كتاب الصوم وأسراره ومهماته 3

الدرس في كتاب الصوم وأسراره ومهماته 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مراتب الصوم الثلاث وغايته التربوية

يستعرض المقطع ثلاث مراتب للصوم تبدأ بصوم العموم وهو كف البطن والفرج، ثم صوم الخصوص بكف الجوارح عن المحرمات، وصولاً لصوم خصوص الخصوص بكف القلب عما سوى الله. ويؤكد أن الغاية العظمى للصيام هي التربية والتزكية واكتساب التقوى مستدلاً بأحاديث غض البصر وحفظ اللسان والصبر على الأذى.

آداب اللسان والصبر على الأذى للصائم

يشدد المقطع على أن الصيام شُرع لتهذيب النفس لا للسب والشجار، فيجب على الصائم أن يملك لسانه ويقول عند الاستفزاز: إني صائم. ويبين أن حفظ اللسان وكف الأذى عن الناس من تمام الصيام وكماله الذي يريده الشارع الحكيم.

الاعتدال في الطعام والهدي النبوي في الأكل

يحذر المقطع من الإفراط في الأكل ليلاً لأن ملء البطن يورث الكسل ويضيع مقصود الصيام من تقوى وصفاء قلب. ويستعرض وصية النبي ﷺ بتقسيم البطن ثلاثة أثلاث للطعام والشراب والنفس، وهي قاعدة طبية نبوية أقرها العلماء والأطباء لحفظ صحة البدن والقلب والعبادة.

