التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 54

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 54

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 54، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير النبي من الصلاة في أماكن العذاب

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في أماكن العذاب مثل بابل وثمود، وأمر بترك هذه الأماكن إلا للاعتبار والتذكرة. روى الإمام أحمد حديثًا عن علي رضي الله عنه أنه كره الصلاة في أرض بابل لأنها ملعونة.

حكم الصلاة في أماكن الكفر والمعاصي وتغييرها

يتناول حكم الصلاة في أماكن العذاب والكفر والمعاصي، ويجوز إقامة أماكن للعبادة في أماكن الكفر والمعاصي إذا تحولت إلى أماكن للإيمان والطاعة. يشرح قصة مسجد الضرار وموقف النبي صلى الله عليه وسلم منه.

تغيير أماكن العبادة الكفرية إلى مساجد ومتابعة النبيين

يناقش حكم الصلاة في أماكن كانت تستخدم للعبادة الكفرية ويستدل بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتكسير البيعة في الطائف وبناء مسجد بدلاً منها، ويبين أهمية متابعة النبيين والصالحين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مبعِد ذلك، ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أيضًا من الأمور التي نهى عنها الشرع، ومن ذلك ما ذكره في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في عدم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أو دخوله أماكن المعذبين، وأنه لا يشرب من مياههم ولا يعجن من عجينهم. فلما دخلوا آبار صالح وأرض ثمود، فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا وأن يعرفوا الإبل العجين. وذكر أيضًا حديث ابن عمر الآخر، وحديث جابر «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم ما أصابهم». معنى هذا أن هذه الأماكن تكون مثل العبرة والتذكرة، لا للتسلي. الآن أصبحت هذه الأماكن مثل التسلي، يأتي الزوار والسواح من كل مكان ينظرون إلى بيوت ثمود وغير ذلك. قال رحمه الله: وكذلك أيضًا الراوية عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة في أماكن العذاب. روى أبو داود عن سليمان بن داود -وهو أبو الربيع العتكي- قال: أخبرنا ابن وهب. والظاهر هنا ليس سليمان بن داود العتكي، وإنما هو الهاشمي سليمان بن داود الهاشمي. قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني ابن لهيعة، وعبد الله بن لهيعة الحضرمي المصري -وكان قاضيًا في مصر-، واختلف العلماء في توثيقه وتضعيفه. والصحيح أنه في عصره الضعف، وأنه إذا انفرد يأتي بالمنكرات. وأما رواية العباد عنه فهي أفضل من غيرها، وليس أنها حسنة. قال: حدثني ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر «أنا» -وهنا متابع ليحيى بن أزهر، ويحيى بن أزهر لا بأس به- عن عمار بن سعد المرادي -و عمار بن سعد المرادي أيضًا مصري، وثقة- عن نبي صالح الغفاري -وهو سعيد بن عبد الرحمن أبو صالح المصري، وهو أيضًا ثقة، لكن روايته عن علي مرسلة، أي لم يسمع من علي- قال: أن عليًا رضي الله عنه مر ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر. فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: «إن حبيبي نبي الله صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل؛ فإنها ملعونة». وهذا الحديث لا يصح. قال: وقد رواه الإمام أحمد، قال: ورواه أيضًا عن أحمد بن صالح، قال: حدثنا ابن وهب أيضًا، أخبرني يحيى بن أزهر، وابن لهيعة عن الحجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري عن علي بمعناه ولفظه: «فلما خرج منها -مكان برزه-». وقد رواه الإمام أحمد في رواية ابن عبد الله بسند أوضح من هذا عن علي رضي الله عنه نحوًا من هذا، أنه كره الصلاة بأرض بابل أو أرض الخسف أو نحو ذلك. والظاهر أنه صحيح إلى علي أنه نهى عن هذه الأشياء، وليس مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كره الصلاة