الدرس في شرح تطهير الاعتقاد 20، ألقاها
يصف انتشار ظاهرة التعلق بالقبور والتعظيم لها في بلاد الإسلام وتأثير التقليد الأعمى للآباء والأجداد في ذلك. ويعتبر ذلك من الشرك والضلال.
يشرح كيف ينشأ الأطفال على التعلق بالأموات وتأثير الكبار فيهم، ويبين دور العلماء في إقرار أو إنكار هذه الممارسات. ويشدد على أن سكوت العلماء ليس دليلا على جواز المنكر.
يتناول تحريم المكوس والضرائب مستدلاً بحديث نبوي، ويوضح أهمية إنكار العلماء لها حتى وإن كان بطرق مختلفة بسبب الظروف. ويشير إلى أن سكوت العلماء ليس دليلا على جوازها.
يؤكد على أن سكوت الناس عن إنكار الأفعال الخاطئة لا يعني أنها صواب، وأن هذه الأفعال محرمة كما دل عليها الكتاب والسنة. ويشدد على أهمية الرجوع إلى الأدلة الشرعية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام محمد بن أمير صنعاني رحمه الله في كتابه «تطير الاعتقاد»: فإن قلت: هذا أمر عم البلاد، واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد - والأغوار هم سكان البلاد المنخفضة، والأنجاد سكان البلاد المرتفعة - قال: وطبق الأرض شرقا وغربا، ويمنا وشاما، وجنوبا وعدنا، بحيث لا تجد بلدة من بلاد الإسلام إلا وفيها قبور ومشاهد وأحياء يعتقدونها ويعظمونها، وينذرون لها، ويهتفون بأسمائها، ويحلفون بها، ويطوفون بفناء القبر، ويسرجونه - يعني يوقدون عليه النار والأضواء - ويصنعون كل أمر يقدرون عليه من العبادة لها والتعظيم. بل هذه مساجد المسلمين غالبها لا يخلو عن قبر، أو في قريب منها - يعني إما في داخل المسجد أو في حوالي المسجد - قال: أو مشهد يقصده المصلون في أوقات الصلاة، ويصنعون فيه ما ذكر أو بعضا مما ذكر. والمشهد ربما بني على قبر، أو ربما كان معلما للولي أن هذا المشهد للولي الفلاني، وإن لم يكن في داخله قبر. قال: ولا يسع عقل عاقل أن هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة، ويسكت عليه علماء الإسلام الذين ثبتت لهم الوطأة في جهات من الدنيا. هذا كلام هذا القبور، فيستدل بما وقع فيه كثير من الناس من الجهل والضلال، والتعلق بهؤلاء الأموات وأصحاب هذه القبور، وعبادة الله جل وعلا عندها بأنواع العبادات، وأن هذا شيء قد انتشر في كثير من بلاد الإسلام، فيستدل بذلك على جواز مثل هذا الفعل، وأنه فعل صواب، وأنه ليس من الشرك والضلال. قلت: إن أردت الإنصاف، وتركت متابعة الأسلاف - يعني من الآباء والأجداد - وعلمت أن الحق ما قام عليه الدليل، لا ما اتفق عليه العوالم جيلا بعد جيل. عندكم العوالم، أو العوام عوالم في بعض النسخ، العوام، لكن ظهر أن العوالم صح، لا ما اتفق عليه العوالم - يعني الكثير من الناس، وأكثر وأكثر الناس - إذا كانوا قد اتفقوا على هذا الأمر، وعلى هذا الباطل، فليس معناه أنه صواب وأنه حق. قال: جيلا بعد جيل، وقبيلا بعد قبيل. والقبيل: الجماعة تكون من ثلاث فصاعدا. قال: فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن حول إنكارها، ونسعى في هدم منارها. والدندنة هو أن يتكلم بكلام تسمع نغمته، ولا يفهم معناه. هذا الكلام، والمقصود أن هذه الأمور التي نتكلم فيها، ونكرر التحذير منها، والدعوة إلى توحيد الله جل وعلا، ومخالفة ما كان عليه أهل الشرك. قال: صادرة من العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء - يعني هذه الأمور الشركية التي يفعلها عباد القبور من التعلق بالأموات والتقرب إليهم بأنواع العبادات - هذا مما أخذه هؤلاء الناس من أسلافهم وأباهم وأجدادهم الذين كانوا على مثل هذا الضلال، فحالهم كما أخبر الله عز وجل عن أمثال هؤلاء: ﴿إن وجدنا آباءنا على أمة وإن على آثارهم مقتدون﴾. قال: صادرة من العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل، ومتابعة لهم من غير فرق بين دبير وقبيل. والدبير والقبيل يطلق على أول الخيط آخره. والمعنى أنهم لا يعرفون شيئا من الأمور. قال: ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل قريته وأصحاب بلدته يلقنونه في الطفولية أن يهتف باسم من يعتقدونه - يعني الذين يعتقدون فيه ويتعلقون به من الولي الفلان - فيهتفون باسمه، فينشأ هذا الطفل وهو يسمعهم يهتفون باسم هذا الولي الذي يزعمونه، فيفعل مثلهم. قال: ويراهم ينذرون عليه، ويعظمونه، ويرحلون به إلى محل قبره - يعني يأخذونه إلى محل قبر هذا الولي، وربما سافروا المسافة الطويلة من أجل زيارة الولي الفلاني - قال: ويلطخونه بترابه - يعني بتراب قبر هذا الميت، ربما لطخوه به حتى ينال بركته كما يزعمون - قال: فيجعلونه على قبره طائفا - يعني يطوف حوله كما يفعل عباد القبور - قال: فينشأ وقد قرأ في قلبه عظمة ما يعظمونه، وقد صار أعظم الأشياء عنده من يعتقدونه - أي التعلق بهؤلاء الأموات - ينشأ هذا الطفل على هذه العقيدة الباطلة لما يرى من آبائه وأجداده من التعلق به والتلفظ باسمه، وربما طلب الحاجات وكشف الكربات منه، فينشأ على هذه العقيدة الباطلة. قال: فنشأ على هذا الصغير، وشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد عليهم من نكير. بل ترى ممن يتسمى بالعلم، ويدعي الفضل، وينتصب للقضاء والفتيا والتدريس، أو الولاية أو الإمارة، معظما لما يعظمونه، مكرما لما يكرمونه. وهذا الفعل ممن ينتسب إلى العلم ما يصدر إلا من أحد رجلين: إما أنه جاهل بحقيقة التوحيد، وأن هذه الأفعال مما ينافي التوحيد، وإما أن يكون يعلم أنها أمور باطلة، لكن من أجل عرض من أعراض الدنيا يسكت عن الإنكار، ويقر مثل هذه الأفعال الشركية. قال: قابضا للنذور، آكلا ما ينحر على القبور، فيظن أن هذا دين الإسلام، وأنه رأس الدين والسنام. والسنام: أعلى الشحم الذي يكون في أعلى الإبل، ويريد بذلك أن هذه الأمور يظن أنها من الأمور العظيمة والعالية في الإسلام. وهذا بسبب ما يرى من هؤلاء الذين ينتسبون إلى العلم كيف أنهم يقرون هذه الأفعال، ويعظمونها، ويدعون أنها من الدين. قال: ولا يخفى على أحد يتأهل للنظر، ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر، أن سكوت العالم أو العالم على وقوع منكر ليس دليلا على جواز ذلك المنكر، لأنه ربما يسكت عن جهل، أو ربما يسكت بسبب من الموانع يمنعهم من الإنكار، من وجود مثلا حاكم ظالم يعلم أنه إن تكلم قتله، وصفك دمه، فيكون ذلك مانع له من إظهار الإنكار على هذا الأمر. قال: ونضرب لك مثلا من ذلك، وهي هذه المكوس المسماه بالمجابي - يعني الضرائب - المكوس جمع مكس، وهي الضريبة التي يأخذها الماكس - يعني صاحب الضرائب - وهي العشار، كما قال «من الأثير» رحمه الله في «النهاية». وذكر ذلك المحقق حفظه الله، قال: المعلوم من ضرورة الدين تحريمها - يعني تحريم المكوس