الدرس في التعليق على الجواب الكافي 75، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المعصية تنزل بصاحبها إلى أسفل السافلين وتؤثر على مكانته، بينما ترفع الطاعة صاحبها إلى العلية. الإنسان يتأثر بفعل المعصية أو الطاعة.
الكلمة الواحدة يمكن أن ترفع العبد درجات أو تنزله إلى أسفل، وقد تكون سببًا في ارتداده عن دين الله أو نزوله إلى درجات سحيقة في النار.
النزول في درجات الإنسان يعتمد على نية العبد وتوبته، والتوبة النصوح ضرورية لعودة الإنسان إلى درجته أو تجاوزها.
أثيرت مسألة العودة إلى الدرجة السابقة بعد التوبة وذكر أنها ستتم مناقشتها في درس لاحق، مع الإشارة إلى أن الله تعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: فصل، ومن عقوبات المعصية أنها تجعل صاحبها من السفلة بعد أن كان مهيأ لأن يكون من العلية، تجعل صاحبها من السفلة على درجة السفلة، أسفل السافلين. فهناك درجة السفلة درجات، ولهذا الكفار هم في أسفل السافلين، والمعصية تنزل العبد إلى درجة السفلة بعد أن كان مهيأ لأن يكون من العلية. قال: فإن الله خلق خلقه قسمين: علية وسفلة، وجعل عليين مستقر العلية، وأسفل سافلين مستقر السفلة، وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة، وأهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة. ولهذا تجد أن الله عز وجل يقول -في ذكر الكفار-: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، فدرجة السفلة أو السفلة هي درجة أهل النار، وتكون دركات ودرجات، كما أن العلية درجات أهل الجنة. قال: كما جعل أهل طاعته أكرم خلقه علية، وأهل معصيته أهون خلقه سفلة، وجعل العزة لهؤلاء، والذلة والصغار لهؤلاء. كما في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري». هذا الحديث قد تقدم، قلنا: إنه رواه حسان بن عطية، واختلف فيه واختلف عليه. فرواه الأوزاعي عن حسان بن عطية، عن ابن منيب الجرشي، عن عبد الله بن عمر، وهذا إسناد لا بأس به، إلا أن الأوزاعي قد رواه واختلف عليه. فرواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي بنفس الإسناد: حدثنا حسان بن عطية، حدثنا ابن منيب، عن عبد الله بن عمر. ورواه ابن المبارك وأيضا غيره عن الأوزاعي، فقالوا: عن سعيد بن جبلة، عن طاوس، عن النبي عليه الصلاة والسلام -معناه أنه مرسل-، لهذا رجح الإمام أبو حاتم في العلل أنه مرسل. قال: فكلما عمل العبد معصية نزل إلى أسفل درجة، ولا يزال في نزول حتى يكون من الأسفلين. وكلما عمل طاعة ارتفع بها درجة، ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من الأعلين. وقد يجتمع للعبد في أيام حياته الصعود من وجه والنزول من وجه، يعني: يكون له طاعات ترفعه درجات، وتكون له معاصي تنزله درجات. وأيهما كان أغلب عليه كان من أهله. فليس من صعد مئة درجة ونزل درجة واحدة كمن كان بالعكس. أنا صعد مئة درجة -مثل الشهيد أو الذي يقاتل في سبيل الله- يصعد درجات كثيرة. وأيضا كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم -كما سيأتي-: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، يرفعه الله بها درجات». أن درجات كثيرة يرفعه الله عز وجل، وقد ينزل درجة عنده معصية تنزله إلى الأسفل، لكن هذه الدرجات الكثيرة أو هذه الدرجة لا تجزي شيئا مع الدرجات العظيمة. ولهذا الأعمال الصالحة الكبيرة -الحج والجهاد في سبيل الله- وكذلك المحافظة على الفرائض وقيام الليل وغيرها، هذه الأشياء ترفع العبد درجات كثيرة، قد لا تضره شيء من الصغائر وغيرها؛ لأنها تنزله درجات قليلة. بخلاف المعاصي الكبيرة، فإنه ترجعه إلى أسفل -معناه: تنزله درجات كثيرة-، وهذا قد يؤثر عليه، وهذا قد يؤثر على حسناته. قال: ولكن يعرض لهذا للنفوس غلط عظيم، وهو أن العبد قد ينزل نزولا بعيدا -أبعد مما بين المشرق والمغرب ومما بين السماء والأرض- فلا يفي صعوده ألف درجة بهذا النزول الواحد. ولو صعد صعد درجات كثيرة، لكن يأتي هذا النزول وينزله نزولا عظيما -أي: ما