التعليق على مقدمة سنن الدارمي 35

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 35، ألقاها

تحذير النبي من اتباع المتشابه

يروي قصة صبيغ بن عسل الذي سأل عن متشابه القرآن وعوقب، ويبين أن اتباع المتشابه يعتبر زيغاً. النبي حذر من اتباع المتشابه.

تفسير المتشابه واتباع أهل الزيغ

يفسر آية آل عمران حول المتشابه، ويشرح معنى الراسخين في العلم وأهل الزيغ. يحذر من اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة.

التأديب والهجر لأهل البدع

يتناول قصة صبيغ العراقي وكيف عالج عمر بن الخطاب الأمر بضربه وهجره. يستخلص منهج التعامل مع أهل الأهواء والبدع.

منهج التعامل مع الأتباع

يشرح كيفية التعامل مع الأتباع الذين يصبرون على بعضهم ويقبلون النصيحة. التأكيد على الصبر والنصيحة في التعامل معهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب من هاب الفتيا وكره التنطع والتبدع: أخبرنا أبو النعمان ومحمد بن الفضل الملقب بعارم، قال: حدثنا حماد بن زيد وأبو اسماعيل، قال: حدثنا يزيد بن حازم، وهو أخو جرير بن حازم، وكلهما ثقة، عن سليمان بن يسار، وهو الهلال، ثقة. وكان ابن المسيب رحمه الله يحيل إليه، فيقول لمن سأل: اذهب إلى سليمان بن يسار، فإنه أعلم من بقي اليوم. قال: أن رجلا يقال له صبيغ، هو صبيغ بن عسل، قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن. وسيأتي في رواية أخرى أنه كان يسأل عن سورة الذاريات. قال: فأرسل إليه عمر، وقد أعد له عراجين النخل. قال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ. فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه، وقال: أنا عبد الله عمر. فجعل له ضربا حتى دمي رأسه -يعني جرحا-. قال: يا أمير المؤمنين، حسبك، قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي. هذا الأثر صحيح، والقصة ثابتة، وقد ذكرها كثير من أهل العلم. فصبيغ بن عسل كان يسأل عن متشابه القرآن، ليس على سبيل معرفة الحكم والوقوف عند ما ثبت في الكتاب والسنة، لكن على سبيل اتباع المتشابه وضرب الآيات بعضها ببعض. فلما سمع عمر رضي الله عنه به وبما يسأل ويقول، أراد أن يؤدبه حتى يعرف كيف يقف عند آيات القرآن، ولا يتبع ما تشابه منها، فيظهر أن القرآن فيه شيء من التناقض، وكذلك أيضا فيه عدم الإحكام في آيات الله جل وعلا. فلما سمع عمر بأمره وما يقول ويسأل، ضربه حتى ذهب عنه ما في رأسه. وهذا فيه جواز تعزير أهل البدع، جواز تعزيرهم وضربهم حتى يرجعوا إلى السنة ويتركوا ما هم فيه من البدع والضلال. وكذلك أيضا فيه أن من كان على مثل هذا الحال ممن يسأل عن المتشابه، ولا يقصد بالسؤال معرفة الحكم، وإنما كما سمعنا إظهار أن القرآن فيه شيء من التناقض أو عدم الإحكام أو شيء من ذلك، فمثل هذا لا يجاب، هذا لا يستحق أن يجاب، بل يستحق أن يؤدب بالضرب أو الحبس ونحو ذلك من أنواع التعزير. وهذا يعني الذي ينبغي أن يعامل به أهل الأهواء، لكن أمر هذا إلى ولي الأمر، ليس إلى أحد الناس. لا هذا الأمر أمر التعزير وإقامة الحدود، هذا أمرها إلى ولي الأمر، هو الذي ينبغي أن يقوم بإقامة الحدود والتعزير من يستحق التعزير. قال رحمه الله: وأخبرنا أبو الوليد الطيالسي، وهو هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا حماد بن سلمة أو أبو سلمة، ويزيد بن هارون بن إبراهيم، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن القاسم أو بن محمد بن أبي بكر، أحد الفقهاء السبعة، قال: عن عائشة، قالت: تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، فقال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم». وهذا الحديث في صحيح إمام مسلم. تلى النبي عليه الصلاة والسلام هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. ذكر أهل العلم بعض المعاني في معنى المتشابه في هذه الآية، في كون القرآن منه محكم ومنه متشابه. قيل: المتشابه هي الحروف المقطعة في أوائل السور، أن هذا من المتشابه، والمحكم ما سوى ذلك. وقيل: المتشابه ما لا يعلمه إلا الله، والمحكم ما يعلمه الراسخون في العلم. وهذا أقرب. لهذا، الله عز وجل قال بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. على قراءة العطف، العطف فيكون المعنى: ما يعلم تأويله -أي تفسيره- إلا الله والراسخون -يعني يعلمون تفسيره وتأويله-. فيكون هناك من القرآن ما قد يخفى على بعض الناس، لكن يعلمه الراسخون في العلم، يعلمون معناه ويعلمون تأويله. وعلى قراءة الاستئناف، أن في قوله جل وعلا: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، الواو في هذه الآية فيها قراءتان، كلاهما سبعيتان. قراءة العطف، عطف الراسخون على قوله جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، فيكون التأويل هنا بمعنى التفسير، بمعنى التفسير. والقراءة الأخرى على أن الواو استئنافية، فيكون الوقف عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. والراسخون في العلم، يكون المعنى المراد بالتأويل في هذه الآية على الوقف، أي حقيقة الأمور وما تأول إليه، فهذا لا يعلمه إلا الله، كحقيقة الصفات، كيفياتها، وحقيقة الجنة، وحقيقة النار، إلى آخر ذلك، فهذا مما استأثر الله جل وعلا بعلمه. وقيل: المتشابه ما احتاج إلى غيره في بيان معناه. وهذا أيضا يدخل في المعنى الذي قبله، من أنه مما يعلمه الراسخون، كمعرفة مثلا المراد بالقر، هل المراد به الطهر أو المراد به الحيض، هذا من المتشابه، فيزال إشكاله بالأدلة الأخرى. كذلك قوله جل وعلا: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، هل هو الزوج أو هو ولي المرأة؟ يحتاج إلى غيره في بيان المراد، ونحو ذلك من الآيات. وقد يطلق المتشابه بمعنى المشابهة، لكن ليس المراد به في هذا الموضع. قد يطلق المتشابه في القرآن بمعنى أن يشبه بعضه بعضا، وهذا كما في آية سورة الزمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾، متشابها يعني يشبه بعضه بعضا. تذكر آيات الجنة في هذه السورة، تذكر في سورة أخرى، وفي سورة أخرى، وكلها يصدق بعضها بعضا ويشبه بعضها بعضا. تذكر قصص الأنبياء، قصة موسى مثلا، أو نوح، أو غيره، فتذكر في أكثر من سورة، ويشبه بعضها بعضا، وهكذا تذكر الأحكام، تكرر في أكثر من سورة، ويشبه بعضها بعضا. لكن ليس المراد في هذا الموضع هذا المعنى. المراد بالتشابه في هذه الآية، كما سمعنا، إما يراد بها كيفيات الصفات وحقائق الأشياء، حقيقة الجنة، وحقيقة النار، كيفياتها، أو يراد بها محتاج إلى غيرها في بيان معناها، كبعض الكلمات والجمل التي تحتاج إلى غيرها في بيان المراد. فسبيل الراسخين في العلم وأهل الإيمان أن يؤمنوا بما أخبر الله سبحانه وتعالى به، أن يؤمنوا بما أخبر الله جل وعلا به. وأما أهل الزيغ وأهل الانحراف، فهؤلاء الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. ابتغاء الفتنة يعني بالاستدلال بهذه الآيات المتشابهة حتى يظهر أن القرآن فيه تناقض أو فيه تعارض وعدم إحكام، أو ابتغاء تأويله -يعني تفسيره بغير التفسير الصحيح-. تفسيره بغير التفسير الصحيح، هؤلاء القوم، وهذا الصنف من الناس، حذر الله جل وعلا منهم. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم». أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالحذر منهم، وهذا فيه تحذير النبي عليه الصلاة والسلام من أهل البدع والأهواء، لأن هذا سبيل أهل البدع والأهواء، ربما يستدل بآية على باطله وعلى بدعته، وهي لا تدل على ذلك، لكن من باب اتباع المتشابه، يستدل بآية على باطله، وهي لا تدل على ذلك، وآيات أخرى كثيرة تدل على المراد من هذه الآية والمقصود منها. فأمثال هؤلاء يحذرون، وهذا سبيل -كما سمعنا- أهل الأهواء وأهل البدع، أنهم يستدلون على باطلهم ببعض الأدلة وبعض الآيات، يظنونها أدلة، وهي بالحقيقة لا تدل على ما استدلوا به على باطلهم. قال رحمه الله: وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا حفص عن الأعمش، هو سليمان المهران، عن شقيق أو من عبد الله، قال: سئل عبد الله -يعني ابن مسعود- عن شيء، فقال: إني لأكره أن أحل لك شيئا حرمه الله عليك، أو أحرم ما أحله الله لك. وهذا الأثر صحيح، وهذا فيه تورع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، هو عالم من علماء الصحابة. سئل عن شيء، فقال: أكره أن أحل لك شيئا حرمه الله، أو أحرم ما أحله الله لك. وهل هذا لجهله وعدم معرفته بالحكم؟ هو عالم من علماء، لكن تورع عن الإجابة عن هذا السؤال، إما لعدم ظهور الجواب له في هذه المسألة، أو ربما كان غير متيقن في جوابها، فتورع عن الجواب عنها، رضي الله تعالى عنه. قال رحمه الله: وأخبرنا محمد بن عيينة -محمد بن عيينة هو الفزاري، وهو ختن أبي إسحاق الفزاري، يعني زوج ابنته-. قال فيه الحافظ في التقريب: مقبول. قال: عن أبي إسحاق الفزاري، وهو الإمام، ثقة، حافظ، كما قال ابن حجر رحمه الله، وهو إبراهيم بن محمد بن الحارث، قال: عن ابن عون وعبد الله بن سيرين -هو محمد بن سيرين- قال: عن حميد بن عبد الرحمن -وهو الحميري- قال: لأن أرده بعيه أحب إلي من أن أتكلف له ما لا أعلم. قال: لأن أرده بعيه أحب إلي من أن أتكلف الجواب في شيء لا علم به. يعني السائل، أرد السائل بما سأل، ولا أجيبه، أحب إليه من أن أتكلف الجواب في شيء لا علم به. هذا من التورع، ومن الخوف من الله، ومن العلم أن يقف حيث يعلم، أن يقف العالم حيث ما علم، وما لا يعلمه يقول: الله أعلم. قال: لأن أرده بعيه -في الحديث-: «إنما شفاء العي السؤال». يعني شفاء صاحب الحاجة، مسألته، أحب إليه من أن أتكلف له ما لا أعلم. وهكذا ينبغي أن يكون العالم، طالب العلم، السؤال عن شيء لا يعلم، يقول: الله أعلم، يحيل إلى غيره ممن أعلم منه. أسأل فلانا، الله أنا ما أعلم، ما عندي جواب، يقولها بكل سهولة، ما أبردها على القلب أن تقول: الله أعلم، في شيء لا تعلمه. وهذا كما سمعنا يدل على العلم والخشية والخوف من الله، وكذلك أيضا تسلم من أن تقول على الله بلا علم، ولا تنقص من قدرك شيئا، بل هذا مما يدل على فضلك وعظيم منزلتك، أنك لا تتكلم إلا بعلم. قال رحمه الله: وأخبرنا عبد الله بن صالح، وكاتب الليث، فيه ضعف، قال: حدثني الليث -الأثر الذي قبله ضعيف، لأن محمد بن عيينة قال فيه الحافظ: مقبول، لكن معنى الأثر صحيح-. قال: حدثني الليث، هو بن سعد، أبو الحارث الفهمي، قال: أخبرني ابن عجلان، عن نافع، مولى عبد الله، أن صبيغا العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن، في أجناد المسلمين، حتى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب. فلما أتاه الرسول بالكتاب، فقرأه، قال: أين الرجل؟ قال: في الرحل. قال عمر: أبصر، أيكون ذهب، فتصيبك منه العقوبة الموجعة. قال: فأتاه به، فقال عمر: تسأل محدثة؟ وأرسل عمر إلى رطائب من جريد، فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة -يعني مجروحا ومؤلما-. قال: ثم تركه حتى برأ، ثم عاد له، ثم تركه حتى برأ، عاد له -يعني ضربه كالمرة الأولى-، ثم تركه حتى برأ. ثم أرسل به ليعود له، قال: فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا، وإن كنت تريد أن تداويني، فقد والله برأت. فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري ألا يجالس أحد من المسلمين -يعني أمر بهجره-. فاشتد ذلك على الرجل، فكتب أبو موسى إلى عمر: أن قد حسنت توبته. فكتب عمر: أن إذن للناس بمجالسته. القصة بهذا السند فيها شيء من الضعف، فعبد الله بن صالح فيه كلام، وكاتب الليث ضعيف، ونافع مولى عبد الله من عمر لم يسمع من عمر. لكن أصل القصة صحيح، وكما ذكرنا رواها كثير من أهل العلم في كتبهم. وفي هذه الرواية زيادة على ما تقدم، أنه أمر بهجره بعد أن ضربه وأظهر التوبة، وأن ما في رأسه قد زال. أمر عمر بهجره حتى تتبين توبته، فهجر حتى صلحت توبته وحسنت، فأمر عمر رضي الله عنه حينئذ أن يجالسه الناس. وهذا كله من باب التأديب، تأديب أهل الأهواء حتى يرجع عن أهوائهم ويكف عن بدعهم. وفيه كذلك أيضا جواز هجر أهل الأهواء إذا كان في الهجر مصلحة حتى يتأدب ويرجع عما يقول ويذهب من هذه الأهواء. فإذا كان في ذلك مصلحة فإنه يهجر، وإن لم يكن في ذلك مصلحة فإنه يناصح حتى يترك ما عندهم من هذه البدع. لكن هذا يختلف باختلاف الأشخاص. طيب صاحب البدعة الداعي إليها، الذي يكون رأسا في البدعة، هذا يهجر ولا كرامة. أما الأتباع، فهؤلاء الذين يصبر على بعضهم، إذا تابوا في هذه البدعة، فينصحون، وإن لم تنفع النصيحة فإنه يترك. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على