الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 52، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الشرع حرم أمور الجاهلية مثل الطعن في الأنساب والفخر بالأحساب، وبعض المسلمين يقعون في هذه الأمور رغم علمهم ودينهم. يُعد هذا تحذيرًا من العودة إلى عادات الجاهلية.
أفكار التكفيريين خطيرة وتؤثر سلبًا على المجتمعات المسلمة، حيث يعتبرون الناس في ردة عامة ويجب الحذر من الانجرار وراءهم. التمسك بالعلم الصحيح وتجنب البدع ضروري.
يُنبه الشيخ على خطورة الإلحاد في الحرم واتباع سنة الجاهلية ومطلب دم امرئ بغير حق، ويشرح حديثًا نبويًا يذكر فيه ثلاثة أنواع من الناس يُبغضهم الله. هذا التحذير يوضح مخاطر بعض المفاهيم الخاطئة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، فذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن من الأشياء التي حرمها الشرع ما نسب إلى الجاهلية، فكل ما نسب إلى الجاهلية فهو محرم. وفي حديث أبي هريرة: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعو لعصبية أو ينصر عصبية فقتل، فقتلة جاهلية». ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه. فذكر شيخ الإسلام أن هذا الحديث جمع ثلاثة أنواع من الذين دماؤهم هدر، وأنهم من أهل الجاهلية. فالقسم الأول: الخارجون عن طاعة السلطان المسلم بأي حجة كانت. والقسم الثاني: الذين يقاتلون عصبية لقومهم أو لأهل بلدهم. وكذلك من يقاتل تحت راية عمية مجهولة لا يدري لأي شيء يقاتل. والقسم الثالث: الخوارج الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها...» إلى آخر الحديث. هذه الصفات كلها في الخوارج، سواء كانوا قدماء أو خوارج هذا العصر، فهم يقتلون أهل الإسلام ولا يتحاشون من مؤمن أبدًا. قد يتورعون في أشياء من المال وغيره، لكن ما يتورعون في الدماء. وكذلك لا يفون لذي عهد عهده، لا يعتبرون عهد أحد. فلهذا يقتلون السواح كما يقولون، مع أنهم دخلوا بأمان. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد أجرنا من أجرت يا أم هانئ»، أجار كافر لإجارة امرأة. لكن هؤلاء لا يفون لذمة أحد أبدًا. ثم قال رحمه الله بعد ذكر هذا الحديث: فعلم أنه كان قد قرر عند أصحابه أن ما أضيف إلى الجاهلية من ميتة أو قتلة ونحو ذلك فهو مدموم منهي عنه. وذلك يقتضي ذم كل ما كان من أمور الجاهلية. قالوا: من هذا ما أخرجاه في الصحيحين عن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر عليه حلة وعلى غلامه مثلها، فسألته عن ذلك، فذكر أنه ساب رجلًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بأمه. فأتى الرجل النبي عليه الصلاة والسلام فذكر ذلك له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك امرؤ فيك جاهلية». فقال أبو ذر: على ساعة هذه من كبر السن؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت يديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه». وهذا يدل على أن التعيير بالأنساب من أخلاق الجاهلية، معنى يعيره بنسبه: أنت أبناء كذا، أنت من قبيلة كذا. هؤلاء قبيلة كذا لهم كذا وكذا، فعلوا كذا. كل هذا من التعيير. تعيير الشخص بقبيلته أو بنسبه هذا كله من أمر الجاهلية، فهو طاعن في الأنساب. وقد جاء في صحيح مسلم: «أربع من أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة». قالوا: فيه أن الرجل مع فضله وعلمه ودينه قد يكون فيه بعض هذا. لا يوجب ذلك كفره ولا فسقه إذا كان في الرجل بعض الجاهلية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية». لكن لا يجوز أن يقال لرجل: أنت جاهلي. مثل ما فعل بعض التكفيريين، ألف كتابًا سماه «جاهلية القرن العشرين»، ونقل عن بعض زملائه أو مشايخه أنهم كانوا يقولون: إن هذه الجاهلية أشد من جاهلية الجاهلية التي قبل الإسلام. قالوا: أشد من جاهلية أبي جهل، وهذا تكفير. لأن الحكم بالجاهلية المطلقة يعتبر تكفيرًا. ولهذا لما شرح سيد قطب وغيره مثل هذه العبارات، فبين أنه ليس هناك من يؤمن بالله واليوم الآخر. قال: حتى المؤذن الذي يسمع صوته بالأذان وهو لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر. ثم ذكر منهم من له عبادات ونفع عنهم الإيمان. ذكر القرضاوي في كتابه «أولويات الحركة الإسلامية» أن سيد قطب خرج بكتبه بتكفير المجتمعات، يأتي معناه كفر المجتمعات المسلمة كلها، لم يستثن مثل ما قال بعض التكفيريين في هذا العصر. فقال: كل الدول وكل الحكام كفار مرتدون، وقال: ولا أستثني. قال: حتى المملكة، حتى السعودية أيضًا تدخل في هذا الكلام. فهم يرون أن هؤلاء أو يرون أن الناس على كفر. ولهذا قال هذا الرجل: كان عندنا في هذه البلاد، ثم زاحه الله عز وجل عنا. كان يخطب فيقول: إن الناس الآن في ردة عامة. يقول: إنهم مرتدون، وهذا كلام تكفير واضح. وهؤلاء تربوا على كتب سيد قطب في تكفير المجتمعات. وأيضًا يثنون على بعض الدول التي ليس فيها حتى عشر ما في دول الإسلام، بل إن الإسلام غير ظاهر فيها. مثل تركيا، الإخوان المسلمون وكذلك جميع التكفيرية يثنون عليها، مع أنها ليس فيها حكم ما أنزل الله، بل حكمهم حكم مدني كما يقولون. وفيها أيضًا أشياء هي ردة بذاتها، مثل تجويزهم المثليات، تجويزهم أيضًا الزنا وغيرها من هذه الأشياء. لكن هم يغطون الطرف لماذا؟ لأنهم يأوونهم في بلادهم، فيرون أنهم أفضل من أهل الإسلام. وكان بعضهم في أمريكا، عمر عبد الرحمن الذي هو أمير الجهاد في العالم، كان يجلس في أمريكا. وكذلك المسعري ومحمد سرور وغيرهم من هؤلاء أهل التكفير كانوا في بريطانيا، ويتكلمون على أهل الإسلام وهم في أحضان أهل الكفر. لما قيل أو سئل بعضهم: هل الهجرة موجودة؟ فقال: يا ليت شعري إلى أين يهاجر؟ ما في دولة إسلام حتى يهاجر إليها. فقال: أين يهاجر؟ فلهذا هؤلاء خطيرون جدًا. والواحد من طلبة العلم ينبغي أن يبتعد عن أشرطة هؤلاء وعن كتبهم، لأنهم يبثون الشيء بعد الشيء في مثل هذه الأشرطة وغيرها. لا يغرنك أنه عنده أسلوب في الخطابة وعنده كذا وكذا في الخطابة. فهذا قد كان بعضها للبدع عندهم من هذا الأسلوب أعظم. لكن كان السلف يحذرون منه. فليس العبرة أن فلان يخطب خطبة رنانة وكذا أو يعظ أو يبكي القلوب. ليس هذا هو المهم. ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله يقول: «ليس كل من وعظ وذكر نجلس له، وإن كان من أهل البدع». قال: «لا، ولا نعمة عين، لا كرامة له، ولا أيضًا نجعله مثالًا لنا أو نجلس إلى كلامه، فإن هذا يضر». وبعض طلبة العلم تجد ما يستشعر مثل هذه الأمور، يظن أن الأمر سهل، يأتي بهؤلاء الخطباء الذين هم أصلهم على هذا المنهج، كالعريفي وغيره، فيبث هذه الأشرطة بين الناس أو بين طلبة العلم. هذا خطأ، خطأ كبير جدًا. فهؤلاء يخدشون في دين الله وفي عقيدة المسلمين. وكذلك أيضًا لا يرضون عن أهل الإسلام. ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن نافع بن جبير بن مطعم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليريق دمه». وهذا الحديث كما قال شيخ الإسلام في مسلم. وهذا الظاهر، وهم منه رحمه الله. الحديث ليس في مسلم، وإنما الحديث في البخاري. وليس في مسلم هذا الحديث. الحديث في البخاري. معناه بالنفس، الإسناد ونفس أيضًا السياق. لكن لعله سبق قلم. أراد يقول: بخاري. قال: مسلم. قال: وأخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن أبغض الناس إلى الله هؤلاء الثلاثة. وذلك لأن الفساد إما في الدين وإما في الدنيا، فأعظم فساد الدنيا قتل النفوس بغير الحق. أنه مطلب دم امرئ بغير حق ليريق دمه. هذا أعظم الفساد في الدنيا. ولهذا كان أكبر الكبائر. وأعظم فساد الدين الذي هو الكفر. وأما فساد الدين فنوعان: نوع يتعلق بالعمل، ونوع يتعلق بمحل العمل. فأما الذي يتعلق بالعمل فهو ابتغاء سنة الجاهلية، هذا طعن في دين الله. وأما ما يتعلق بمحل العمل فالإلحاد في الحرم، فهو متعلق بمحل العمل. لأن هذا المكان يعمل لله ويطاع الله عز وجل فيه، فالملحد الذي يلحد في الحرم يبغضه الله عز وجل. قال: لأن أعظم محال العمل الحرم، وانتهاك حرمة المحل المكاني أعظم من انتهاك حرمة المحل الزماني. مثلًا: الأشهر الحرم محرمة، فإذا ظلم الإنسان في نفسه هذا ارتكب جرمًا. فلا تظلموا أنفسكم. لكن الذي يرتكب ظلمًا وهو في الحرم، في المكان الذي عظمه الله، يكون أعظم ممن ينتهك الأشهر الحرم. قالوا: لهذا حرم من تناول المباحات من الصيد والنبات في البلد الحرام ما لم يحرم مثله في الشهر الحرام. حرم هذه الأشياء مع أنها مباحة، لكن حرمها في البلد الحرام. قالوا: لهذا كان الصحيح أن حرمة القتال في البلد الحرام باقية، كما دلت عليه النصوص الصحيحة. لا يجوز أن يقاتل في الحرم، وإنما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: «فمن ترخص بهذا، فقولوا: إنما رخص الله عز وجل لنبيه ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها كما كانت». هذا الترخيص للنبي عليه الصلاة والسلام فقط. وأيضًا النبي صلى الله عليه وسلم حاول أن يدخل مكة بغير قتال، لكن لقي خالد بن الوليد بعض الأوباش من أهل مكة مع عكرمة بن أبي جهل، فقاتلوهم. وإلا النبي صلى الله عليه وسلم لم يلق قتالًا حتى دخل الكعبة. لكن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل أجاز لي ساعة من نهار». لأن مصلحة دخول النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة عظيمة. فلهذا فالقتال في الحرم لا زال باقي حرمة. بخلاف الشهر الحرام، أن الكثير من العلماء يقولون: إن تحريم القتال فيه منسوخ. قال: فلهذا ذكر صلى الله عليه وسلم الإلحاد في الحرم، وابتغاء سنة الجاهلية.