الدرس في كتاب الصيام 19، ألقاها
يتناول هذا الفصل أحكام الاعتكاف وما يباح للمعتكف من خروج من المسجد لضرورات معينة مثل الأكل والشرب وقضاء الحاجة، مع بيان ما لا يجوز له من الخروج مثل البيع والشراء وزيارة المريض. يُشترط في بعض الحالات الخروج لضرورة معينة إذا تم الاتفاق عليها مسبقًا.
هذا الفصل يبين أن الاعتكاف عبادة تتطلب التفرغ لطاعة الله، ويباح للمعتكف التحدث بما فيه فائدة، زيارة الأهل والأقارب، والأكل والشرب والنوم في المسجد مع الحفاظ على نظافته. يبطل الاعتكاف بالخروج من المسجد لغير حاجة عمدًا.
يشرح هذا الفصل مبطلات الاعتكاف وهي الخروج من المسجد لغير حاجة، الجماع أو ما في حكمه، ذهاب العقل، الحيض والنفاس، والردة عن الإسلام. هذه الأمور تبطل الاعتكاف وتوجب الخروج من المسجد.
يحتوي هذا الفصل على ختام الدرس حيث صلى على النبي محمد وآله وصحبه، وأعرب عن الشكر للجمهور.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- في ذكره لأحكام الاعتكاف: قال: ما يباح للمعتكف؟ قال: يباح للمعتكف الخروج من المسجد لما لا بد منه، كالخروج للأكل والشرب إذا لم يكن له من يحضرهما، والخروج لقضاء الحاجة، والوضوء من الحدث، والاغتسال من الجنابة. ويباح له التحدث إلى الناس بما يفيد، والسؤال عن أحوالهم. أما التحدث بما لا يفيد وفيما لا ضرورة فيه، فإنه ينافي مقصود الاعتكاف وما شرع من أجله. قالوا: يباح له أن يزوره بعض أهله وأقاربه، وأن يتحدث إليه ساعة من زمان، والخروج من معتكفه لتوديعهم، لحديث صفية رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفًا، فأتيته ليلًا فحدثته، ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني. الحديث. ومعنى ليقلبني: يردني إلى بيتي. وللمعتكف أن يأكل ويشرب وينام في المسجد، مع المحافظة على نظافة المسجد وصيانته. يقول رحمه الله: إنه يباح للمعتكف الخروج من المسجد لما لا بد منه. الأصل أن المعتكف لا يخرج من المسجد، يبقى ملازمًا للمسجد، فيخرج للأمر الذي لا بد منه، كالأكل والشرب إذا كان ليس في المسجد من يأتي له بالطعام والشراب. فيجوز أن يخرج فيأكل ويشرب ثم يرجع. فإذا كان هناك من يأتي له بالطعام، فلا يخرج من المسجد، يبقى في مسجده. وهذه من الأمور الضرورية. كذلك الخروج لقضاء الحاجة، إذا أراد قضاء حاجته، أراد الحمام نحو ذلك، فلا بأس. هذه من الأمور الضرورية. كذلك الوضوء من الحدث، إذا أراد أن يتوضأ ويحتاج أن يخرج فيتوضأ ثم يرجع، فهذا أيضًا من الأمور الضرورية. كذلك الاغتسال من الجنابة، إذا أصابته جنابة، احتلم مثلًا، أو في المسجد، فإنه يخرج يغتسل ويرجع إلى معتكفه. فهذه أمور لا بد منها. لكن هل له أن يخرج فيبيع ويشتري؟ الجواب: لا، ليس للمعتكف أن يخرج للبيع أو الشراء، أو يخرج مثلًا لزيارة مريض أو عيادة جنازة. هذا أيضًا لا يجوز للمعتكف أن يخرج لمثل ذلك، إلا أن يشترط، كما قال بعض أهل العلم، له أن يشترط إذا كان هناك مثلًا أحد من أقاربه مريض ويخشى أن يموت وهو في اعتكاف، فيشترط أنه إن مات أن يشهد جنازته، فلا بأس، يشهدها ثم يرجع. وإلا فالأصل أنه لا يخرج لمثل ذلك. وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «وكان المريض في البيت، فلا أسأل عنه إلا وأنا مارّة»، حين كانت معتكفة. رضي الله عنها تقول: المريض في البيت ما أزوره، أسأل عنه في الطريق، ولا أسأل عنه إلا وأنا مارّة. فالمعتكف لا يشهد جنازة، ولا يعود مريضًا، ولا يخرج للسوق، ولا يبيع ولا يشتري وهو معتكف. وأيضًا يباح للمعتكف التحدث إلى الناس بما فيه فائدة، التحدث إلى الناس بما فيه فائدة، من ذلك مثلًا أن يعلم الناس، لا بأس، يلقي درسًا وهو معتكف، أو يتحدث -يعني- مع الناس في شيء مفيد، أو يسأل عن أحوال بعضهم ممن يعرف أنه مريض أو شيء من ذلك، لا بأس. أما التحدث بما لا يفيد، كأن يجلس مع بعض المصلين أو من في المسجد فيتحدث معهم ويضحك ويمزح ويتكلم في أمور الدنيا أو شيء من ذلك، هذا ينافي الاعتكاف، هذا ينافي الاعتكاف. فأنت