الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 55، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش حديث "من تشبه بقوم فهو منهم" ويبين دلالته على تحريم التشبه بالكفار حسب تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية. يوضح أن التشبه يحمل على حسب ما تشبه به الشخص.
يتناول حكم التشبه بالكفار وتغيير خلق الله، ويفرق بين التشبه المتعمد وغير المتعمد، ويبين النهي النبوي عن التشبه بالكفار وتغيير خلق الله.
يعرض آراء الإمام أحمد بن حنبل وسعيد بن عامر وابن المبارك في لبس النعال السندية والسبتية، ويبين كراهية التشبه بالكفار في لباسهم وأزيائهم.
يشرح شرط الابتعاد عن لباس الكفار والفساق إذا كان خاصًا بهم أو ميزة تميزوا بها، ويشير إلى أن لباس المسلمين يجب أن يختلف عن لباسهم.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في ذكر الأدلة على عدم جواز التشبه بالكفار: قالوا أيضًا: ما هو صريح في الدلالة ما روى أبو داود في سننه، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وهو العبسي الكوفي، وهو حافظ، قال: حدثنا أبو النظر، يعني هاشم بن القاسم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، قال: حدثنا حسان بن عطية. حسان بن عطية شامي، وقد روى هذا الحديث أيضًا عنه الأوزاعي، قال: عن أبي منيب الجرشي، وهو دمشقي شامي، وسيذكر المؤلف هذا الإسناد ورجاله. أبو منيب الجرشي وهو تابعي، قال: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم». قال: وهذا إسناد جيد، فإن ابن أبي شيبة وأبا النظر وحسان بن عطية ثقات مشاهير أجلاء من رجال الصحيحين، وهم أجل من أن يحتاج إلى أن يقال: إنهم من رجال الصحيحين لثقتهم وأنهم معروفون. وأما عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، فقال يحيى بن معين وأبو الزرعة وأحمد - وأحمد ابن عبد الله - معنى العجل: أحمد بن عبد الله العجلي قال: وأحمد بن عبد الله ليس به بأس، وهذا توثيق عند يحيى بن معين. وقال عبد الرحمن بن إبراهيم، وهو دحيم - وعبد الرحمن بن إبراهيم إمام من أئمة أهل الشام - وله معرفة عظيمة بالرجال: قال: هو ثقة. وقال أبو حاتم: هو مستقيم الحديث. وأما أبو منيب الجرشي، فقال فيه أحمد بن حنبل: هو ثقة، وما علمت أحدًا ذكره بسوء. قد سمع منه حسان بن عطية، وقد احتج الإمام أحمد وغيره بهذا الحديث. وهذا الحديث رجح الإمام أبو حاتم أنه مرسل، رجح إرساله الإمام أبو حاتم رحمه الله عليه، على أن لوزاعي وغيره قد رواه عن حسان بن عطية مرسلًا. وأيضًا أبو منيب الجرشي بعضهم يقول: إنه مجهول. والعجلي من عادته أنه يوثق التابعين من المجاهيل إذا رأى حديثه مستقيمًا. لكن الحديث له طرق وشواهد تدل على صحته. قالوا: هذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه به؛ لأنه قال: «فهو منهم»، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ «من تشبه بقوم فهو منهم»، أي: أنه صار كأنه واحد منهم، هذا ظاهر الحديث. قال: وهو نظير ما سنذكره عن عبد الله بن عمر أنه قال: «من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة». وهذا أخرجه البيهقي وغيره، إسناده صحيح إلى عبد الله بن عمر. وقوله: «من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم» - والنيروز والمهرجان: هو أعياد من أعياد الفرس، أو من أعياد الفرس يسمى النيروز والمهرجان، كان الفرس يحتفلون بهما - قال: «وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة». قال: فقد يحمل هذا على التشبه المطلق؛ فإنه يوجب الكفر، أو حتى التشبه في دينه، ويقتضي تحريم بعض ذلك. وقد يحمل على أنه منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرًا أو معصية أو شعارًا لها كان حكمه كذلك؛ فهو منهم. يقول الشيخ: إما أن يحمل على التشبه المطلق إذا تشبه بهم في كل شيء، أو أن المراد أنه بحسب ما تشبه به، أو القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان هذا الذي شابههم فيه كفرًا فهو كفر، وإن كان معصية فهو فاسق. وأيضًا إن كان شعارًا لهم فهو أيضًا تشبه بهم. قالوا: بكل حال نحن يريد الشيخ أن يثبت أن هذا الحديث يدل على التحريم، وأن أقل أحواله أن يقال: إنه محرم. قالوا: بكل حال يقتضي تحريم التشبه بعلة كونه متشبهًا. والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه، يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه، وهو نادر. ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك إذا كان أصل الفعل مأذونًا فيه عن ذلك الغير أن يتشبه بهم في أفعاله. والمراد التعمد، معناه يتعمد التشبه، إما لأجل أنه يراهم مثل ما يفعل الآن كثير من المسلمين، ينظر إلى الغرب أنهم أهل حضارة وأنهم أهل تقدم، فلهذا يتشبه بهم، يتشبه بهم في لباسهم، يتشبه بهم في كلامهم، يتشبه بهم حتى في الأمور التي داخل المنزل. وصل إلى أن بعض الناس يتشبه بالمشركين وبالكفار حتى في مسألة الحمام، يعني يرى أن الأوروبيون أو غيرهم لا يجعلون ماء في الحمامات، وهو لا يجعل ماء، فوصل سفاهة لبعض المسلمين إلى هذا الحد، فيريد أن يتشبه بهؤلاء الذين هم من أوسق خلق الله، ولا أيضًا يتنظفون من ناحية النجاسة، وإن كان ظواهرهم قد تكون نظيفة، لكن من ناحية النجاسات لا يتنزهون عن النجاسات، فمن تابعهم في هذا فهو منهم. قال: فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضًا، ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه، ففي كون هذا تشبهًا نظر. وهذا تجد تحتاجه كثيرًا، ويحتاجه طالب العلم في كثير من المسائل الآن. بعض مثلًا النساء أو بعض الحلاقات للرجال، تجد أن بعضهم لا يفعلها تعمدًا ولا يتشبه بأحد، وإنما يحلق فيكون هكذا، فهذا الأصل أنه لا يأثم. لكن إن فعلها تشبهًا، ولو كان تشبهًا ببعض الفساق. قال: لكن قد ينهى عن هذا؛ لأن لا يكون ذريعة للتشبه. أنا مثلًا لو جاء إنسان قال: أنا ما أفعله تشبهًا بأحد، أن هذا عجبتني هذه الحلاقة، يأخذ جزء من هنا وجزء من هنا، يقول: عجبتني هذه الحلاقة ولا أتشبه بأحد. قال: أن هذا أمر جائز، لكن لكن هذا عرف أنه من حلاقات الكفار، عرف أن هذه الحلاقات يحلقها أهل الكفر، فلهذا الأفضل أن تبتعد عن هذا، ولا تحلق مثل هذه الحلاقات. قال: لكن قد ينهى عن هذا؛ لأن لا يكون ذريعة للتشبه، وخاصة مثلًا طلبة العلم يتنزهون عن مثل هذه الحلاقات؛ لأنهم يعتبرون قدوة. وإن كان مثلًا ليس قدوة لأحد معين، إنما قدوة للناس، الناس يقتدون بطلبة العلم. أنا إذا فعلت شيء يقول: انظر هذا فلان دائمًا في المسجد، دائمًا في الحلقات، انظر يفعل كذا ويحلق كذا ويلبس اللباس الذي هو يشابه الكفار، فلهذا فيتخذ ذريعة إلى التشبه، يتخذ ذريعة إلى التشبه. قالوا: لما فيه من المخالفة، كما أمر بصبغ اللحى وإحفاء شوارب، مع أن قوله صلى الله عليه وسلم: «غيروا الشيبة ولا تشبهوا باليهود»، معنى اليهود ما يصبغون، أنا كان قديمًا، لكن الآن زادوا في الصبغ على المسلمين. قال: دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا ولا فعل، بل مجرد ترك تغيير ما خلق فينا، وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية الاتفاقية. معناه هذا: التشبه يحصل حتى ولو لم يتعمده الإنسان، لكن إذا غير ما خلق الله عز وجل عليه، تجد غالبًا مثل هذا يكون تشبه. الآن أيضًا كثير مما تفعله النساء من مثلًا هذه العيون أو العدسات، وليست الطبية، العدسات هذه التي استخدمت زينة، وكذلك الحواجب، وكذلك التشقير، وغيره من هذه الأشياء، غالبًا بعض النساء تفعلها ليست تعمدًا ولا تشبهًا، لكن يتخذ وسيلة للتشبه. والعاصل أنه تشبه أصلا، العاصل أنه تشبه أخذ من الكافرات، لكن بعض النساء لا تعلم ذلك، فتفعل مثل هذا الفعل، فتصبغ بصبغات أو تضع عدسات أو تضع مثلًا شيء من الأجفان الصناعية، فهذا كله من تغيير خلق الله. وهذا يدخل في تغيير خلق الله، كما قال الله عز وجل حاكيًا عن الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ فليغيرن خلق الله، فهذا غالبًا يكون من تغيير خلق الله. قالوا: وقد روي في هذا الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن التشبه بلا علة. وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم»، أنا نفس الحديث الذي ذكر. قال: ذكره القاضي أبو يعلى على أنه نهى عن التشبه بلا علة، لكن ليس في الحديث ما يدل على ذلك. قالوا: بهذا احتج غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زي