والضرائب - فالضرائب ما يأخذه تأخذه الدولة على التجار في تجاراتهم، هذه من أخذ الأموال بالباطل. ويدل على تحريمها ما جاء في «صحيح مسلم» من حديث بريدة في قصة المرأة التي أقيم عليها حد الزنا، فلما رجمت وكان مما رجمها خالد بن الوليد رضي الله عنه، فرماها بحجر في رأسها ففضخ رأسها، فوقع فيه شيء من دمها، فسبها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تسبها، لقد تاب التوبة لو تابها صاحب مكس لوسعته أو لغفر له». صاحب مكس - يعني صاحب الضرائب - يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن تاب التوبة - يعني نصوحة وتوبة صادقة - لو تابها صاحب مكس - أي صاحب الضرائب - وهل يدعى لأن الضرائب كبيرة من كبائر الذنوب، أنها كبيرة من كبائر الذنوب. قال: قد ملأت الديار والبقاع، وصارت أمرا مأنوسا لا يليج إنكارها إلى سمع من الأسمع. لا يليج إنكارها إلى سمع من الأسمع - يعني لا يدخل إنكار هذه الضرائب إلى سمع أحد من الناس - لكن هل معنى هذا أنه لا ينكره أحد، أو لم ينكر أحد؟ الجواب: لا، قد يوجد من ينكر، لكن ما يستمع له أحد من الناس، ولا يلتفت له ملتفت. قال: وقد امتدت أيدي المكاسين في أشرف البقاع في مكة أم القرى، يقبض من القاصدين لأداء فريضة الإسلام، ويلقون في البلد الحرام كل فعل حرام. وسكانها من فضلاء الأنام، والعلماء والحكام ساكتون عن الإنكار، معرضون عن إيراده والإصدار. أفيكون السكوت من العلماء، بل من العالم دليلا على جوازها وأخذها وإحرازها؟ هذا لا يقوله من له أدنى إدراك. وقوله رحمه الله: ساكتون، والعلماء والحكام ساكتون عن الإنكار، هذا لا يسلم له كما أشار في ذلك، وعلق على ذلك الشيخ عبد العزيز الراجحي حفظه الله، أنه ما يسلم له أن العلماء ما أنكروا ذلك، بل العلماء ينكرون، ينكرون هذه المكوس وهذه الضرائب، وغيرها من المنكرات التي يقع فيها كثير من الناس، فهم ينكرونها، وربما يعني أنكر البعض، واقتفى البعض الآخر بإنكار من أنكر فلم ينكر. فليس معنى هذا أن أنه لم ينكر أحد من العلماء - يعني على جهة الإطلاق - فهذا ليس بصحيح. وكذلك أيضا ربما ينكر العالم، لكن ما يستمع له أحد، لا يستمع له أحد، ولا يستجيب له أحد، فليس معنى هذا أنه ما أنكر. فعلى كل، أن الإنكار مثل هذه الأمور وهذه المحرمات لا شك أن العلماء ينكرونها، لكن قد لا يستجيب لهم أحد، ولا يسمع لهم. وكذلك أيضا قد ينكر بعض أهل العلم، وبعضهم لا ينكر، إما اكتفاءا بإنكار من أنكر، أو كذلك أيضا ربما لا يستطيع أن ينكر بلسانه لوجود حاكم ظالم وحاكم فاسق، ربما إذا أنكر بلسانه يعني أصابه بسوء، واعتدى عليه، فيكتفي أن ينكر بقلبه، فيكتفي أن ينكر بقلبه بدلا من الإنكار باللسان. والمقصود مقصود المؤلف أنه لو أن العلماء ما تكلموا، ولا أنكروا هذه المكوس والضرائب، هل يعني هذا أنها حلال، وأن فعلها صواب؟ الجواب: لا. وهكذا لو استدلال هذا القبور بانتشار هذه المظاهر الشركية، والزيارات البدعية، وما يفعل عند القبور من أنواع الشرك، ليس معناه أنه فعل صواب، وأنه فعل جائز. إذا سكت من سكت عن الإنكار، أو انتشر فعل هذه الأفعال في كثير من الأقطار، ليس معناه أنه فعل صواب، وأن ما يفعلونه من الأمور الجائزة، بل هي أمور محرمة كما دل عليها أدلة الكتاب والسنة. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.