التعليق على مذكرة أحكام الصيام 10

الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 10، ألقاها

استحباب قراءة القرآن والدعاء عند الختم

يستحب الإكثار من قراءة القرآن لما فيه من أجر عظيم وسبب لاطمئنان القلب، كما يستحب ختمه والدعاء عند الختم. هذه الأمور تعين على زيادة الإيمان والاستفادة من خير الدنيا والآخرة.

فضل زيارة المرضى والقبور وتذكر الآخرة

يستحب زيارة المرضى والقبور وتذكر الموت والآخرة والجنة والنار، كما يستحب التفكر في آيات الله والزهد في الدنيا. هذه الأمور تزيد الإيمان وتعين على إصلاح العمل.

شرح حديث أبي هريرة وفضل خصال الخير

يشرح المقطع معنى الزهد الحقيقي وفضائل الجمع بين خصال الخير، مستشهداً بحديث أبي هريرة عن أبي بكر الصديق ودخوله الجنة. يُبين فضل الصيام واتباع الجنازة وعيادة المريض والصدقة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مولف رحمه الله في ذكره لما يستحب فعله للصائم وغيره. قال الحادي والأربعون: الإكثار من قراءة القرآن. فيستحب للصائم أن يكثر من قراءة القرآن، وهو أفضل الكلام وأفضل الحديث، ومن أصدق من الله قيل، ومن أصدق من الله حديث. وكذلك أيضاً لما في ذلك من الأجر والثواب العظيم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألف لام ميم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف». فقراءة القرآن فيه أجر عظيم، وكذلك أيضاً هو كلام الله جل وعلا، وأفضل الكلام وأحسن الكلام. وكذلك أيضاً قراءة القرآن سبب لإطمئنان القلب وزيادة الإيمان، كما قال الله جل وعلا: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾. وهكذا أيضاً أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن القرآن يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، قال عليه الصلاة والسلام: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه». وقال: «اقرأوا البقرة وآل عمران، فإنهم يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما يوم القيامة». قال الثاني والأربعون: الحرص على ختم القرآن، يعني قراءة القرآن كاملاً من الفاتحة إلى سورة الناس، فيختم القرآن وذلك حتى ينال أجر قراءة القرآن، وكذلك أيضاً حتى لا يكون هاجراً لكتاب الله، كما قال الله عز وجل: ﴿وقال الرسول يا ربي إن قوم اتخذوا هذا القرآن مهجوراً﴾. هجر القرآن بترك تلاوته وترك قراءته وترك حفظه وترك تدبره وترك تعلمه، فمن الهجر هجر تلاوته. هجر تلاوته هذا من الهجر إذا ترك الإنسان قراءة القرآن فيكون بذلك هاجراً لكتاب الله. لذلك يحرص على أن يختم القرآن وهو صائم أو غير صائم، يجعله ورداً يقرأ فيه من كتاب الله جل وعلا ما يتيسر. بل الذي ينبغي أن يحرص أن يختم القرآن ولو في شهر، هذا أقل مدة ينبغي أن يحرص أن يختم فيها القرآن أن يقرأ في اليوم جزءاً. وإلا الذي ينبغي أكثر من ذلك أن يختمه في كل أسبوعين أو في كل أسبوع. لكن إن قلت همته وقل نشاطه وكثرت مشاغله، فلا أقل أن يختمه في شهر. فكيف بمن لا يختم القرآن في السنة كلها، بل ربما حتى في رمضان ربما حتى في رمضان ما يقرأ القرآن كله، هذا من الهجر لكتاب الله جل وعلا. والسلف رضوان الله عليهم كانوا يحرصون على تلاوة القرآن وختم القرآن، منهم من يختم في ثلاث، منهم من يختم في أسبوع، منهم في أسبوعين، ومن قل نشاطه في شهر يختم القرآن في شهر. أما أن تمر عليه الشهور والسنون وهو لا يختم القرآن، وتمر على كتاب الله جل وعلا كله، هذا من الهجر لكتاب الله. قال الثالث والأربعون: الدعاء عند ختم القرآن بما يفتح الله عليك من خير الدنيا والآخرة. الدعاء عند ختم القرآن استحبه بعض أهل العلم، استحب أن يدعو الإنسان إذا ختم القرآن بما يتيسر من الدعاء من خير الدنيا والآخرة. وذكر بعض أهل العلم أنه سنة، لكن الناظر في هذا