التعليق على الجواب الكافي 74

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 74، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في أثر المعاصي على البركة

المعاصي تمحق بركة العمر والرزق والعلم والعمل، وتذهب بركة الدين والدنيا. بينما تقوى الله وطاعته سبب للبركة في السماء والأرض.

البركة والطاعة والرزق المكتوب

الرزق مكتوب لكل نفس قبل ولادتها، والطاعة مهمة لنيل الخير والبركة من الله. البركة في العمر تأتي من الطاعة وصلاح العمل.

تأثير المعاصي والطاعات على العمر والبركة

المعاصي تمحق البركة من العمر وتؤدي إلى عدم التوفيق للطاعة، بينما الطاعة تزيد البركة في العمر والرزق. الله يبارك لمن يطيع ويذهب البركة عن من يعصيه.

ختام الدرس وتأكيد استمرار العلم

الدرس يتم اختتمه بالتأكيد على استمرار الكلام في درس لاحق، ويذكر أن العلم بيد الله تعالى. يتم التأكيد على أهمية ما سبق ذكره.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «الجواب الكافي»: فصل، ومن عقوباتها أنها تمحق بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم، وبركة العمل، وبركة الطاعة. قالوا: بالجملة تمحق بركة الدين والدنيا، أي: المعاصي، فلا تجد أقل بركة في عمره ودينه ودنيا ممن عصى الله. وما محق البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق. قال الله عز وجل: ﴿لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَلُّوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. قالوا: إن العبد لا يحرم الرزق بالذنب يصيبه، قد تقدم هذا أنه حديث، لكنه لا يصح. لكنه صحيح من ناحية الأدلة العامة، فالبركة -وهذا قد تقدم- شيء من معناه، فالبركة هي زيادة الخير ودوامه. فإذا قابل الناس النعم بالطاعات، فإن الله عز وجل يديم هذه النعمة ويبارك فيها. وإذا قابلوا هذه النعمة بالمعاصي، فإنها سرعان ما تذهب هذه البركة. والبركة في العمر، أو في الرزق، أو في العلم، أو في العمل، المراد بهذا ما هو الخير في ذلك الشيء. فلهذا ليس المراد عندما يقال: مثلا بركة الرزق كثرته فقط، قد يكون الإنسان عنده كثرة أموال، وكثرة أعراض من أعراض الدنيا، لكن ليس فيه بركة، ما يستفيد من هذا. والمراد: ليس فيه بركة، أي: لا يستفيد من هذه الأموال، أكثرها يذهب إما في الحرام، وإما في ما لا فائدة فيه، فلا يستفيد من هذه الأموال التي معه. وكذلك بركة العلم تذهب، بركة العلم بعدم الاستفادة من ذلك العلم، لا يعمل به، ولا يبلغ. وكذلك أيضا بركة العمل تذهب أيضا، بأنه لا يجد الحلاوة التي في طاعة الله جل وعلا، ويجد أيضا استثقالا في العمل، فهذا أيضا من ذهاب البركة. فلهذا في المعاصي تمحق بركة الدين والدنيا. وكما قال الله عز وجل: ﴿لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. ولكن كالدواء، فهذا من الله عز وجل يبين أن تقوى الله -وهي طاعة سبحانه وتعالى- سبب من الأسباب العظيمة في البركة في السماء والأرض. كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَلُّوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. وبالمقابل، قال جل وعلا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾. فظهر الفساد في البر والبحر -الفساد كما قرره شيخ الإسلام وغيره- أنه ذهاب البركة، ذهاب البركة، لما ظهر الفساد، أي: البركة ذهبت بسبب المعاصي والمخالفات. ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. ولهذا لما ترجع الأمور إلى الطاعة، ترجع بركة الأرض، وترجع أيضا بركة الدنيا كلها. كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في آخر الزمان، في نزول نبي الله عيسى عليه السلام، وكذلك المهدي وغيره. قال في الحديث: «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتق الله وأجمل في الطلب، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعة». وهذا الحديث قد تقدم معنا، وأنه حديث صحيح، جاء من حديث جابر بن عبد الله، وجاء من حديث عبد الله بن مسعود، وجماعة، وجاء عن جابر من طرق، جاء من طريق محمد بن إسحاق، وبالزبر بن عبيد، وغيرهم ممن روى عن جابر هذا الحديث. والحديث صحيح، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن النفس لن تموت حتى تستكمل رزقها الذي كتبه الله عز وجل لها. فإنه كما أخبر عليه الصلاة والسلام أن العبد يكتب رزقه وهو في بطن أمه، يكتب رزقه وهو في بطن أمه. فلهذا فالرزق مكتوب قبل أن يولد العبد، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها. وربنا جل وعلا ذكر لكل نفس رزقا مكتوبا، فلا تموت هذه النفس حتى تستكمل رزقها. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعة». لا ينال ما عند الله من البر، من الخير، وأيضا كذلك من النعيم إلا بطاعة سبحانه وتعالى، لا ينال بالمعصية، وإنما المعصية تذهب بركة ذلك الشيء. قال: «وإن الله جعل الغنى والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط». هذه الزيادة، هذه الزيادة، منفرة، ضعيفة، صحيحة جاءت في بعض روايات الجابر، لكنها لا تصح. قالوا: قد تقدم الأثر الذي ذكره أحمد في كتاب الزهد، بقوله: «إن الله إذا رضي عنك أردت، ليس لبركتي منتهى، وإذا قضب عليك لعنتي تدرك السابع من الولد». وهو أثر، معنى من الآثار التي جاءت عن بعض السلف، لكنه ليس حديثا، قد يكون في بعض الكتب المتقدمة. قال: وليس ساعة الرزق والعمل بكثرته، ولا طول العمر بكثرة الشهور والأعوام، ولكن ساعة الرزق والعمل بالبركة فيه. ولهذا «خيركم من طال عمره وحسن عمله، وشركم من طال عمره وساء عمله». فالبركة في العمر هو الخير والطاعة. أنا دخل فلان، بارك الله في عمره، ليس معنى أنه كبر كثيرا، فالأفضل أن تقال هذه إنما فيمن أطاع الله. وأما من كان شقيا، كان بعيدا عن الله، وقد أطال الله في عمره، فهو خزي على ما هو عليه. وكذلك أيضا شر، وليس فيه بركة. قال: وقد تقدم أن عمر العبد هو مدة حياته، ولا حياة لمن أعرض عن الله واشتغل بغيره، بل حياة البهائم خير من حياته. فإن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه، ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره ومحبته وعبادته وحده. من يعرف الله عز وجل ويعبده حق عبادته، والإنابة إليه، والطمأنينة بذكره، والأنس بقربه. ومن فقد هذه الحياة، فقد الخير كله، ولو تعوض عنها بما تعوض مما في الدنيا. قال: بل ليست الدنيا بأجمعها عوضا عن هذه الحياة. فمن كل شيء يفوت العبد عوض، وإذا فات الله لم يعوض عنه شيء. البدر، وكيف يعوض الفقير بالذات عن الغني بالذات؟ أن العبد في العبد أنه فقير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. قالوا: العاجز بالذات عن القادر بالذات، والميت عن الحي الذي لا يموت، والمخلوق عن الخالق، ومن لا وجود له ولا شيء له من ذاته، عن من غناه وحياته وكماله ووجوده ورحمته من لوازم ذاته. وكيف يعوض من لا يملك مثقال ذرة عن من له ملك السماوات والأرض؟ فهذه بعض الأشياء التي ذكرناها، نؤلف في محط البركة التي تجعلها هذه المعاصي والاستمرار فيها والمخالفات، فإنها تمحق البركة من العمر. فأمحق البركة من العمر: أنه لا يوفق إلى طاعة الله في آخر عمره. ولهذا من الذين لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، لا زال على معصية الله جل وعلا. وقد جاء في الصحيحين حديث بن فرير: «قد أعذر الله إلى عبد أخر أجله إلى ستين سنة»، أن أعذر الله، أي: أقام الله عز وجل عليه، قد جاء، فلا عذر له. لكن الذي تعود المخالفات، فإنها تقطع عليه القرير. وكذلك أيضا دخوله في وقت حاجته إلى ذلك. أن بعض الناس الآن يقول: إذا كبرت، وإذا عجزت، سأجلس في المساجد، أما الآن سأتمتع بشبابي، سأفعل كذا وسأفعل كذا. ويظن أن نفسه هو الذي يملكها. فتجد أنه في سني، أو قد بلغ السبعين وأكثر، وهو لا زال ماكثا على معاصي الله عز وجل. ولهذا كما تعلمون، قد ذكر كثير من العلماء بعض القصص التي حصلت لبعض الناس، بعضهم قد بلغ الثمانين، قد بلغ أكثر، قد سقط حاجبه وهو يغازل النساء. أنا في ذلك العمر وهو يغازل النساء، تجد أيضا حتى في الواقع، تجد بعض الناس تربى على المعصية، تربى على المخالفات، ابتعد عن الطاعة، تجد أيضا وهو كبير، أيضا كذلك، ما تجده في المسجد أحيانا إلا لصلاة الفرض، يخرج، وغيرها من هذه الأمور التي قد تلاحظ في الواقع. فإن الله عز وجل لا يظلم أحدا سبحانه وتعالى. فمن عود نفسه على الطاعة، فإن الله عز وجل يوفقه، ويبارك له عز وجل في عمره، وفي رزقه، وفي غيره مما يعطيه الله عز وجل. وأما من خالف ربه سبحانه وتعالى، فإن الله يذهب عنه البركة، يذهب عنه البركة في العمر، وفي الرزق، وفي غيرها من الأمور. فهذا معنى كلام المؤلف رحمه الله. بقي كلاما إن شاء الله وتعالى نتركه لدرس لاحق، فنكتب بهذا والله تعالى أعلم.