شرح القواعد المثلى  25

شرح القواعد المثلى 25

الدرس في شرح القواعد المثلى 25، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

ظواهر نصوص الصفات: المعنى والكيفية

يقرر الشيخ ابن عثيمين أن ظواهر نصوص الصفات معلومة المعنى مجهولة الكيفية، مستدلاً بالسمع والعقل على ذلك. ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم بين ما احتاج إلى بيان من ألفاظ القرآن، وأن تأليف التفاسير تأخر بسبب دخول الدخيل على اللغة.

رد مذهب المفوضة في الصفات

يبطل الشيخ قول المفوضة الذين يزعمون عدم علم معاني آيات الصفات ويجعلونها كالحروف المقطعة. ويؤكد أن السلف أثبتوا المعاني وفوضوا الكيفية فقط، بينما المفوضة فوضوا المعنى والكيفية معاً وهو ضلال.

رد ابن تيمية على المفوضة وبيان بطلان قولهم

ينقل الشيخ ابن عثيمين رد شيخ الإسلام ابن تيمية من كتاب العقل والنقل على المفوضة النافين لمعاني الصفات. ويبين أن قولهم يلزم منه جهل الأنبياء وتعطيل القرآن، وهو حجة للملحدين، وقد أثنى ابن القيم وابن عثيمين على هذا الرد.