الأمر يجد أنه لم يثبت في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء، إلا أثر أنس موقوف عليه أنه كان إذا ختم القرآن دعا، رضي الله تعالى عنه. ولهذا قال بعض أهل العلم: إذا فعل ذلك الإنسان لا بأس، على ما صح عن أنس رضي الله عنه، لكن ليس فيه سنة مأثورة عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال الرابع والأربعون: زيارة المرضى، يعني مما يستحب زيارة المرضى أن يزور المسلم والصائم المريض. فزيارة المريض حق من حقوق المسلم على أخيه، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «حق المسلم على المسلم خمس»، وذكر منه: «إذا مرض فعده، إذا مرض فعده». ثم أيضاً فيها أجر عظيم، في حديث ثوبان أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من زار مريضاً غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، ومن زاره عشية صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح». وهي أيضاً تدخل السرور على المريض، وتخفف عليه من آلام المرض، وكذلك أيضاً ما قد يصيبه من الهم والحزن بسبب ذلك. في الزيارة فيها فوائد كثيرة. قال الخامس والأربعون: زيارة القبور، يستحب زيارة القبور لتذكر الآخرة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكر الآخرة». فزيارة القبور مشروعة لتذكر الآخرة، أن الإنسان يتذكر أول منزل سينزله بعد الموت، فيحثه ذلك على إصلاح العمل وإصلاح قلبه وإصلاح جوارحه، والاستعداد للرحيل من هذه الدنيا بترك الذنوب والمعاصي والإقبال على طاعة الله جل وعلا. وأيضا يدعو للموتى بالمغفرة والرحمة. قال السادس والأربعون: تذكر الموت والآخرة والجنة والنار، أي هذا مما يستحب للمسلم في سائر أحواله وأوقاته أن يتذكر الموت. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أكثروا ذكر هادم اللذات الموت». أكثروا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكر الموت، لأن الإكثار من ذكر الموت يقطع علاقة العبد بالدنيا وتعلقه بها، ويجعله يقبل على الآخرة ويعمل لأجلها، فلا يغتر بهذه الحياة الدنيا الفانية الزائلة المنتهية، ويعمل للحياة الباقية المستمرة الدائمة. وهكذا أيضاً تذكر الآخرة، يعني أهوال الآخرة وما فيها من أمور شديدة وأمور عظيمة أخبر الله جل وعلا بها وأخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا الجنة والنار يتذكر الجنة وما فيها من النعيم، فيحثه ذلك على المبادرة والمسارعة إلى فعل الخيرات وفعل الطاعات، ويتذكر النار وما فيها من العذاب الأليم، فيكون ذلك داعياً له إلى ترك المعاصي والذنوب والابتعاد عن المحرمات، فيصلح حال الإنسان في هذه الدنيا أو في سيره إلى الله جل وعلا. قال السابع والأربعون: التفكر في آيات الله المتلوة والكونية. في آيات الله المتلوة، أي القرآن، آيات الله الشرعية ما أنزل الله جل وعلا في كتابه من آيات عظيمة تدل على كمال الخالق سبحانه وتعالى في ذاته وفي أفعاله وصفاته وفي ألوهيته وربوبيته وفي خلقه وفي شرعه. وهكذا أيضاً التفكر في آيات الله الكونية، فيما خلق الله جل وعلا في هذا الكون من مخلوقات عظيمة تدل على عظمة الخالق جل وعلا، السماء والأرض والبحار والأنهار والجبال وغير ذلك من مخلوقات، الشمس والقمر. نعم، التفكر فيها مما يزيد الإيمان في قلب العبد، وكذلك أيضاً يزيد عظمة الخالق جل وعلا في قلب المؤمن، يعلم عظم هذه المخلوقات التي خلقها الله جل وعلا، فيعلم بذلك عظمة الخالق سبحانه وتعالى. قال ثامن والأربعون: الزهد في الدنيا. الزهد في الدنيا يعني ترك ما لا ينفع في الآخرة، الزهد في الدنيا ترك ما لا ينفع في الآخرة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فترك ما لا ينفع في الآخرة هذا هو الزهد، أن يترك الإنسان الشيء الذي لا ينفعه في الآخرة. أما ما يحتاج له في دنياه