التعليق على الجواب الكافي 73

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 73، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عقوبة المعاصي وأثرها على العلاقة بين العبد وربه

المعاصي تسبب القطيعة بين العبد وربه، مما يؤدي إلى انقطاع الخير واتصال الشر. يترتب على ذلك عذاب شديد نتيجة لابتعاد العبد عن الهداية وتأثير الشيطان عليه.

خطورة اتخاذ الشيطان وليا وآثار الموالاة والمعاداة

اتخاذ الشيطان وليا يؤدي إلى البعد عن الله واتباع الشر. يجب على المسلم معاداة أعداء الله وموالاة أوليائه ليكون في كنف الله ورحمته.

معنى القطيعة في الأحاديث النبوية وتفسيرها

القطيعة في الأحاديث تعني اللعن والطرد من رحمة الله، مما يدل على شدة العقوبة لأفعال معينة. يشير هذا إلى أهمية تجنب الأفعال التي تؤدي إلى هذه العقوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل، ومن أعظم عقوباتها أنها توجب القطيعة بين العبد وبين ربه، وإذا وقعت القطيعة انقطعت عنه أسباب الخير، واتصلت به أسباب الشر. فأي فلاح وأي رجاء وأي عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير، وقطع ما بينه وبين وليه ومولاه الذي لا غنى عنه طرفة عين، ولا بدل له منه، ولا عوض له عنه، اتصلت به أسباب الشر، ووصل ما بينه وبين أعدى عدو له، فتولاه عدوه وتخلى عنه وليه. فلا تعلم نفس ما فيه هذا الانقطاع والاتصال من أنواع الآلام وأنواع العذاب. يذكر لبعض كلام ابن القيم رحمه الله أن من أعظم عقوبات المعاصي أنها توجب القطيعة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى. فهذه القطيعة هي بمعنى اللعن أيضا، يقطعه الله عز وجل، وإذا قطعه الله عز وجل معنى ذلك أنه قطعت عنه أسباب الخير. ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. فإذا قطع عن الله وقطعه الله عز وجل وطرده، فمعنى ذلك أن الشياطين تتولاه. فأي عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير، وقطع ما بينه وبين وليه ومولاه سبحانه وتعالى الذي لا غنى عنه طرفة عين. ولهذا جاء في الحديث الذي أخرجه ابن ماجة وغيره، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم علم ابنته فاطمة أن تقول إذا أصبحت وإذا أمست: اللهم برحمتك أستغيث، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين. فإذا وكل الإنسان إلى نفسه هلك، وإذا كان الله هو حافظه ومعينه فإنه ينجو بإذن الله. فهذا الذي يتمادى في المعاصي فإنه يجعل القطيعة بينه وبين ربه سبحانه وتعالى. فإذا وقعت القطيعة قطعت عنه أسباب الخير. كما قال ابن القيم: وأي عيش لمن قطعت عنه أسباب الخير، وقطع ما بينه وبين وليه ومولاه الذي لا غنى عنه طرفة عين، ولا بدل له منه، ولا عوض له عنه، واتصلت به أسباب الشر. وفي الحديث الصحيح، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: أنا الرحمن، شققت الرحم من اسمي. وجاء في الحديث الآخر: أن الرحم قامت فقالت: يا رب، هذا مقام العائد بك. فقال الله عز وجل: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ كما قال الله عز وجل: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾. أي: قطعهم الله وطردهم، فأي خير بعد ذلك لهم؟ قال: فلا تعلم نفس ما في هذا الانقطاع والاتصال - الانقطاع عن الله والاتصال بالشياطين وغيرهم من أهل الشر - من أنواع الآلام والعذاب. قال بعض السلف: رأيت العبد ملقى بين الله سبحانه وبين الشيطان، فإن أعرض الله عنه تولاه الشيطان، وإن تولاه الله لم يقدر عليه الشيطان. وقد قال الله عز وجل: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا﴾. يقول سبحانه لعباده: أنا أكرمت أباكم - أي آدم - ورفعت قدره وفضلته على غيره، فأمرت ملائكتي كلهم أن يسجدوا له تكريما له وتشريفا، فأطاعوني وأبى عدوي وعدوه فعصى أمري وخرج عن طاعتي. فكيف يحسن بكم بعد هذا أن تتخذوه وذريته أولياء من دوني، فتطيعونه في معصيتي وتوالونه في خلاف مرضاتي، وهم أعدى عدو لكم؟ انظروا إلى الله سبحانه وتعالى - ذلك الرب الرحيم - الذي يتلطف إلى عباده بهذه الكلمات العظيمة. ربنا سبحانه وتعالى العظيم يتلطف إلى عباده حتى يتبعوه ولا يتبعوا الشيطان، فيذكرهم أنه خلق أباهم آدم وأكرمه ورفع قدره، وجعل ملائكته الذين هم مشرفون ومعظمون جعلهم يسجدون له، وهذا أيما تشريف وتكريم لهذا الإنسان. فأطاعه الملائكة وأبى أعدى عدوه وهو الشيطان، فعصى أمر الله وخرج عن طاعته ولم يسجد لآدم بل تكبر عليه. فكيف يحسن للإنسان أن يتبع مثل هذا وأن يتخذه وليا أو يتخذ ذريته؟ فواليتم عدوي وقد أمرتكم بمعاداته، ومن والى أعداء الملك كان هو وأعداؤه عنده سواء. فإن المحبة والطاعة لا تتم إلا بمعاداة أعداء المطاع وموالاة أوليائه. لهذا كان من أعظم أمور الإسلام الموالاة والمعاداة، فإنه لا يتم إيمان عبد حتى يكون عنده موالاة ومعاداة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لقد كان لكم في إبراهيم والذين معه أسوة حسنة إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾. فلابد من العداوة والبغضاء. فلو أن إنسانا يقول: أنا مسلم، وهو لا يعادي أعداء الله عز وجل ولا يبغضهم، فهذا إسلامه غير صحيح. فلابد من الموالاة والمعاداة، أن يعادي أعداء الله عز وجل ويوالي أولياءه. وأما أن توالي أعداء الملك ثم تدعي أنك موال له، فهذا محال. وهذا لو لم يكن عدو الملك عدوا لكم، فكيف إذا كان عدوكم على الحقيقة، وهو الشيطان، والعداوة التي بينكم وبينه أعظم من العداوة التي بين الشاة والذئب؟ فكيف يليق بالعاقل أن يوالي عدوه وعدو وليه ومولاه الذي لا مولى له سواه؟ ونبه سبحانه وتعالى على قبح هذه الموالاة بقوله: ﴿وهم لكم عدو﴾، كما نبه على قبحها بقوله: ﴿ففسق عن أمر ربه﴾، وقال بعد ذلك: ﴿بئس للظالمين بدلا﴾. فتبين أن عداوته لربه وعداوته لنا كل منهما سبب يدعو إلى معاداته - أي إلى معادات الشيطان - فما هذه الموالاة وما هذا الاستبدال؟ ﴿بئس للظالمين بدلا﴾. ويشبه أن يكون تحت هذا الخطاب نوع من العتاب اللطيف العجيب، هذا العتاب الذي عاتب الله عز وجل به عباده، عتاب لطيف عجيب منه سبحانه وتعالى، تلطف بعباده في هذا الخطاب لمصلحتهم. وكذلك أيضا تذكيرهم لعدوهم. قال رحمه الله: وهو أني عاديت إبليس إذ لم يسجد لأبيكم آدم مع ملائكتي، فكانت معاداته لأجلكم. أي: معادات الله عز وجل لأجل أنه لم يسجد لآدم، ثم كان عاقبة هذه المعادات أن عقدتم بينه وبينكم عقد المصالحة. خلاصة ما يذكر أن من أعظم هذه العقوبات القطيعة بين العبد وربه جل وعلا. فإذا حصلت هذه القطيعة فإن أسباب الخير تنعدم عند الشخص. ولهذا تجد أن من انهمك في المعاصي وزاد فيها يبعد عن الله بعدا شديدا، فتجده غريبا عن الخير، يرى أن الخير هذا شيء ثقيل أمامه، وحتى أنه أحيانا يترك المساجد ويترك الصلوات ويترك غيرها بسبب هذه المعاصي والعياذ بالله. فلهذا فهي من الأسباب التي توجب القطيعة بين العبد وربه. كما ذكرنا جاءت هذه القطيعة في بعض الأحاديث، والمراد أيضا بها اللعن والطرد من رحمة الله جل وعلا. والله تعالى أعلم.