تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 25

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 25

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وبيان مراتب المعصية والفسق

يشرح السعدي أن المعصية في الآية تشمل الكفر وما دونه، مبيناً أن الفسق يطلق على المرتد وعلى مرتكب الكبيرة. ويقرر أن الطاعة التامة توجب الجنة والمعصية التامة توجب الخلود في النار، بينما من اجتمع فيه طاعة ومعصية يُجزى بحسب ما فيه، وهذا مذهب أهل السنة في أن المؤمن قد تقع منه معاصٍ وشعب كفر دون أن يخرج من الملة.

صفات الكفر في المؤمن وعدم خروجها به من الملة

يوضح المقطع أن المؤمن قد تصدر منه صفات أو شعب من الكفر كالطعن في الأنساب والفخر بالأحساب دون أن يكفر أو يخرج من الملة، لأن الإيمان يتجزأ عند أهل السنة بخلاف الخوارج والمرجئة. كما يبين أن طاعات الكافر لا تنفعه في الآخرة بل يُثاب عليها في الدنيا فقط، مستدلاً بأحاديث نبوية وآيات قرآنية وأقوال السلف.

موقف أهل السنة من الإيمان والمعصية والفرق بين الخوارج والمرجئة

يشرح المقطع خلاف الخوارج والمرجئة في تأثير المعصية على الإيمان، ويبين مذهب أهل السنة بأن الإيمان يتجزأ والمعصية لا تكفر مطلقاً إلا إذا كانت كفراً أو شركاً. ويؤكد أن الفاسق الملي يبقى على ملة الإسلام ولا يخلد في النار.

