الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 57، ألقاها
تناول الشيخ أحكام صلاة التراويح، مثل جواز صلاتها بعد العشاء إذا جمعت مع المغرب لعذر، وجواز القراءة من المصحف للإمام غير الحافظ. كما تطرق إلى أحكام الصلاة في رمضان.
ناقش المقطع أحكام الصيام في رمضان، مثل حكم صيام يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يثبت هلال رمضان، ووجوب الصيام إذا ثبت الهلال بواحد عدل، وعدم اعتبار الحساب الفلكي.
تطرق المقطع إلى أحكام الصيام على المرأة الحامل والمرضع والمريض، وكيفية التعامل مع بداية ونهاية رمضان، وحكم من يفطر بسبب مرض ثم يتوفى قبل القضاء.
ناقش المقطع حكم قضاء الصوم على الميت، حيث لا يجب قضاء الصوم غير الواجب أو إطعام بدلاً عنه بعد الوفاة، لأن هذه الأحكام تنطبق فقط على الصوم الواجب.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ محمد الوهاب رصاب رحمه الله في كتاب مذكرة في أحكام الصيام، في ذكر الفتاوى. قال الفتاوى الحادي والثلاثون: لا بأس بصلاة التراويح بعد صلاة العشاء إذا جمعت مع المغرب من أجل عذر شرعي يبيح الجمع، لعدم المانع من ذلك إذا جمعت العشاء مع المغرب -يعني جمع تقديم- فيجوز أن تصلى بعدها التراويح؛ لأنها إذا قدمت صلاة العشاء وجمعت مع المغرب يكون حينئذ قد دخل وقت العشاء بحق من صلاها، فيجوز له أن يصلي التراويح والوتر بعد صلاتها إذا كان هذا الجمع لعذر شرعي يبيح الجمع، كالسفر أو المطر أو نحو ذلك من الأعذار. ومثله كذلك أيضا إذا كان الإنسان مسافرا وجمع العشاء مع المغرب، هل له أن يصلي الوتر بعد صلاة العشاء؟ الجواب: نعم، له أن يصلي الوتر؛ لأن وقت العشاء قد دخل في حقه. قال الثاني والثلاثون: لا مانع أن يقوم الإمام لصلاة التراويح بعد الفراغ من صلاة العشاء وراتبتها، ولو كان هناك جماعة يصلون؛ لأنهم قد فاتتهم صلاة العشاء مع الإمام، وله من يصلوا مع الإمام الذي يصلي التراويح، وهم بنية صلاة العشاء، فإذا سلما قاموا وأتموا لأنفسهم، أو يصلوا جماعة وحدهم في مكان لا يكون فيه تشويش عليهم ولا على الإمام. هذا الجواب وهذه الفتوى في قيام الإمام لصلاة التراويح مع وجود من يصلي صلاة العشاء، يعني جاءوا ناس متأخرون وقد انتهت صلاة العشاء، فصلى الإمام ومن صلى معه راتبة العشاء، ثم أرادوا أن يصلوا التراويح، وهناك من يريد أن يصلي صلاة العشاء، هل يجوز أن يقيم صلاة التراويح مع وجود جماعة تريد أن تصلي العشاء؟ الجواب: نعم، له أن يصلي بمن معه التراويح، ويصلي أولئك صلاة العشاء؛ لأن هؤلاء يصلون نافلة، وأولئك يصلون فريضة، ويجوز لهؤلاء المتأخرون أن يصلوا صلاة العشاء مع الإمام، ولو كان يصلي التراويح، فهم يصلون بنية العشاء والإمام يصلون بنية التراويح، ويجوز أن تختلف النية في صلاة الجماعة، ثم إذا سلم الإمام قاموا وقضوا ما عليهم من ركعات. قال ثلاثون: القراءة في المصحف في صلاة التراويح لا بأس بها إذا كان الإمام غير حافظ، وقد ثبت ذلك عن جماعة من السلف. القراءة في المصحف في صلاة التراويح إذا كان الإمام غير حافظ فلا بأس أن يقرأ من المصحف، وإن كان الأولى أن يقرأ من حفظه هذا إن تيسر، وإن لم يتيسر أن يكون حافظا فلا بأس أن يصلي ويقرأ من المصحف، وقد ثبت ذلك كما ذكر بالفتوى عن جماعة من السلف فعل ذلك. وهناك من العلم أن يرى بطلان الصلاة لمن قرأ بالمصحف، كما ذهب إلى ذلك ابن حزم رحمه الله، لكن هو قول خلاف الصواب، فلا يصل الحد إلى بطلان الصلاة إذا صلى بالمصحف، وإن كان هناك يعني شيء من المشغلة ستكون للإمام، لكن هذه تغتفر؛ لأنه في مصلحة الصلاة، ولأجل أن يقرأ الإمام شيئا من القرآن يصلي به بالناس. وعلى أنه ينبغي للإمام كذلك أن يشتهد في حفظ القرآن، أن