أيها المعتكف متفرغ لطاعة الله ولعبادة الله جل وعلا. كذلك أيضًا يباح للمعتكف أن يزوره بعض أهله، أن يزوره بعض أهله وأقاربه، يأتي يزوره أخوه أو يزوره ابنه أو تزوره زوجته، إن أمكن -يعني- مثلًا تكلمه من خارج المسجد، هو في داخل المسجد من النافذة أو شيء من ذلك، هذا جائز. صفية رضي الله عنها جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو معتكف وتحدث معها النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قام ليوصلها إلى بيتها. ومعلوم أن بيوت النبي صلى الله عليه وسلم كانت ملاصقة بالمسجد، كانت ملاصقة بالمسجد، فلم يكن في إيصاله إياها إلى بيتها خروج من المسجد. فالشاهد أن مثل هذا جائز. وكذلك أيضًا المعتكف له أن يأكل ويشرب وينام في المسجد، له أن يأكل ويشرب وينام في المسجد، وهذا لا ينافي -يعني- احترام المسجد ومعرفة حرمة المسجد، فإن هذه من الأمور -ماذا- التي يحتاج لها المعتكف، لكن مع العناية بنظافة المسجد، مع العناية بنظافة المسجد وعدم تلويثه أو توسيخه بشيء من ذلك. قال: المسألة الرابعة: مبطلات الاعتكاف. قال: يبطل الاعتكاف بما يلي: أولًا: الخروج من المسجد لغير حاجة عمدًا وإن قل وقت الخروج، لحديث عائشة رضي الله عنها: «وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا»، يعني النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان معتكفًا فإنه لا يدخل بيته إلا لحاجة. والحاجة كما ذكرنا: أكل أو شرب أو قضاء حاجة أو نحو ذلك. ولأن الخروج يفوت المكث في المسجد، وهو ركن الاعتكاف، الخروج ينافي اللزوم للمسجد والبقاء في المعتكف. فإذا خرج المعتكف من المسجد لغير حاجة -كما مر معنا ذكر الحاجة- من أكل أو شرب أو قضاء حاجة، متعمدًا، فإنه يبطل اعتكافه. قال: ثانيًا: الجماع، ولو كان ذلك ليلًا أو كان الجماع خارج المسجد، كان يذهب مثلًا إلى البيت لأجل أن يأكل أو يشرب فيجامع أهله، وهنا يبطل اعتكافه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، وأنتم عاكفون في المساجد، هذه الجملة جملة حالية، أي: حال كونكم معتكفين في المساجد، فأنتم ممنوعون من مباشرة النساء في مثل هذه الحال. قالوا: وفي حكمه الإنزال بشهوة بدون جماع، كالاستمناء، ومباشرة الزوجة في غير الفرج. وفي حكمه -يعني- في حكم الجماع: الإنزال بشهوة بدون جماع، كالاستمناء -أي العادة السرية- إذا فعلها المعتكف، وهي محرمة، إذا فعلها فإنه يبطل اعتكافه؛ لأنها في معنى الجماع من حيث قضاء الشهوة. أو مباشرة الزوجة في غير الفرج، إذا أتى أهله بالمباشرة وأنزل، فإنه كذلك يبطل اعتكافه. قال: الثالث: ذهاب العقل، فيفسد الاعتكاف بالجنون والسكر؛ لخروج المجنون والسكران عن كونهما من أهل العبادة. إنسان معتكف فجن، ذهب عقله وصار مجنونًا، بطل اعتكافه؛ لأن المجنون لا تصح منه العبادات بسبب عدم العقل. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «رفع القلم عن ثلاث، وعن المجنون حتى يفيق». أو سكر عياذًا بالله، فزال عقله، فإنه يبطل اعتكافه. قال: رابعًا: الحيض والنفاس؛ لعدم جواز مكث الحائض والنفساء في المسجد. يعني: إذا كانت المرأة معتكفة فحاضت، فهنا يبطل اعتكافها وتخرج من المعتكف. وهكذا إذا نفست وكانت حاملًا فولدت، فإنها كذلك تخرج من المعتكف. قال: خامسًا: الردة؛ لمنافاتها العبادة، ولقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، الردة مبطلة لجميع الأعمال، إذا ارتد عن دين الإسلام عياذًا بالله، فإن أعماله تبطل. قال الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. قال جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، فجعلناه هباءً منثورًا. هذه مبطلات الاعتكاف. وبهذا نكون انتهينا من قراءة ما يتعلق بكتاب الصيام من كتاب الفقه الميسر. نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما قرأنا وسمعنا. وإن شاء الله نبدأ بكتاب الحج بإذن الله بعد رمضان. إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. شكرًا لكم.