بين المشرق والمغرب-، انظر إلى هذه المسافة العظيمة. فهذا النزول معناه ينزله درجات كثيرة إلى أسفل، قد لا يفي صعوده إلى ألف درجة -رفعه الله عز وجل ألف درجة- فجاء بهذا الشيء الذي ينزله إلى ما بين المشرق والمغرب، فألف الدرجة لا تفي شيئا عند هذا. وهذا كلام عظيم من الإمام ابن القيم رحمه الله يوضح كيف يكون الإنسان مع الحسنات والسيئات. قال: كما في الصحيح -أي: في الصحيحين- عن النبي عليه الصلاة والسلام -رواه عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة- في الصحيحين في البخاري ومسلم أنه قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة الواحدة لا يلقي لها بالا، يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب». انظر: كلمة واحدة يتكلم بها يزل بها في النار، ويلقى بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب -معناه: ينزل إلى أسفل كثيرا-. ولا يقول مثل العبد أنها كلمة واحدة أنزلته إلى هذه المنزلة، بل قد تكون هذه الكلمة تجعله مرتدا عن دين الله -أنها كلمة واحدة يخرج بها من دين الله عز وجل-، فلهذا فإن العبد ينبغي أن يحاسب نفسه على الكلام الذي يخرجه. بعض الناس مثلا إذا غضب تكلم بكلام لا يعي ما يقول، أو أنه يخرج كلمات قد تكون كفرا، وقد تكون أيضا كلاما كبيرا عظيما ينزل ذلك العبد إلى أبعد ما بين المشرق والمغرب. قال: فأي صعود يوازي هذه المنزلة؟ أي صعود هذا الذي يوازي هذا الذي يكون ما بين المشرق والمغرب؟ قال: والنزول أمر لازم للإنسان واقع فيه، لا بد أنه سينزل درجات معصية مثلا، عنده مثلا شيء من هذه الذنوب الصغائر، وكذا تنزله، وهذا حال الإنسان. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث قدسي: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم». قال: ولكن من الناس من يكون نزوله إلى غفلة، فهذا متى يستيقظ من غفلته عاد إلى درجته أو إلى أرفع منها بحسب يقظته. وهذا إذا كانت توبة، أما إذا كان مثلا ترك الذنب هذا الذي أوقعه وأسقطه في الغفلة لأجل العجز وليس لأجل التوبة، فهذا ما سيخرج من الدرجة التي نزل بها. فلهذا من كان نزوله إلى غفلة كان هذا أعظم. فإذا استيقظ وتاب ورجع ممكن أنه يرجع إلى درجته التي كان فيها أو إلى ما هو أعلى منها وأرفع. ولكن النزول إلى الغفلة هذا شيء قد يضره. وفي حديث عياض بن عبد الرحمن الحملي، عن عبد الله بن عمر بن العاص أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لكل شرة فترة، ومن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى». وجاء في رواية: «لكل عام فترة وشرة عن النشاط، وفترة». فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى -معنا: ترك سنة ورجع إلى سنة أخرى- هذا لا زال في الشرع. ومن كانت فترته إلى غير ذلك -أي: إلى ما هو مخالف للسنة- إلى غير ذلك فقد هلك. فلهذا بعض المعاصي ترضي العبد إلى الغفلة، إلى الابتعاد عن الله، فمتى يستيقظ هذا الغافل إلا أن يشاء الله. قال: ومنهم من يكون نزوله إلى مباح لا ينوي به الاستعانة على الطاعة، يعني: يكفي أمور الدنيا، لكن معنا يترك بعض الطاعات التي كان عليها مداومة -كان على العلم، على الحلقات، على حلقة القرآن- ثم تركها لأجل مثلا أمور صادفته من أمور الدنيا، ولم يكن في ذلك ينوي الاستعانة على الطاعة بهذه الأمور. فإن النية لها أثر، قد يكون الإنسان ينشغل بأمور دنيوية لكنه ينوي بها الاستعانة على طاعة الله عز وجل. فهذا متى رجع إلى الطاعة فقد يعود إلى درجته، وقد لا يصل إليها لما عن الدرجة الأولى التي قد نزل منها، وقد يرتفع عنها؛ فإنه قد يعود أعلى همة مما كان، وقد يكون أضعف همة، وقد تعود همته كما كانت. قال: ومنهم من يكون نزوله إلى معصية -ثم صغيرة أو كبيرة- فهذا قد يحتاج في عودته إلى توبة نصوح وإنابة صادقة. ثم ذكر رحمه الله مسألة: هل يعود بعد التوبة إلى درجته التي كان فيها أو لا؟ فهذا إن شاء الله تعالى نذكر في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.