يشتهد في حفظ القرآن أو ما يتيسر من حفظ القرآن حتى يصلي به في الناس، وليحتاج إلى حمل المصحف للقراءة به في صلاة القيام. قال الرابع والثلاثون: إقامة وليمة عشاء للمصلين بعد ختم القرآن في صلاة التراويح هذا عمل لا دليل عليه من السنة، فالأولى تركه. ربا بعض الناس أنهم يفعلوا وليمة إذا انتهوا من ختم القرآن في صلاة التراويح، فعلوا وليمة عشاء بمناسبة ختم القرآن، وهذا العمل ما عليه دليل من السنة، ما فعله السلف رضوان الله عليهم، فلهذا يترك. قال الخامس والثلاثون: من فاتته ركعة بصلاة التراويح مع الإمام فإنه يقضيها بعد سلام الإمام، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا». قال سادس والثلاثون: لا يجوز للمسلم صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم تثبت رؤية الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، إلا أن يوافق صومه إياه صوما كان يصومه، مثل عادته صوم يوم الاثنين أو الخميس فيوافق ذلك يوم الثلاثين، فله صومه. أما كون لا يجوز صوم يوم الثلاثين من شعبان لحديث عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما في السنن: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم» وهو يوم الثلاثين من شعبان. وأما إن كان موافقا لصوم كان يصومه فلحديث أبي هريرة وغيره من الصحابة رضي الله عنهم: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان له صوم يصومه فليصم ذلك اليوم» يعني إذا وافق يوم الثلاثين عادة كان يصومها من قبل كالاثنين والخميس فله أن يصومه. قال سابع والثلاثون: الواجب صيام رمضان إذا ثبتت رؤية الهلال ولو بواحد عدل من المسلمين، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصيام عندما شهد الأعرابي برؤيته الهلال. وأما الاستدلال بحديث «صوموا لرؤيته» على أن كل فرد لا يصوم إلا برؤية نفسه فغير صحيح؛ لأن الحديث خطاب عام للصيام عند تحقق الرؤية ولو من واحد عدل من المسلمين. نعم، يثبت دخول رمضان برؤية الهلال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته». وهل يجب على يعني جميع المسلمين أن يروا الهلال حتى يصوموا؟ الجواب: لا، فلو رأاه واحد عدل قبلت شهادته برؤيته، صام جميع المسلمين على رؤيته، هذا الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام كما في أثر ابن عمر في السنن: «فرأى الناس الهلال فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه». فصيام رمضان إما أن يكون برؤية الواحد العدل أو بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما، أو كذلك أيضا بإخبار الثقة بدخول رمضان إذا أعلن عن ذلك من قبل ولي الأمر، فإنه يصام. وليس المقصود من قوله عليه الصلاة والسلام «صوموا لرؤيته» أن كل فرد من المسلمين يجب عليه أن يرى الهلال، لكن المقصود هو تحقق ثبوت الهلال ولو برؤية واحد عدل. وهكذا أيضا الفطر من رمضان يكون بالرؤية، لكن لا بد من رؤية رجلين عدلين. قال الثامن والثلاثون: لا يجوز طاعة الوالدين في الإفطار في نهار رمضان؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. يعني لو أن الوالدين أو أحدهم أمر بولدهما بالإفطار فلا يطاع، لا يطاعان في ذلك، إنما الطاعة بالمعروف، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. لو كان مثلا الوالد أو الوالدة كافرة والولد مسلم وأمر بالإفطار فإنه لا يطيع، ما إنما الطاعة بالمعروف، أو يكون مسلما لكنه عاص مثلا مقصر ربما يفطر ولا يبالي فيأمر ولده بالإفطار، فإنه لا يطيع، ليس له طاعة في هذا. قال التاسع والثلاثون: لا يعتبر بالحساب الفلكي في الصيام، بل المعتبر في ذلك هو رؤية الهلال، فإن لم ير فإكمال شعبان ثلاثين يوما. وهكذا