فهذا لا ينافي الزهد، لا ينافي الزهد. طيب كونه يلبس الثياب الحسنة أو يسكن في البيت الحسن الذي يعني هو لائق بمثله، أو يركب المركوب الحسن، هذا ليس مما ينافي الزهد. وإنما الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، الشيء الذي يضره في آخرته فإنه يتركه ويجتنبه. أو كذلك التوسع في باب المباحات، التوسع في باب المباحات هذا أيضاً مما ينافي الزهد. لكن كونه يأخذ ما يحتاج له في دنياه وفي أمور حياته ومعيشته فهذا لا ينافي الزهد. فحقيقة الزهد تعلق القلب بالآخرة، تعلق القلب بالآخرة والعمل للآخرة، وعدم التعلق بالدنيا. وإن كانت الدنيا في يد الإنسان ولم تكن في قلبه فهذا زاهد، هذا في الحقيقة زاهد. نعم، فليس الزهد أن يتظاهر الإنسان بالتقشف وبالفقر والمسكنة وقلبه مولع بحب الدنيا، وقبله مولع بحب الدنيا ويريد أن ينالها وأن يكون من أهلها، ليس هذا بزاهد. إنما الزهد حقيقة هو زهد القلب وقناعة القلب وتعلق القلب بالآخرة وقناعته بما آتاه الله جل وعلا. قال التاسع والأربعون: الزهد فيما عند الناس. الزهد فيما عند الناس يعني أن تزهد فيما عند الناس، فلا تطلب ما في أيديهم، لا تطلب ما في أيديهم، سواء كان ذلك باللسان أو كان باليد، بلسانك أن تسأل، وباليد أن تريد أن تنال ما في يدي غيرك، هذا لا ينبغي للإنسان أن يفعله. بل ينبغي أن يزهد فيما في أيدي الناس. وفي الحديث: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس». إذا زهدت فيما في أيدي الناس أحبك الناس، إذا رأوا أنك لا تحب ما في أيديهم ولا تعلق بذلك أحبك الناس. وإذا زهدت في الدنيا ولم تتعلق بها أحبك الله جل وعلا، لأنك ترضي الله جل وعلا وتريد ما عند الله سبحانه وتعالى. قال الخمسون: الجمع بين الخصال الأربعة التالية. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم اليوم صائماً؟» قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا. قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا. قال: «فمن دعا فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟» قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة». طيب هذه الخصال المذكورة ثلاث، صح: الصيام، واتباع الجنازة، وعيادة المريض. بقي الأمر الرابع وهو الصدقة. قال: «فمن تصدق منكم اليوم؟» قال أبو بكر: أنا. عنده نسخة أخرى فيها ذكر هذا. نعم، الخصلة الرابعة ذكر الصدقة. طيب قال: «فمن تصدق منكم اليوم؟» قال أبو بكر: أنا. هذه أربع خصال: الصيام، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، والصدقة. إذا حرص المسلم على أن يعمل بها ويجتمع في وقت واحد، طبعاً هذا لا يتأتى إلا إذا كان صائماً. إذا كان صائماً فإذا اجتمعت في امرئ دخل الجنة. لماذا؟ لأنه يدل على حرصه على الخير، يدل على حرصه على الخير. فهذا قد يتيسر في مثل هذا الشهر، لأنك تكون صائماً، فإذا حضرت جنازة وجدت جنازة تحرص على شهودها وحضورها، فلا يبقى عليك إلا الصدقة وعيادة المريض، تسأل من مريض تذهب تزوره وتتصدق بما يتيسر، فتجتمع عندك هذه الخصال الأربع التي قال فيها النبي عليه الصلاة والسلام: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة». إذا اجتمعت هذه الخصال الأربع في شخص فإنه يرجى له دخول الجنة. وهذا كما سمعنا لأنه يدل على حرصه على الخير، يدل على حرصه على الخير. وأبو بكر رضي الله عنه كان ممن يحرص على الخير، المسابقة في فعل الخير. ولهذا اجتمعت هذه الخصال فيه، وهو رضي الله عنه أفضل هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، وأيضاً من أهل الجنة ممن شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة، فهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، رضي الله تعالى عنه وعن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على