الصبر وفضائل الصيام

سما النبي صلى الله عليه وسلم رمضان شهر الصبر لاحتوائه على مراتب الصبر الثلاث على الطاعة والمعصية والقدر. واستعرض المقطع فضائل الصيام كسبب للتقوى وجنة من النار ومكسر للشهوة.

فضائل الصوم في الدنيا والآخرة

للصوم فضائل عظيمة منها أنه لا مثل له وللصائمين باب الريان في الجنة ويكفر الذنوب ويشفع لصاحبه. كما يمنح الصائم فرحتين وخلوف فمه أطيب عند الله من المسك ويذهب أمراض القلوب.

خاتمة الدرس والصلاة على النبي

اختتم الدرس بذكر فضائل النبي محمد صلى الله عليه وسلم والصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه. واختتم بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فأحببنا في هذا المقام وفي هذا الوقت من هذا الشهر المبارك أن نقرأ أبواباً من كتاب "مختصر منهاج القاصدين" للإمام العلامة عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى. وكان الاختيار اختيار هذه الأبواب مما يناسب هذا الشهر المبارك، فنبدأ أولاً من القراءة في كتاب الصوم وأسراره ومهماته وما يتعلق به. وهذا الكتاب هو كتاب تربية، لا يتناول في هذه الأبواب المسائل الفقهية واختلاف العلماء فيها وتحقيق الأقوال ونحو ذلك، وإنما يعتني بذكر الأشياء التربوية السلوكية، فناسب أن نقرأ في هذا الكتاب. قال رحمه الله تعالى: "اعلم أن في الصوم خصيصة ليست لغيره، وهي إضافته إلى الله عز وجل، حيث يقول سبحانه: ﴿الصوم لي وأنا أجزي به﴾"، إشارة إلى ما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين، في الحديث القدسي: يقول الله عز وجل: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، فإنه لي وأنا أجزي به». فنسب ربنا عز وجل الصوم وأضافه إليه، وتكفل بأجر فاعله وتكفل بأجر فاعله. قال: "وكفى بهذه الإضافة شرفاً"، كما شرف البيت بإضافته إليه في قوله: ﴿وطهر بيتي﴾، يعني في القرآن. فهذه الإضافة في قوله: ﴿الصوم لي﴾ إضافة تشريف، مما يدل على فضل الصيام واختصاصه من بين سائر العبادات والطاعات. قال: "وإنما فضل الصوم لمعنيين: أحدهما أنه سر وعمل باطن لا يراه الخلق ولا يدخله رياء"، يعني لا يشاهده الناس، الرياء من الرؤية، لا يرى الناس فعل هذا الصائم لأنه يستطيع أن يظهر الصيام وفي حقيقة الأمر فهو ليس بصائم، فهو سر وعمل باطن بينه وبين الله سبحانه وتعالى، فيستطيع أن يشرب أو أن يأكل دون أن يراه أحد، فلا يراه إلا الله سبحانه وتعالى. بخلاف الصلاة أو الحج أو غيرها من العبادات، فإنه إذا عملها رآه الناس ولا يستطيع أن يخفيها عنهم لأنها أعمال ظاهرة. هذا هو السر الأول في تفضيل الصوم على غيره. وأما المعنى الثاني، قال: "الثاني أنه قهر لعدو الله، أي الشيطان". الصيام قهر لعدو الله، قال: "لأن وسيلة العدو الشهوات، وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب، وما دامت أرض الشهوات مخصبة فالشياطين يترددون إلى ذلك المرعى". وهذا من بديع فصاحته وبلاغته، شبه الشهوات بالأرض المخصبة والشيطان بذلك الراعي الذي يأكل من هذه الأرض المخصبة، من هذا المرعى. قال: "وبترك الشهوات تضيق عليه المسالك، تضيق عليه أو عليهم المسالك"، أي على الأعداء وهو الشيطان وأعوانه. فهذا معنى آخر من معاني تفضيل الصوم على غيره. فالشهوات هي سبب دخول الشيطان للعبد، فإذا امتلأت بطن العبد ربما فكر في الشهوات المحرمة، وتعطيه هذه الشهوات أو تعطيه هذه المأكلات والمشروبات قوة ودافعاً. ولذلك جاء في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج». قال: «ومَن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»، يعني يقطع دافع الشهوة، لأن