القول في هلال شوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق الحكم بالرؤية «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، فالحساب الفلكي ليس له اعتبار، فإذا لم ير الهلال أكملنا الشهر ثلاثين. في دخول رمضان لم نر هلال رمضان في ليلة الثلاثين أكملنا شعبان ثلاثين يوما ثم صمنا بعده اليوم الذي بعده. وهكذا في إخراج رمضان في ليلة الثلاثين إذا لم نر الهلال شوال أكملنا رمضان ثلاثين ثم اليوم الذي بعده أول أيام شهر شوال. قال الأربعون: الشهر العربي لا ينقص عن تسعة وعشرين يوما ولا يزيد عن ثلاثين يوما كما قال نبي عليه الصلاة والسلام: «إن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا»، ومرة قال: «وهكذا» يعني ضم أحد أصابعه أي تسعة وعشرين أو ثلاثون، فلا ينقص عن تسعة وعشرين يوما ولا يزيد عن ثلاثين يوما. فلو أخطأ المسلمون مثلا فصاموا ثمانية وعشرين يوما فإنهم يقضون يوما، ولا يمكن أن يزيد عن ثلاثين يوما. قال الحادي والأربعون: يجب الصيام على المرأة الحامل إلا أن تخاف الضرر على نفسها أو على حملها، فإنها تفطر وتقضي من أيام أخر. لكن إن كان الفطر خوفا على الحمل فقط فإنها تقضي وتطعم عن كل يوم مسكينا. هذه الفتوى في وجوب الصيام على المرأة الحامل إلا إذا خافت على نفسها الضرر أو على حملها فإنها تفطر وتقضي أياما أخر. على أن ظاهر حديث أنس بن مالك الكعبي هو عدم وجوب الصيام عليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم، وعن الحامل والمرضع الصوم». وضع إيش؟ وضع الوجوب، وضع وجوب الصيام، فالمسافر لا يجب عليه الصيام لا يجب عليه الصيام وإن كان لا مشقة عليه في الصيام، وقرن النبي عليه الصلاة والسلام هذا الحكم بالمسافر بالحامل والمرضع، معنى أنه لها أن تفطر وإن كان لا يشق عليها الصيام، فهي في حقها لا يجب عليها أن تصوم لسبب الحمل، إما لكون قد يشق عليها أو تخاف على جنينها. وكذا أيضا المرضع، فيكون الصوم في حقها ليس بواجب وإن صامت أجزأها ذلك إذا لم يشق عليها. هذا والله أعلم ظاهر الحديث. فإذا أفطرت فإنها تقضي أياما أخر. يقول: لكن إن كان الفطر خوفا على الحمل فقط فإنها تقضي وتطعم عن كل يوم مسكينا، إن كان الفطر خوفا على الحمل فقط يعني أفطرت خوفا على حملها ليس على نفسها. قالوا: هنا تفطر وتقضي وتطعم، القضاء مقابل الفطر، والإطعام لأنها أفطرت لأجل غيرها، أفطرت لأجل غيرها وهو الحمل أو المرضع. هذا القول قال به بعض السلف، واستدل به بأثر ابن عباس أنه أفتى بذلك. هنا قول آخر بأنه لا يلزم الحامل والمرضع إذا أفطرت إلا القضاء فقط، لا يلزمها إلا القضاء، وهذا أصح لحديث أنس بن مالك الكعبي «وضع عن الحامل والمرضع الصوم»، والمسافر لا يجب عليه إذا أفطر إلا القضاء، وكذلك الحامل والمرضع إذا أفطرتا فإنه لا يجب عليهما إلا القضاء. وثبت عن ابن عباس كذلك أنه أفتى بذلك، أفتى بوجوب القضاء فقط. فابن عباس له قولان: قول بالإطعام إذا أفطرت لأجل حملهما أو جنينهما، وقول آخر أنه ليس عليهما إلا القضاء فقط، كما في مصنف عبد الرزاق. وحينئذ يؤخذ بالقول الثاني؛ لأنه هو الذي يؤيده الدليل «فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر». قال الثاني والأربعون: من كان مريضا في رمضان واستمر به المرض حتى مات بعد رمضان فلا قضاء عليه ولا كفارة. إذا كان الإنسان مريضا ما استطاع أن يصوم بسبب المرض واستمر به المرض حتى مات بعد رمضان، انتهى رمضان ودخل شوال وهو ما زال مريضا ثم مات ولم يشف من هذا المرض، هل يقضى عنه أو يكفر ويطعم؟ الجواب: لا، ليس عليه قضاء ولا إطعام؛ لأن الصوم في حقه ليس بواجب، فلا يقضى عنه ولا يكفر عنه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.