فيها لأنها أماكن عذاب، وأماكن العذاب لا يصلى فيها، ولا يجعل مكانًا للخير. قالوا: كره الإمام أحمد الصلاة في هذه الأماكن اتباعًا لعلي رضي الله عنه. وقول علي «نهاني أن أصلي في أرض بابل؛ فإنها ملعونة» يقتضي أن لا يصلي في أرض ملعونة. وأرض بابل هي أرض العراق، يعني بعض أرض العراق. والصحيح -كما قلنا- أن هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن صح عن علي رضي الله عنه. وهذه المدينة بابل مدينة قديمة كانت في زمن إبراهيم عليه السلام، وكانوا يعملون السحر ويعبدون الكواكب، وهي مدينة إلى الآن، لكنها ظاهرًا تهدمت، وهي قرب نهر الفرات الذي في العراق. قالوا: الحديث المشهور بالحجر يوافق هذا، فإنه إذا كان قد نهي عن الدخول إلى أرض العذاب، دخل في ذلك الصلاة وغيرها. وهذا لا شك أنه إذا كانت من أماكن العذاب فلا يصلى فيها ما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الدخول إليها. قالوا: يوافق ذلك قوله سبحانه عن مسجد الضرار «لا تقم فيه أبدًا؛ إنه كان من أمكنة العذاب». قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾. وقد روي أنه لما هدم خرج منه دخان. لما هدم هذا المسجد -وهو مسجد الضرار- وكان في بني سالم بن عوف، التي هي مقابل بني عمرو بن عوف -عندهم مسجد قباء- وبني سالم عندهم مسجد الجمعة. وكان مسجد الضرار في بني سالم، فعله بعض المنافقين لأجل نزول عمرو بن مالك النكري -وكان يقال له الشيطان-. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإحراقه، أمر المغيرة بن الحباب وغيره أن يحرقوه، وأحرق بعد أن جاء من تبوك. كان بعض هؤلاء المنافقين يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريدون منه أن يصلي فيه، ثم وعدهم أنه إن جاء صلى فيه -أي إن جاء من تبوك صلى فيه- وهو في الطريق، أنزل الله عز وجل عليه هذه الآيات، فأمر بإحراقه صلى الله عليه وسلم فأحرق. وكان فيه بعض المنافقين كالجد بن قيس أو العشج بن قيس وغيرهما، والجد أيضًا ابن كذا، وجماعة من المنافقين كانوا قد اجتمعوا في ذلك المكان، وفيهم بعض المسلمين، لكن بدون أن يعرفوا هدف هؤلاء. فأحرقه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بإحراقه. وهذا يدل على أنه ولو كان فيه فعل خير وأريد به شر، فيزال مثل هذا المنكر؛ لأن هؤلاء -كما قال الله عز وجل- «إنما بنوا مسجدهم هذا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل». قيل: إن هذا الشيطان كانوا فعلوا هذا المسجد له حتى يأتي ويجتمع بأصحابه. قالوا: هذا كما أنه ندب إلى الصلاة في أماكن الرحمة، كالمساجد الثلاثة ومسجد قباء، وكذلك نهى عن الصلاة في أماكن العذاب. فأما أماكن الكفر والمعاصي -الآن يريد الشيخ أن يفرق بين أماكن العذاب الذي حصل فيها خسف أو عذاب أو لعنة، فهذه الأماكن لا يجوز أن تتخذ أماكن للعبادة- لكن هناك أماكن للكفر والمعاصي، هل يجوز أن تتخذ أماكن للعبادة؟ وهنا سيذكر الشيخ أنه جائز، بل سيذكر العدة على هذا. قال: فأما أماكن الكفر والمعاصي التي لم يكن فيها عذاب، إذا جعلت مكانًا للإيمان أو الطاعة، فهذا حسن. كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف أن يجعلوا المسجد مكان طواغيتهم، وأمر بذلك عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه -كما عند أحمد وأبي داود بإسناد صحيح-. فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلوا مسجد الطائف حيث كان طواغيتهم. طاغية الطائف الذي كان في الطائف هو اللات، اللات كان في الطائف يعبدونه. ولهذا لما جاء يهدمه المغيرة بن شعبة، كان يصيحون على أن يصيبه شيء، فضربه المغيرة ثم سقط. تعمد فصاح: «أن هذا الإله قد أخذ بحقه»، فقام رضي الله عنه وهو يضحك -كان رجلًا داهية من دواهي العرب- ثم أخذ المعول وكسره، فصمت الناس. مع أنهم أسلموا، جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا، لكن لا زالت بقايا هذه الاعتقادات في قلوبهم. كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف أن يجعلوا المسجد مكان طواغيتهم. ثم بنوا المسجد -مسجد الطائف القديم الجامع- وهو إلى الآن موجود في مكان اللات. وكان الشلال. وأمر أهل اليمامة أن يتخذوا المسجد مكان بيعة كانت عندهم. وكان مسجده صلى الله عليه وسلم -هذا الحديث- أمر النبي صلى الله عليه وسلم أهل اليمامة -أخرجه النسائي من حديث قيس بن طلق بن علي رضي الله عن نبيه طلق بن علي رضي الله عنه، وقيس مختلف في ثقته؛ لأن بعض العلماء يقول أنه مجهول، وقد قبله أكثر العلماء، وهو الحديث مشهور في مسألة الوضوء-. و طلق بن حبيب قد روى حديث «يمس الذكر» لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «الرجل يصلي فيمس ذكره وهو يصلي؟ قال: «إنما هو بضعة منك». هذا الحديث حديث قيس بن طلق عن نبيه، فلهذا بعض العلماء صحح رواياته وحديثه، وبعضهم يضعفها. وهذا اشتهر في اليمامة، كانوا أنهم اتخذوا المسجد مكان بيعة. والبيعة هو مكان للنصارى يعبدون أو يتعبدون فيه. قال: وكان مسجده صلى الله عليه وسلم مقبرة -أي مقبرة للكفار للمشركين- فنبشت هذه المقبرة، وقيم مكانها المسجد. قال: فجعله مسجدًا بعد نبش القبور. قال: فإذا كانت الشريعة قد جاءت بالنهي عن مشاركة الكفار في المكان الذي حل بهم العذاب، فكيف بمشاركتهم في الأعمال التي يعملونها؟ لكن إذا كانت مكانًا يتعبدون الله عز وجل فيه، لابد أن تغير ملامح هذا المكان. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف أن يكسروا البيعة ويقيموا مكانها مسجدًا. لم يقل لهم صلوا في هذه البيعة، وإنما أمرهم أن يكسروها ويبنوا مكانها مسجدًا؛ لأن البيعة كانت تختلف عن المساجد، فيها صور وفيها أشياء عن معتقداتهم. فلهذا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بتكسيرها، ثم أنه يجعلون بدلها مسجدًا. فلهذا هذا يدل على أنه إذا كان هناك مكان للكفار أو للفسقة، مثل مكان رقص أو غناء أو كذا، فيغير ذلك المكان إلى مسجد، فلا بأس. فيغير ذلك المكان إلى مسجد، فهذا من فعل أو إبدال الشر بالخير. إبدال الشر بالخير. لكن إذا كان من أماكن العذاب التي حصل فيها عذاب الكفار فلا؛ لأن هذه أماكن يعتبر بها، فلا يعبد الله عز وجل في مثل هذه الأماكن. قال: فإنه إذا قيل: هذا العمل الذي يعملونه لو تجرد عن مشابهتهم لم يكن محرمًا، ونحن لا نقصد التشبه بهم فيه. فنفس الدخول إلى المكان ليس بمعصية لو تجرد عن كونه أثرهم، ونحن لا نقصد التشبه بهم. بل المشاركة في العمل أقرب إلى اقتضاء العذاب من الدخول إلى الديار. فإن جميع ما يعملونه مما ليس من أعمال المسلمين السابقين، إما كفر وإما معصية وإما شعار كفر أو معصية وإما مظنة للكفر والمعصية وإما أن يخاف أن يجر إلى معصية. قال: ما أحسب أحدًا ينازع في جميع هذا. ولئن نازع فيه، فلا يمكنه أن ينازع فيه أن المخالفة فيه أقرب إلى المخالفة في الكفر والمعصية، وأن حصول هذه المصلحة في الأعمال أقرب من حصولها في المكان. وهو الآن يريد أن يثبت أنه لا يجوز أن يتشبه الإنسان بأعمال الكفار، لا يجوز أن يتشبه الإنسان بأعمال الكفار. فلهذا حرم الله عز وجل القيام في أماكن العذاب التي يُعذب بها. وأما أماكن عباداتهم، فأيضًا ليس المراد أنه يجعل الكنيسة مسجدًا وتقام هذه الكنيسة على ما كانت عليه، وإنما تكسر الكنيسة وبما فيها، ويقام بعد ذلك مسجدًا -كما فعل في عهد عمر رضي الله عنه لما فتحت الشام ومناطقها، وصارت بلاد المسلمين، فإنه كسرت هذه البيع والكنائس، وبني بدلها بالمساجد-. قال: لا ترى أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في أعمالهم أنفع وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم. أن بعض الناس يهتم بالأثار أكثر من الاتباع. وهذا شأن أكثر الناس في هذه الأزمان، خاصة تجد أنه عنده الآثار أعظم وتبرك بها عنده أعظم، لكن مع أن المتابعة هي الأعظم، أن يتابع أهل الصلاة يتابع النبيين ومن يطع الله والرسول، فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. طيب إن شاء الله وتعالى نكمل في درس لاحق.