خاتمة وتأكيد على مراعاة آداب الصيام

يختتم المتحدث الحديث بالتأكيد على ضرورة مراعاة الصائم لآداب الصيام التي نبه عليها العلماء الربانيون. ويستشهد بكلام الحافظ عبد الغني المقدسي خاتماً المجلس بهذا القدر من البيان والتوجيه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر منهاج السالكين": "قال: بيان أسرار الصوم وآدابه. قال: وللصوم ثلاث مراتب: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. فأما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، فهذا جميع من صام من الصائمين يمتنعون عنه: الأكل والشرب والجماع والشهوة. فهذا صوم العموم، عامة الناس في صومهم يفعلون ذلك، وإلا لا يسمى من أكل أو شرب صائماً، فهذا يسمى صوم العموم. قال: وأما صوم الخصوص فهو كف النظر واللسان واليد والرجل والسمع وسائر الجوارح عن الآثام، هذا يسمى صوم الخصوص. كما أنك منعت بطنك عن الأكل وفرجك عن الشهوة، وكذلك تمنع جوارحك عن المحرم والآثام، فتكف نظرك عن المحرم، ولسانك عن المحرم، وهكذا بقية الجوارح. قال: وأما صوم خصوص الخصوص فهو صوم القلب عن الهمم الدنيئة والأفكار المبعدة عن الله تعالى، وكفه عما سوى الله تعالى بالكلية. ومعنى صوم القلب عن الهمم الدنيئة: يعني التعلق بغير الله من التوسع في أمر الدنيا، ومن كذلك التفكير في غير العبادة والطاعة والقربة. فهذا لا يوفق إليه إلا الله، لا يوفق إليه إلا خاصة الخاصة، أن يكون همه همّاً واحداً يجمع قلبه على الله وعلى طاعة الله عز وجل، فلا يفكر في غير الطاعة والقربة والعبادة. فهذا يسمى صوم خصوص الخصوص، فهو كف بطنه وفرجه عن الأكل والشرب والجماع، وكف جوارحه عن المحرمات، وكذلك كف قلبه عما سوى الله سبحانه وتعالى. قال: فمن آداب صوم الخصوص غض البصر، وحفظ اللسان عما يؤذي من كلام محرم أو مكروه أو ما لا يفيد، وحراسة باقي الجوارح. وهذه هي الغاية العظمى من الصيام: أن تربي وتزكي نفسك في هذه المدرسة، مدرسة الصيام، على الأخلاق الفاضلة والآداب السامية، فتعود نفسك على غض البصر فلا تنظر إلى ما حرم الله، وعن حفظ اللسان فلا تسب ولا تشتم ولا تكذب ولا تغتاب ولا تأتي بأمر محرم، وهكذا بقية الجوارح. قال: وفي الحديث من رواية البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». وفسر قول الزور بكل قول باطل، فيدخل في هذا شهادة الزور. ليس خاص قول الزور بشهادة الزور فقط كما يفهمه البعض، وإنما قول الزور هو كل قول باطل، فيشمل ذلك جميع آفات اللسان من الغيبة والنميمة والكذب والسب والشتم ونحو ذلك. والعمل به يعني: ليس مجرد قول فحسب، بل يقول الباطل ويعمل بهذا الباطل. فإذا قال شهادة الزور عمل بهذه الشهادة، وإذا كذب عمل بهذا الكذب، وإذا نمى عمل بهذه النميمة، فهذا هو العمل بقول الزور. فليس لله حاجة في أن يضع طعامه وشرابه، لتعلم أن الجوع والعطش ليس هو المراد من الصيام، ليس هو المراد من الصيام، إنما المراد منه التربية والتزكية، وهكذا اكتساب التقوى، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. هذه هي الغاية العظمى، وكذلك الحكمة من الصيام: اكتساب التقوى وتربية النفس وتزكيتها. وجاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا كان صيام يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». يعلم ويعود نفسه، نعم قد تتعرض لأذى المؤذين، ولشغب المشاغبين، ولإضرار المضرين، فكن كما أمرك نبيك. فإذا تعرضت لشيء من ذلك فقل: إني صائم. لا ترد السيئة بالسيئة، لا ترد السبة بالسبة. بعض الناس ربما يجعل الصيام ذريعة لأن يقول ما شاء من سب وشتم، وكذلك جهل ومضاربة ومخاصمة وشجار ونحو ذلك. لا، أنت فهمت خلاف ما أمرت به. الصيام يتهذبك، الصيام يؤدبك، فأملك نفسك، واحرص على أن تعمل بالهدي النبوي. فإذا تعرضت لشيء من ذلك فقل: إني صائم، لا تسبك. فإذا قيل لك: اتق الله، قلت: أنا كنت صائماً، سبحان الله! الشرع يأمرك إذا كنت صائماً أن تملك نفسك، وأن كذلك تحلم وتتأدب بالآداب الشرعية، لا أن ترد السيئة بالسيئة. قال: ومن آدابه، يعني من آداب الصيام، ألا يمتلئ من الطعام في الليل، بل يأكل بمقدار الكفاية، فإنه ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطن. ومتى شبع أول الليل لم ينتفع بنفسه في باقيه، وكذلك إذا شبع وقت السحر لم ينتفع بنفسه إلى قريب من الظهر، لأن كثرة الأكل تورث الكسل والفتور، ثم يفوت المقصود من الصيام بكثرة الأكل، لأن المراد منه أن يذوق طعم الجوع ويكون تاركاً للمشتهيات. وهذا تنبيه منه مهم جداً، لا سيما وكثير من الصائمين يقع فيه، وهو أن يأكل الصائم من الأكل بما أرشد إليه نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث الذي أشار إليه في قوله: «فإنه ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطن». هذا حديث المقدام بن معدي كرب، رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطن، بحسب امرئ لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». هذه هي وصية النبي عليه الصلاة والسلام لكل آكل، فالصائم يدخل في عموم هذا الحديث. وهذا الحديث أصرح جامع لأصول الطب، كما ذكر ذلك العلماء، أصرح جامع لأصول الطب كلها. والأطباء في العصر القديم والعصر الحديث يؤكدون معنى هذا الحديث، بل ويقررونه في عياداتهم وفي توجيهاتهم لمرضاهم. فقد جاء عن طبيب أنه سمع هذا الحديث، قيل أن اسمه ما سويه، سمع هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، فلما سمع هذا الحديث قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات سلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت المارستانات، يعني المستشفيات ودكاكين الصيادلة. انظر كيف يؤكد هذا الطبيب صحة ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. بل نقل عن ما يسمى بطبيب العرب وهو الحارث بن كلدة أنه قال: «الحمية رأس الدواء». ومعنى الحمية: أن تتخير من المطعومات ما تسد حاجة الجسم فقط، لا تزيد على ذلك. والآن كثير من الأطباء يداوي المرضى بالحمية، يعين لهم أكلات معينة يأكلونها، ومقدار معين يأكلونه. فقال طبيب العرب: الحمية رأس الدواء، والبطنة رأس الداء، رأس المرض. رأس المرض: عندما تملأ بطنك فوق طاقة وحاجة الجسم، هذا هو رأس الداء، رأس المرض. وقال أيضاً طبيب العرب الحارث بن كلدة: «الذي قتل البرية وأهلك السباع في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانتهاض». دائماً وهو يأكل، ما يترك فرصة لأن ينهضم الطعام الأول، أكل وبعد خمس دقائق يريد أن يأكل مرة أخرى، أو بعد نصف ساعة يريد أن يأكل مرة أخرى، لم ينهضم الطعام بعد، ولم كذلك يتخلص منه المعدة، فلا يزال في معدته وهو يدخل عليها طعاماً آخر، فهذا هو الهلاك، فهذا هو الهلاك. وقال غيره: لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم؟ لقالوا: التخم، يعني كثرة الأكل. كثرة الأكل. ولذلك قلة الطعام وإعطاء الجسم حاجته من الطعام ليس في ذلك منفعة للجسم فحسب، بل حتى للقلب، بل حتى للقلب. فلذلك يقول ابن رجب الحنبلي عليه رحمة الله في كتابه "جامع العلوم والحكم" عند شرحه لهذا الحديث: «فإن قلة الغذاء توجب رقة القلب، وقوة الفهم، وانكسار النفس، وضعف الشهوة، وكثرة الغذاء توجب ضد ذلك. فمن ملأ بطنه تبلد ذهنه وقسا قلبه». نعم، هكذا يقرر العلماء، هكذا يقرر العلماء. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطن»، يعني شر وعاء ملئ هو البطن. الوعاء هو الظرف الذي يملأ ويوضع فيه الشيء، فشر وعاء ملئ هو البطن. إذا امتلأت جاءت الأمراض الجسدية والأمراض القلبية. فإذا هون على نفسك، أعطِ الجسم بقدر حاجته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بحسب امرئ لقيمات»، وفي رواية: «أكلات يقمن صلباً»، يعني يقمن ظهره، لا يجعلنه مريضاً مقعداً من شدة الجوع، لا، وإنما يعطي جسمه ما يكون سبباً في قيامه، وفي نشاطه، وفي عبادة ربه. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فإن كان لا محالة»، ومعنى لا محالة: يعني إن كان لم يكتفِ الإنسان بلقيمات يقمن صلبه، فلا حرج عليه أن يزيد على ذلك، لكن هذه الزيادة تكون بمقدار ما هو هذا المقدار، بمقدار الثلث: «فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». فأنت تحتاج إلى أكل وشرب وهواء تتنفس. ولذلك الذي يملأ بطنه يشق عليه التنفس، تجده هكذا مثل البالونة يصعد ويرجع، لماذا؟ لأن الهواء ليس له متسع في بطنه، أملأها بالطعام والشراب. فإذا كان الإنسان لا محالة زائداً عن قدر ما يقيم الصلب، فيعطي بطنه من الطعام الثلث فقط، ويترك الثلث الثاني للشراب، والثلث الثالث للنفس. هذه هي وصية النبي عليه الصلاة والسلام، فحري بنا أن نعمل بهذا الهدي، وهذا الهدي النبوي، ونحذر أن تغرنا أنفسنا عندما يقدم لنا الطعام فنملأها، فيؤثر ذلك في صحتنا، وفي كذلك طاعتنا. فإن كثرة الطعام تثقل البدن، وإذا ثقل البدن عجز عن طاعة الله، عن الصلاة، عن قراءة القرآن، فيصيبه الفتور والكسل والنوم ونحو ذلك. وقد تنبه العلماء لذلك، حتى نبه على هذا في كتبهم نثراً وكذلك شعراً. فالإمام القحطاني رحمه الله في نونيته نبه على هذه المسألة وحذر من كثرة الأكل والطعام، ولا بأس أن نقرأ عليكم هذه الأبيات، فإنها تؤيد وتؤكد ما ذكر آنفاً في هذه المسألة. يقول الإمام القحطاني في نونيته: لا تحشُ بطنك بالطعام تسمنا ** فجسوم أهل العلم غير سمانِ لا تتبع شهوات نفسك مسرفاً ** فالله يبغض عابداً شهواني أقلل طعامك ما استطعت فإنه ** نفع الجسوم وصحة الأبدانِ واملك هواك بضبط بطنك إنه ** شر الرجال العاجز البطناني ومن استذل لفرجه ولبطنه ** فهما له مع ذا الهوى بطناني حسن التداوي في المجاعة والضمى ** وهما لفك نفوسنا قيداني أظمئ نهارك تروى في دار البلى ** يوماً يطول تلهف العطشاني حسن الغذاء ينوب عن شرب الدوى ** سيما مع التغليل والإدمانِ فينبغي أن تدار هذه النفس عند الأكل والطعام، أولاً تختار حسن الغذاء، تأكل من الطعام ما فيه فوائد ينتفع بها الجسد. ولذلك ماذا قال أهل الكهف: ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾، ما قالوا: أي طعام، قالوا: أزكى طعاماً، يعني أحسن وأنفع للجسم. فينبغي للإنسان إن كان ولا بد أن يأكل ويملأ ثلث بطنه أن يتخير من الطعام أحسنه، أن يتخير من الطعام أحسنه. ولذلك قال: حسن الغذاء ينوب عن شرب الدوى، تأكل قليلاً لكنه طعام نافع ومفيد، خير من الأكل الكثير الذي لا ينتفع منه الجسد، لا ينتفع منه الجسد. فالشاهد من هذا أن الإنسان، خصوصاً في رمضان، وهو طيلة نهاره ممسك عن الطعام، فإذا جاء الإفطار لعله ينسى نفسه فيملأها، فيؤثر ذلك على صحته، وعلى قلبه، وعلى عبادته. فينبغي للإنسان أن ينتفع بهذا. ولذلك ذكر العلماء أن من آداب الصيام ألا يمتلئ من الطعام في الليل، وكما ذكر: فإنه إذا ملأ بطنه عند الإفطار لم ينتفع ببقية ليله، وإذا ملأ بطنه عند السحور لم ينتفع بجزء كبير من نهاره. نعم، لأن كثرة الطعام كما تقدم تثقل الجسد والجسم، وهكذا تمرض القلب ونحو ذلك. فينبغي للصائم أن يراعي هذه المسألة، فقد نبه عليها العلماء، وقد سمعتم أن الحافظ عبد الغني المقدسي ذكر ذلك من آداب الصيام. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.