غير المسلمين. قال: محمد بن أبي حرب - وهو صاحب مسائل أحمد، وهو محمد بن النقيب ابن أبي حرب الجرجرائي - قال: ابن أبي حرب سئل أحمد عن نعل سندي يخرج فيه، فكرهه للرجل والمرأة. قال: إن كان للكنيف والوضوء، وأكره الصرار. قال: إذا استعمله للكنيف - كنيف: معنى الحمام، معنى في لهجتنا - إذا استعمله للكنيف أو استعمله للوضوء، معنى يتوضأ فيه، فهذا لا بأس. وأكره الصرار - الصرار: ظهر نوع من أنواع الأحذية التي يلبسها الأعاجم - قال: وهو من زي العجم. قاله: قد سئل سعيد بن عامر - وهو الضبعي، إمام من أئمة أهل الشام - أقصد من البصرة، سعيد بن عامر الضبعي، لا الظاهر ليس سعيد، إنما سعيد بن عامر هذا شامي. أو سأقصد سعيد بن عبد العزيز، لكن هذا سعيد بن عامر ضبعي بصري. قاله: قد سئل سعيد بن عامر عنه، قال: سنة نبينا أحب إلينا من سنة باكهن. وباكهن: هذا ظاهر اسم ملك الهند، كما سيذكره شيخ الإسلام. ويقول سعيد بن عامر: أن سنة نبينا - أي بلبس النعل السبتية وغيرها - أفضل من سنة باكهن الذي يلبسون هذه النعال الصرارة. قال: وقال في رواية المروذي: وقد سأله عن النعل السندي - والسندي: نسبة إلى السند، وهي بلاد الهند - السند: هي عامة بلاد الهند وباكستان وما كان حولها تسمى السند - فقال: أما أنا فلا أستعملها، ولكن إن كان للطين أو المخرج فأرجو. وأما من أراد الزينة فلا. أنا إذا كان لأمر يباح في هذه النعال، ليس للزينة، فلا بأس. قال: ورأى على باب المخرج نعلًا سنديًا، فقال: يتشبه بأولاد الملوك، هذا يفعله أبناء ملوك الهند والسند. قال: وقال حرب الكرماني - حرب أيضًا له مسائل عن أحمد - قلت لأحمد: فهذه النعال الغلاب، قال: هذه السندية. قال: إذا كان للوضوء أو للكنيف أو موضع ضرورة فلا بأس. كأنه كره أن يمشي فيها في الأزقة. وهذا الكلام من أحمد ليس أن هذه النعال محرمة، هو ما قصد أنها محرمة، وإنما أراد أن يبين أن مثل هذا غالبًا يكون تشبهًا بهؤلاء الكفار، فالأفضل أن الإنسان لا يفعل ذلك إذا كان اختصوا به. أما إذا كانت النعال منتشرة يلبسها المسلمون وغيرهم، فهذا لا بأس. مثل الآن تجد النعال الآن انتشرت، يلبسها المسلمون وغيرهم. لكن إذا اختص بعض الكفار بشيء من النعال، وصارت ميزة لهم تميزوا بها، هنا لا يجوز للمسلم أن يتشبه بهم في لبس مثل هذه النعال. قال: قيل: فالنعل من الخشب، قال: لا بأس بها أيضًا إذا كان موضع ضرورة. قال: وقال حرب: حدثنا أحمد بن نصر - وهو المروزي أو أحمد بن نصر الخزاعي - من الثقات وممن امتحنا أيام الواثق. قال: أحمد بن نصر حدثنا حبان بن موسى - وحبان هو مروزي كذلك - روى عنه البخاري والستة. قال: قال سئل ابن المبارك، وحبان هذا الذي روى الزهد لابن المبارك. قال: حبان بن موسى قال: سئل ابن المبارك عن هذه النعال الكرمانية، فلم تعجبه. قال: أما في هذه غنية عن تلك. أنا يريد النعال التي يلبسها المسلمون. قال: وروى الخلال عن أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: سألت سعيد بن عامر عن لباس النعال السبتية - واللباس السبتية: هذه التي تصنع من الجلود، وقيل: إن فيها شعر، أقصد أنها بدون شعر، فما تسمى سبتية إلا بدون شعر، وقيل أيضًا نسبة إلى السبات، معنى تكون فيها سبتة - فقال: زي نبينا أحب إلينا من زي باكهن ملك الهند، ولو كان في مسجد المدينة لأخرج، قال: سعيد بن عامر الطبع، إمام البصرة علمًا ودينًا، من شيوخ الإمام أحمد. قال: يحيى بن سعيد قطان، وذكر عنده سعيد بن عامر، فقال: شيخ المصر منذ أربعين سنة. وقال أبو مسعود بن الفرات: ما رأيت بالبصرة مثل سعيد بن عامر. وقال الميمون: رأيت أبا عبد الله - عمامته تحت دقنه. طيب: هذه بعض المسائل التي ذكرها، إن شاء الله أيضًا سيذكر بعض المسائل شيخ الإسلام، واستطرد فيها؛ لأجل أن يبين أن العلماء يكرهون ما كان تشبهًا بالكفار، وأنه ينبغي على المسلم أن يلبس زي أهل الإسلام، ويتزيى بزيهم، ولا ينبغي أن يقلد الكفار في ألبستهم، وفي أيضًا كذلك شعره، وفي ما كان مختصًا بالكفار. وأما ما كان مختصًا بالمسلمين، فهذا لا شيء فيه، إلا أن كان عرفًا أن هذا الشيء من لباس الكفار أو الفساق، أو من ما تميز به أهل الفساق، فهنا ينبغي أن يجتنبه.