الشهوة إنما تقوى بـ شهوة الأكل والشرب. هذا معنى ثاني من معاني تفضيل الصوم على غيره من العبادات. وذكر بعض أهل العلم معنى آخر لتفضيل الصوم على غيره من العبادات، وهو أن الصوم تحصل به جميع معاني الصبر، تحصل به جميع معاني الصبر. وقد أخبر الله عز وجل أنه يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب. فقد سمى نبينا محمداً... فقد سمى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذا الشهر بشهر الصبر. جاء ذلك في حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد، وهو في مسند أبي هريرة في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" لشيخنا الوادعي رحمه الله، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر، صوم الدهر». فدل ذلك على أن الصيام إنما فضل وتكفل الله عز وجل بأجر صاحبه، ولم يبين عدد حسنات هذا الصيام لأنه قد احتوى على جميع مراتب الصبر: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر عن أقدار الله. صبر على طاعة الله: كون هذا المسلم امتثل أمر الله إذ أمره أن يمسك عن الطعام والشراب وغيرها من المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فامتثل لهذا الأمر فصبر على هذه الطاعة. وصبر عن معصية الله: إذ حرم الله عز وجل عليه في هذا الصيام وفي وقت هذا الصيام الأكل والشرب والجماع وجميع المفطرات، فامتثل... امتثل لله عز وجل من هذه المعاصي، فهذا فيه صبر عن معصية الله. وصبر عن أقدار الله: لما قد يجده الصائم من لذعة الجوع أو شدة العطش أو نحو ذلك، فهو يصبر على ذلك ولا يدفع هذا إلى الإفطار، بل يصبر ويحتسب، فهذا فيه صبر على أقدار الله. فحوى الصيام جميع مراتب الصبر، جميع مراتب الصبر. قال رحمه الله: "وفي الصوم أخبار كثيرة تدل على فضله وهي مشهورة، ولا بأس أن نأخذ هذه الفضائل، فضائل الصيام، وهذا يعين المسلم على الاحتساب". أنت الآن صائم، وربما تشعر بشيء من التعب أو بشيء من الكسل أو الفتور أو روغان البصر أو صداع الرأس أو نحو ذلك، فاستشعر هذه الفضائل، استشعر هذه الفضائل، فتكون بإذن الله سبباً لتجاوز هذه المتاعب، ولي كذلك التهوين من ألمها ومن كذلك وجعها. فمن فضائل الصوم: أولاً، أنه سبب لتقوى الله عز وجل التي هي خير زاد، وتزود فإن خير الزاد التقوى. فالصيام سبب لتقوى الله كما قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، ﴿لعلكم تتقون﴾. فاستشعر أنك بهذا الصيام تنال هذه الدرجة والمرتبة العلية وهي التقوى. وهكذا من فضائل الصيام: أن الصوم جنة، الصوم جنة، يعني وقاية يستجن بها العبد من النار، والصوم سبب لوقايتك من عذاب الله عز وجل. وهذا جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «والصوم جنة»، أي وقاية. وجاء أيضاً في مسند الإمام أحمد، وصححه العلامة الألباني في "صحيح الجامع"، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الصوم جنة يستجن بها العبد من النار، يستجن بها العبد من النار». وهكذا من فضائل الصوم: أنك إذا صمت يوماً واحداً لله سبحانه وتعالى باعد الله وجهك عن النار سبعين خريفاً، سبعين سنة. صوم يوم واحد، فكيف وقد صمت ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين يوماً لله عز وجل؟ كم ستباعد؟ كم سيبعد وجهك عن النار؟ ودليل ذلك في الحديث المتفق عليه، قال عليه الصلاة والسلام: «من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً». وهكذا من فضائل الصيام: أن الصوم وقاية من الشهوات، شهوة الفرج، فهي تبعدك عن هذه الشهوة المحرمة كما سمعت في حديث عبد الله بن مسعود، فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء، أي قاطعاً لشهوته ومضعفاً لها. وهكذا من فضائل الصوم: أن الصوم لا مثل له ولا عدل له، فهو من أفضل العبادات والقربات. وجاء هذا عند النسائي، وصححه العلامة الألباني، من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، مرني بأمر ينفعني به الله. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «عليك بالصوم، فإنه لا مثل له». وفي رواية: «لا عدل له، لا عدل له». وهكذا من فضائل الصوم: أن أهل الصوم يدخلون من باب خاص لا يدخل منه إلا الصائمون، يسمى باب الريان، خصيصة لأهل الصيام، فصصة لأهل الصيام. كما جاء في حديث سهل بن سعد في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد... لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد... ما يدخل منه إلا الصائمون، خاص بهم». وهذا يدل على فضيلة الصيام. وهكذا من فضائل الصيام: أن الصيام كفارة للذنوب، سبب لتكفير الذنوب، كما جاء في حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه، لما قيل له: فتنة الرجل في أهله وماله وجاره، فقال عليه الصلاة والسلام: «تكفرها الصلاة والصيام والصدقة»، والحديث في البخاري. وهكذا من فضائل الصيام: أنه يشفع لصاحبه، يكون سبباً للشفاعة لصاحبه يوم القيامة، كما قال عليه الصلاة والسلام في مسند الإمام أحمد: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يشفعان للعبد يوم القيامة». وهكذا من فضائل الصيام: أن الصوم سبب للسعادة في الدنيا والآخرة. فقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال: «للصائم فرحتان». إذن الصوم سبب لفرح القلب وانشراحه وطمأنينته وسعادته: «للصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، عند لقاء ربه». وهكذا من فضائل الصيام: أن هذا الشيء المستكره، الرائحة المستكره التي تخرج من بطن الصائم إلى فمه إلى خارج، هذه يحبها الله سبحانه وتعالى، كما جاء في الحديث: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، أطيب عند الله من ريح المسك». لأن الله عز وجل يحب هذه العبادة وهذه الطاعة، فما تولد عنها من غير إرادة العبد فالله عز وجل لا يحب ذلك... «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، من ريح المسك». وهكذا من فضائل الصيام: أن الصيام به تذهب وساوس القلب، ويذهب غيظه وحسده وحقده وعداوته. يدل على ذلك ما جاء من حديث رجل مبهم، أخرجه الإمام أحمد، هذا الحديث، وذكره شيخنا الوادعي رحمه الله في كتابه "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" في المبهمات، قال عليه الصلاة والسلام: «من سره أن يذهب كثير من وحر صدره». والوحر، والوحر بالفتح، فتح الواو والحاء، فهو وسوسة القلب وغيظه وحسده وعداوته، ويمكن أن نقول بعبارة أجمع: أمراضه، أمراض هذا القلب تذهب بإذن الله عز وجل بالصيام. «من سره أن يذهب كثير من وحر صدره فليصم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر، وثلاثة أيام من كل شهر». فإذن هذا الشهر فرصة عظيمة لمن بينه وبين إخوانه شيء من العداوة أو البغضاء أو الحسد أو الكراهية، فرصة لإزالة هذه الأمراض، لإزالة هذه الأمراض. لأن الصيام يرقق القلب، والصيام يهذب النفس، فمن تمام تهذيبها وتزكيتها أن لا يكون في قلب هذا الصائم على أخيه المسلم شيء من الحقد أو العداوة أو الحسد أو نحو ذلك. فينبغي على المسلمين أن يأخذوا بهذه الفضائل وأن يتمتعوا بها. ففضائله كثيرة، هذا ما تيسر جمعه، ولعل هناك أيضاً فضائل أخرى لم يتيسر ذكرها، فنكتفي بهذا في هذا الدرس. وإلى هنا وصل، اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.