حكم المعاصي المخرجة من الملة

يبيّن المقطع أن المعاصي التي تبلغ حد الكفر والنفاق تُخرج صاحبها من ملة الإسلام، فلا يُعدّ من أهلها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾. قال: ومن يعص الله ورسوله، فيدخل في اسم المعصية الكفر فما دونه من المعاصي. ومن يعص الله ورسوله، أي: هنا المعصية عامة، مثل الفسق. الفسق غالباً في القرآن يطلق على ما هو خارج عن الملة، يطلق في القرآن غالباً، ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾. فالفسق يطلق على الذي يخرج من ملة الإسلام ويرتد، أو أنه كافر أصلي، ويطلق كذلك على الذي لا يخرج من ملة، كما ذكر الله عز وجل في القذف فسماهم فاسقين. وكذلك أيضاً المعصية: المعصية في القرآن تطلق على الذنوب العظيمة كبيرة، ومنها الكفر، وتطلق كذلك على غيرها من الذنوب. فقوله: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، أي: يعصيه، يخالفه في شرعه جل وعلا، فهذا قد خرج من دين الله. والمراد هنا المعصية منها الكفر، الكفر فما دونه؛ لأن الكفر يعتبر أيضاً معصية، ويعتبر ذنباً، أي: الذنب يعظم. قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك فهو ذنب ومعصية. لهذا قال المؤلف هنا: فلا يكون فيها شبهة للخوارج القائلين بكفر أهل المعاصي. ولأن الله عز وجل رتب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله، ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله. قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». «كلكم يدخل الجنة إلا من أبى». قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». فجعل دخول الجنة والخروج منها بالطاعة والمعصية. قال: فمن أطاعه طاعة تامة دخل الجنة بلا عذاب، ومن عصى الله ورسوله معصية تامة يدخل فيها الشرك فما دونه دخل النار وخلد فيها. ومن اجتمع فيه معصية وطاعة كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية. وهذه المسألة هي التي حصل الخلاف فيها بين الفرق: فهل يقبل الإيمان؟ أو هل تؤثر المعصية في الإيمان؟ وهل تؤثر الطاعة في الكفر؟ وهل يكون الرجل كافراً وعنده طاعة؟ وهل يكون أيضاً مؤمناً وعنده كفر أو شعب الكفر؟ فكل هذا عند أهل السنة أنه واقع: أنه قد يكون الرجل مؤمناً وعنده معاصٍ، بل عنده شعب من شعب الكفر. إنما مسائل من مسائل الكفر، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية». وقال أيضاً النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم، حدث به أبو هريرة، قال: «اثنتان في أمتي هما كفر: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب». وأيضاً كذلك: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية». كل هذا يدل على أن هناك قد تكون عند المؤمن صفة من صفات الكفار، وشعب من شعبهم، لكن هذا لا يؤثر على إيمانه، لا يخرجه عن الملة. وأيضاً العكس: قد يكون الرجل كافراً وعنده بعض صفات أهل الإيمان، وعنده أيضاً طاعات، لكن هذه الطاعات لا يستفيد منها إلا إذا أسلم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لحكيم بن حزام: «أسلمت على ما أسلفت من خير». وأيضاً جاء في الحديث: أن الكافر إذا عمل الطاعة أطعم بها طعمة في الدنيا، أطعم بها طعمة في الدنيا، إنما أعطاه الله عز وجل شيئاً من الرزق الحلال بسبب هذه الطاعة، لكنه لا يؤجر عليها، لا يؤجر عليها، ولا تكون له حسنات. ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾. لهذا كما قلنا: هذه المسألة مهمة جداً في مسألة الإيمان، وأن الرجل قد يكون مؤمناً وعنده معاصٍ، وعنده أيضاً ما هو أعظم من المعاصي: شعب من شعب الكفر، لكنها لا تكفره؛ لأنه فعلها وهو مؤمن على وجه مشابهة الكفار، لوجه مشابهة الكفار، فهو يشبه الكفار في هذه. ولهذا هناك من السلف من فسر قول الله جل وعلا: ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، قال: أي إذا عمله أهل الإيمان فلا يخرجهم عن الملة، وإنما يقول الله عز وجل: هذه صفة من صفات الكفار. لهذا شيخ الإسلام رحمه الله جعله أحد التفسيرين في الآية. فقد جاء عن أبي عبيد القاسم بن سلام في كتاب الإيمان، ونقله أيضاً، ونقل عن بعض السلف، ظهر عن النخعي أيضاً، وعن غيره، أنه يرى أن هذه الآية هي أصلاً في أهل الكتاب، في أهل الكتاب. لكن لو عمله أهل الإيمان فهم يتشبهون بالكفر، لكن لا يكفرون، لا يخرجهم ذلك من الملة. وهذا الذي لم يرضه الخوارج ولا المرجئة: أن الإنسان يكون مؤمناً وعنده شعب من شعب الكفر. فقالوا: الإيمان لا يتجزأ، كما ذكرنا قبل في مسائل الإيمان في اللمعة: أن الإيمان لا يتجزأ عندهم. وهذه المسألة كما قلنا خالف فيها الفرق كلهم. أهل السنة يقولون: إن الإيمان يتجزأ. وأما الفرق كلهم، سوى من كان مرجئاً أو خوارج، معتزلة، معنا من هذا الطرف ومن ذاك الطرف، كلهم لا يقولون أن الإيمان يتجزأ. فالمرجئة يقولون: الإيمان واحد. والخوارج يقولون: الإيمان واحد. لكن الخلاف بينهم: المرجئة يقولون: إن المعصية لا تؤثر في الإيمان. والخوارج يقولون: إنها تؤثر في الإيمان، فتذهب بالإيمان. والمرجئة يقولون: لا، لا ينقص الإيمان، وإنما الذي ينقص التقوى. معنى هذا في مذهب المرجئة الفقهاء: يقولون التقوى واليقين هو الذي ينقص، أما الإيمان فواحد في الناس، حتى يخرج من الإيمان كله. وكل هذا مخالف للنصوص التي جاءت، قد ذكرنا بعضها. فلهذا فقول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، المعصية هنا يراد بها الكفر، ويراد بها ما هو دون الكفر. فالذي يعص الله عز وجل مطلقاً فهو كافر، بمعنى: استقرت المعصية فيه حتى صار كفراً. ولهذا العلماء يقولون: إن المعصية بريد الكفر، المعصية بريد الكفر، توصل إلى الكفر. فقوله: ﴿مَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾. وقال هنا في الآية: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾. لهذا كما قلنا أيضاً في قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾، أو جاء في الآية الأخرى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، فاستدل بها الخوارج على أن المعصية تعتبر كفر، وهذا خطأ. فالله عز وجل ذكر أعظم المعاصي: القتل، ولم يكفر صاحبها، بل قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، إنما سماه أخاً. وقال الله عز وجل: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، وسماهم الله عز وجل مؤمنين. والأدلة كثيرة في هذا. وأعظم دليل هو قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. لهذا فمذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يتجزأ، وأن المعصية لا تكفر في الإيمان، لكن قد تكفر فيه كله فتسلبه الإيمان، وهو مطلق الإيمان كله، فيذهب الإيمان ويصير كافراً. وقد تكون هذه المعصية لا تؤثر، أو لا تسلبه مطلق الإيمان، وإنما تسلبه الإيمان المطلق وهو الإيمان الكامل، فتؤثر في الإيمان الكامل الذي له فتنقص إيمانه. وقد تؤثر إذا كانت كفراً أو نفاقاً أو شركاً، فتؤثر فيه فتذهب إيمانه. قال: وقد دلت النصوص المتواترة على أن الموحدين الذين معهم كلمة التوحيد غير مخلدين في النار، فما معهم من التوحيد ما أنجاهم من الخلود فيها. ولهذا هذه المسألة يسميها العلماء: مسائل الاعتقاد، مسألة الفاسق الملي. الفاسق الملي: أي الذي عنده معاصٍ، وهذه المعاصي ليست من الكفر الذي يخرج من الملة، فيكون فاسقاً لكنه لا زال على ملة الإسلام. فإن كانت هذه المعاصي تخرجه عن دين الله، بمعنى كفر ونفاق، فإن هذا لا يكون من أهل ملة الإسلام. طيب، هذا خلاص، فأجره الله تعالى شكراً.