خاتمة الكتاب ونسبة الترجمة

يختتم المؤلف الكتاب بالبسملة والحمدلة والتسليم لعلم الله تعالى في صفاته. وينسب العمل المترجم إلى المترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد، قال الشيخ العلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "قاعدة المثنى في قواعد الأدلة": "القاعدة الثالثة: ظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار، ومجهولة لنا باعتبار آخر. فباعتبار المعنى هي معلومة، وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة". وهذا ما تكلمنا عنه في درس أصول في التفسير: أن ظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار، باعتبار ماذا؟ المعنى. ويبقى وجه ربك معلوم لنا معنى الوجه في اللغة، معنى الوجه في اللغة، فبهذا الاعتبار فهي معلومة. وأما باعتبار الكيفية فهي مجهولة، لا يعلم كيفية صفات الله عز وجل إلا هو سبحانه وتعالى. قال: "وقد دل على ذلك السمع والعقل". عرفنا ما معنى السمع: يعني دليل الكتاب أو السنة. والعقل: يعني الأدلة العقلية. وذكرنا أن الشيخ رحمه الله يذكر الأدلة العقلية لأنه لا يخاطب السلف فحسب، بل يخاطب كذلك المخالف. قال: "أما السمع فمنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾". وجه الشاهد من هذه الآية: أن الله عز وجل أنزل الكتاب لتدبر الآيات، فمعلوم أنه لا يمكن الوصول إلى ذلكم التدبر إلا بماذا؟ إلا بالوصول إلى المعنى. كيف تتدبر الآيات وأنت لا تعرف المعنى؟ هل يمكن هذا؟ لا يمكن هذا. وإذ ذاك ذكر العلماء أن من الأسباب المعينة على تدبر القرآن معرفة معاني القرآن وتفسير القرآن. فهذا هو وجه الشاهد من هذه الآية. فإذا نحن نعلم المعنى حتى نتدبر. فلما يقرأ السلف: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، يعظم الله عز وجل إذ أن الرب سبحانه وتعالى قد اتصف بهذه الصفة. إذا قرأ السلف قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فهو يثبت العلو لله سبحانه وتعالى، صفة العلو. ولذلك فالمؤمن عند دعائه يتجه قلبه إلى العلو، فالله سبحانه وتعالى على السماء، ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾، يثبت هذه الصفات فيعلم معناها فيتلذذ بالتدبر بالقرآن. وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وهذا أيضا وجه الشاهد منها واضح، فمعنى "تعقلون" أي تعقلون معناه. فلو أن ما نعلم معاني الصفات فكيف نعقل القرآن؟ لا يتأتى هذا. فاللفظ معلوم لدينا، لفظ للغة العربية، لكن المعنى كذلك من معاني اللغة العربية. فكما أن اللفظ عربي فالمعنى عربي، فكما أن اللفظ عربي فالمعنى عربي. وهكذا الآية الثالثة: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. فالتفكر، التفكر إنما يكون بمعرفة المعنى. التفكر يكون بمعرفة المعنى. فالرسول عليه الصلاة والسلام بيّن القرآن لفظه ومعنى، وهذا معنى قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾، بيّن اللفظ وبيّن كذلك المعنى، وبيّن المعنى. وهنا في الشرح الشيخ أورد سؤالا على وجه استشكال، وهذا السؤال يقول: إذا قال قائل: يلزمكم على هذا أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم تفسير كامل للقرآن لأنه بيّن القرآن. فالجواب: لا، لا يلزم ذلك. لماذا؟ لأن من القرآن ما هو بيّن لا يحتاج إلى بيان، لأن مقتضى اللغة تدل عليه. فأنت لما تقرأ مثلا لفظ "اليدين" أو "الوجه"، هل هذا يحتاج إلى تفسير الآن؟ معروف ما معنى الوجه وما معنى اليدين. الاستواء معلوم، ما يحتاج تفسير، معناه العلو والصعود والارتفاع ونحو ذلك. فبعضها بيّن. نعم، بيّن النبي عليه الصلاة والسلام بعض الألفاظ التي ربما يعني لها عدة معاني في اللغة، فبيّن معناها وبيّن المقصود منها. ومثّل الشرح لذلك بقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. جاء في صحيح مسلم من حديث صهيب أن الزيادة ماذا؟ الجنة، الرؤية، رؤية الله سبحانه وتعالى، النظر إلى وجه الله، النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. وهكذا في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، فسّر النبي عليه الصلاة والسلام معنى القوة كما كذلك في صحيح مسلم، وأنها ماذا؟ الرمي. فنعم، بعض الكلمات تحتاج إلى بيان فبيّنها النبي عليه الصلاة والسلام، وبعض الكلمات ما تحتاج إلى بيان لوضوح معناها، لوضوح معناها. طيب، قد يقول القائل: إذن لماذا الآن العلماء ألفوا تفاسير في القرآن؟ ألفوا تفاسير في القرآن؟ لماذا؟ فيقال الجواب: لأن العرب قد تخلوا عن لغتهم أصلا، ودخلها الدخيل، وقل فهم اللغة، فاضطر العلماء أن يؤلفوا تفاسير للقرآن. وإلا في الزمن الأول ما كان يوجد تفسير للقرآن كابن جرير الطبري، هذا جاء في العصور التي هي بعد عصور الصحابة والتابعين. ففي العصور الأول، عصر الصحابة والتابعين، ما كان هناك تفسير للقرآن لأنهم يعلمون اللغة وما دخلها الدخيل. فلما يعني المسلمون لم يعتنوا في اللغة، ودخل اللغة الدخيل، واحتكوا بالأعاجم ونحو ذلك، فاضطر العلماء أن يؤلفوا في التفسير كما ألفوا في ماذا؟ في قواعد اللغة النحو. لماذا ألفوا فيه؟ لأنه بدأ اللحن، بدأ اللحن في اللغة، فاضطروا إلى أن يؤلفوا قواعد يضبطوا بها استقامة اللسان. فهكذا يقال في هذه الشبهة. قال: "والتدبر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه"، يعني بالمعنى، ﴿لِيَتَذَكَّرَ﴾ الإنسان بما فهمه منه. وكون القرآن عربيا ليعقله من يفهم العربية يدل على أن معنى معلوم. وهذا واضح. ﴿أَنزَلَ بِلِسَانِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ من نبي عليه الصلاة والسلام. لماذا لم يرسل بلسان آخر؟ لأن القصد من إنزاله التفهم والتعقل والتدبر، ولا يكون ذلك إلا إذا فهم المخاطبون معنى هذا الكلام. صح. فهذا معنى قول الشيخ: "وكون القرآن عربيا ليعقله من يفهم العربية يدل على أن معنى معلوم". وإلا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية وغيرها إذا كان لا يهم المعنى. سينزل القرآن بأي لغة أخرى وإن لم يفهمها لأن الفهم ليس مهم. ما أريد به الفهم. وهذا الآن حجة قوية. قال: "وبيان النبي صلى الله عليه وسلم القرآن للناس شامل لبيان لفظي وبيان معنى". في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾، تبين لهم وتبين كذلك ماذا؟ المعنى. هذا هو المراد. قال: "وأما العقل فلأن من المحال أن ينزل الله تعالى كتابا أو يتكلم أو يتكلم رسوله صلى الله عليه وسلم بكلام يقصد بهذا الكتاب وهذا الكلام أن يكون هداية للخلق، ويبقى في أعظم الأمور وأشدها ضرورة مجهول المعنى بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم منها شيء، لأن ذلك من السفه الذي تأباه حكمة الله تعالى". ومعنى هذا كما ذكرنا أن الشيخ يأتي بالحجج العقلية حتى يلجم الخصم الذي لا يبالي بالأدلة السمعية وإنما يلجأ إلى الحجج العقلية، فيحاج الشيخ هؤلاء بمثل ما يعني يعتقدون من أدلة عقلية. فقال: "وأما العقل فلأن من المحال أن ينزل الله تعالى كتابا أو يتكلم رسوله بكلام يقصد بهذا الكلام، بهذا الكتاب، أن يكون هداية للخلق". الآن هذا الكتاب أنزل ماذا؟ هداية للخلق، أن يهتدي به الناس. فكيف يهتدي به الناس ويبقى في أعظم كما ذكر هنا الأمور، أشدها ضرورة مجهول؟ ما هي أعظم الأمور؟ معرفة ذلك المعبود، ذلك الخالق. فصفات الله عز وجل تتعلق بأعظم أمر ألا وهو الخالق سبحانه وتعالى. فكيف لا يبين، لا يبين القرآن هذا الأمر المهم؟ هذا شيء محال، لا يمكن يقع. فهذا معنى قوله: "ويبقى في أعظم الأمور وأشدها ضرورة مجهول المعنى بمنزلة الحروف الهجائية". بعض هؤلاء أهل البدع يقول: لا نخوض. وهم المفوضة، وسينبئ عليهم بعد قليل إن شاء الله. هؤلاء المفوضة يقولون: لا نخوض في آيات الصفات، فالله أعلم بها. ما معنى ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ الله أعلم. مثل الحروف الهجائية، مثل ﴿الم﴾ أو ﴿طسم﴾ أو نحو ذلك. لا نعرف معناها، الله أعلم، ولا كيفيته. سبحان الله، فكيف نفهم القرآن إذن؟ كم آية في آيات الصفات؟ كم آيات الصفات كثيرة؟ كل هذه ما نفهمها؟ هذا شيء لا يعقل. وأضع هذا الآن. فهذا معنى قوله: "التي لا يفهم منها شيء بمنزلتها الحروف الهجائية التي لا يفهم منها شيء، لأن ذلك من السفه". هذا السفه أن تقول: آيات الصفات ما نفهم معناها وما نعرف معناها، هذا من السفه الذي تأباه حكمة الله تعالى. إذ كيف ينزل هذه الآيات بلغة معلومة، بلسان عربي مبين واضح، ثم لا نفهم هذا الواضح؟ هذا الشيء لا يعقل. فهمتم هذا الآن؟ وقد قال الله تعالى عن كتابه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. فهذه الآيات فصلت وبينت، لا مجال لقول من قال: إننا لا نفهم معناها. ثم قال: "هذه دلالة السمع والعقل على علمنا بمعاني نصوص الصفات، فالمعاني نعلمها كما قدر". قال: "وأما دلالتهما على جهلنا لها باعتبار الكيفية فقد سبقت في القاعدة السادسة من قواعد الصفات". والقاعدة السادسة: أن صفات الله عز وجل ينبغي أن تتخلى من محظورين، ما هما؟ التمثيل والتكييف. وتكلم على مسألة التكييف، وأن الكيفية لا نعلمها وإنما علمها عند الله سبحانه وتعالى لأنها من أمور الغيب. وتكلم على هذه المسألة فيما سبق. قال: "وبهذا علم بطلان مذهب المفوضة الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات، ويدعون أن هذا مذهب السلف". وهذا شر أقوال أهل البدع، قول المفوضة. ومع هذا يزعم هؤلاء أن هذا مذهب السلف، بل ويقولون هؤلاء أنه أسلم وأحكم. وهذا من الضلال والعياذ بالله. فليس مذهب السلف التفويض مطلقا، وإنما نعم مذهب السلف تفويض الكيفية. أما تفويض المعنى والكيفية فهذا ليس مذهب السلف. وهذا الدعوى منهم. وقد تواتر عن الأئمة إثبات الصفات، الترمذي والبخاري وغيرهم من علماء السنة جاءت عنهم النقولات الكثيرة في إثبات الصفات كما جاءت إثبات معانيها، وإنما كانوا يمرونها كما جاءت يعني من غير كيف، وهم ينفون ماذا؟ الكيفية، لا المعاني. ومذهب المفوضة عرفنا معناه: الله أعلم، يقول: ما نخوض بهذا، نمررها، لا معنى ولا كيفية مطلقا، ما ندري بمعنى أبدا. ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، الله أعلم. ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾، الله أعلم. ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، الله أعلم. طيب، كما أخذ هذا مذهبهم، وهذا مذهب باطل، وسيأتي من كلام شيخ الإسلام أن هذا من شر مذهب أهل البدع. لماذا؟ لأنه يظهر بمظهر الزخرفة والقبول، ولذلك استحسنه كثير من الناس، حتى المتصوفة كثير منهم يذهب هذا المذهب في زماننا. وإذا أثبت صفة، عظم هذا الأمر، قال: أعوذ بالله، ماذا نفعل؟ قال: لا، ما نخوض في هذا، الله أعلم. هكذا هو نفسه مذهب المفوضة. وعندهم بيت مشهور ذكره هنا في الشرح: "وكل نص أوهم التشبيه فأوله أو فوض ورم تنزيها". وهذا من الضلال، يعني أي نص أوهم التشبيه بعقولهم القاصرة ماذا تفعل؟ تؤوله أو تفوضه. فبعضهم يؤول، والتأويل بمعنى التحريف. مثلا: اليد يؤولونها بالنعمة، والاستواء يؤولون بالاستيلاء. واضح وهكذا. وإذا ما وجدوا لهم مدخلا فوضوا، بعض الصفات ما يستطيعون تحريفها، فماذا يفعلون؟ يقولون: لا، الله ما نعلم معناها. هذا معنى قولهم: "وكل نص أوهم التشبيه فأوله أو فوض ورم تنزيها". يظنون أن ذلك من التنزيه، بل هذا من، والعياذ بالله، الجحود بصفات الله. نعم. قال: "ويدعون أن هذا مذهب السلف، والسلف، والسلف بريؤون من هذا المذهب". وقد توافت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص، يعني عن السلف إجمالا أحيانا وتفصيلا. إجمالا يعني: جميع الصفات بدون تحديد صفة معينة. وتفصيلا يعني: بتناول بعض الصفات وإثباتها على وجه الخصوص. قال: "ويفوضون الكيفية إلى علم الله عز وجل". نعم، يفوضون ماذا؟ الكيفية، كيفية الصفة. أما معنى الصفة فلا. قال: "قال شيخ الإسلام تيمية في كتابه المعروف بالعقل والنقل". وهذا الكتاب كما ذكر في الشرح كتاب من أجل كتب شيخ الإسلام، وأثنى عليه ابن القيم ثناء عظيما. فقال: "وله كتاب العقل والنقل الذي ما في الوجود له نظير ثاني". يعني هذا ثناء عظيم من ابن القيم على هذا الكتاب. يرد فيه على أهل الإلحاد، ويرد فيه كذلك على الفلاسفة. ولكن هذا الكتاب لا يقرأ فيه إلا من كان متبحرا في العلم، عالما راسخا، وليس كل أحد. قال: "أما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن وحضنا على عقله وفهمه"، يعني عقله يعني أن نعقله وأن نفهمه. قال: "فكيف يجوز مع ذلك أن يراد من الإعراب عن فهمه ومعرفته وعقله" إلى أن قال: "وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير ما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلاما لا يعقلون معناه". وهذا لازم المفوضة. هؤلاء يقولون: الله أعلم. طيب، لما يقولون: الله أعلم، معناه أن تتجهل الأنبياء، أن الأنبياء لا يعلمون معنى ما أنزل إليهم، وأن الأنبياء يقولون كلاما لا يعقلوه ولا يفهموه. وهذا في الحقيقة طعن في الأنبياء، طعن في القرآن، وطعن كذلك في الأنبياء. لأنه لأنه يستلزم من ذلك أن الأنبياء أتوا بكتاب لا يفهمه ولا يعقله. وهذا لازم. قال: "ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء". وهذا واضح، قدح في القرآن إذ أن هذا القرآن فيه آيات لا نعلم معناها. سبحان الله، كيف هذا؟ هذا ما يتأتى. طعن في القرآن وطعن كذلك في الأنبياء، إذ أنهم أتوا بقرآن لا يفهمون معناه ولا يعقلون معناه. فهمتم هذا الآن؟ قال: "إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبيان للناس". القرآن أنزل هدى وبيان، فكيف لا نفهمه ولا نعقله؟ وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، والآيات في ذلك كثيرة. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. وهكذا الآيات فيها الأمر بالبلاغ المبين. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وأمر بتدبر القرآن وعقله، فلا يتدبرون القرآن، ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وغيرها من الآيات. ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته، هذا أشرف شيء، وشرف العلم بشرف المعلوم. قال: "لا يعلم أحد معنى، فلا يعقل ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بيّن للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين". هذا كله لازم. وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع، ما زال الكلام لشيخ الإسلام ينقله بنصه من كتابه المشار إليه آنفا. قال: "وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك، لأن النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به". عرفتم الآن يعني أهل البدع والإلحاد سيدخلون من قول المفوضة على أهل الإسلام بهذه الحجة، فيقولون: الصواب ما نراه، والصواب ما أخذنا به. فنقول لهم: لا، عندنا القرآن. يقولون: لا، القرآن أنتم ما تفهمون معناه، وأنتم تقولون الآن يعني في أشياء ما هي معروفة، ها، إذن تستدلون بأشياء غير معروفة غير معلومة. فهمتم هذا الآن؟ فجعلوا مدخلا لأهل البدع والإلحاد. هذا معنى قوله: "وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأي وعقل". الحق ما أنا عليه من الفلسفة وعلم الكلام، وليس في النصوص ما يناقض ذلك. في النصوص ما يوجد ما يناقض رأي وعقلي، لماذا؟ لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها. أنتم تقولون: لا، ما نعلم معناها. وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به. إذن أبطلوا الاستدلال بماذا؟ بالقرآن. فهمتم هذا الآن؟ قال: "فيبقى هذا الكلام سدا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء". سدا لباب الهدى، معناه هؤلاء الملحدين، الملحدون والمبتدعون يصدون الناس بهذه الحجة عن الهدى. قال: "وفتحا لباب من يعارضهم ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء". هكذا الفلاسفة يقول: قال: "لأننا نعلم، لأننا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية". هذا الفلاسفة يقول: "وأن ذلك أهل الإلحاد، أن أنتم ما تفهموا من القرآن فيه يعني متشابه عندكم". قال: "والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلا عن يبين مرادهم". الأنبياء إذن ما يعلمون ما يقولون، لأن أنتم تقولوا هذا ما يعلم معناه. فتبين أن قول التفويض، انظر الآن هذا أشد ما جاء عن شيخ الإسلام في ذم هذا القول، قول المفوضة. قال: "فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع، من شر أقوال أهل البدع والإلحاد". انتهى كلامه رحمه الله. قال الشيخ ابن عثيمين: "وهو كلام سديد من ذي رأي رشيد، وما عليه مزيد". هذا ما عليه مزيد. رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمعنا به في جنات النعيم. هذا يكفي في بطلان قول المفوضة الذين ينفون المعنى عن صفات الله سبحانه وتعالى. طيب، نكتب: يا الله، وإليه، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.