الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح السعدي أن الفاحشة تشمل كل خروج عما أحله الله في الجماع، ويشترط لإثبات الزنا شهادة أربعة رجال عدول رأوا الفعل بأعينهم. ولا تقبل شهادة النساء ولا مجرد الظن أو القرائن غير المباشرة.
يبين المقطع اشتراط العدالة في الشهود الأربعة لحد الزنا، وأن الحبس في البيوت كان عقوبة قبل تشريع الحدود. ويرد على من ينكر كون الحبس عقوبة شرعية مستدلاً بفعل النبي ﷺ بحبس متهم، مقرراً أن الحبس عقوبة تعزيرية أو وقائية لا بديل عن الحدود المقدرة.
يوضح أن حبس المرأة المتهمة بالزنا كان عقوبة أولية تستمر حتى الموت أو يجعل الله مخرجاً، ثم نسخ ذلك بنزول حد الزنا. فصرّح النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله جعل لهن سبيلاً وهو جلد مائة وتغريب عام للبكر، وجلد مائة ورجم للثيب مع شرط الأمن والمحرم للتغريب.
يوضح المقطع أن آية عقوبة الزنا في أول الإسلام كانت محكمة غير منسوخة، لكنها تمثل بداية التشريع. ثم جاء النسخ بحد الرجم للمحصن والجلد لغير المحصن، ويختتم الدرس بالإشارة لاستكمال الموضوع في الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. قال رحمه الله: أي النساء التي يأتين الفاحشة، أي الزنا، فوصفها بالفاحشة لشناعتها وقبحها؛ أن الله عز وجل وصف الزنا بالفاحشة، وأيضًا وصف اللواط بالفاحشة، ووصف أيضًا نكاح الزوجة الأب بالفاحشة، وهذا يدل على أن الفاحشة هي الخروج عما أحله الله عز وجل للإنسان في باب الجماع، فمن خرج عما أحله الله فهو قد أتى بالفاحشة. قال: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ أي من رجالكم المؤمنين العدول، وإنما قال ﴿مِنْكُمْ﴾ لأن شهادة الزنا لا تكون فيها نساء، وهذا ذكر بعضهم الإجماع على ذلك، فعنًا لا بد أن يشهد رجال، لا تشهد نساء في الفاحشة، لو جاء حتى ولو كانت ثماني نساء جئن وشهدن على أن فلانًا زنى بفلانة، فإنه لا يقبل منهن، وإنما الشهادة لا بد أن تكون بالرجال، أربعة من الرجال يشهدون بأن فلانًا زنى بفلانة، أي رأوه يزني، أن رأوه يزني، ليس أنه خبر أخبروا بذلك، أو أنهم توهموا ذلك، أو أنه رأوه يخرج من عندها أو كذا، فإن هذا لا يجوز في الشهادة بالزنا، فالشهادة بالزنا أن يشهد على شيء صريح رآه، وإلا كان قاذفًا. قال: فإذا شهد هؤلاء الرجال الأربعة، قال: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾، ولا بد أن يكونوا هؤلاء الشهود عدولًا، ما يكونون فساقًا من شرب الخمر، أو من الزنا، أو من غيرهم ممن عرفوا بالفسق، لا بد أن يكونوا من العدول. قال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ أي احبسوهن عن الخروج الموجب للريبة، وهذا قبل أن يشرع الله عز وجل الحد كما سيأتي في كلام المؤلف، قال: فإن الحبس من جملة العقوبات، وهذا يدل عليه، الحبس من جملة العقوبات. والآن تجد بعض المعاصرين، خاصة من السرورية ومن غيرهم، يقولون: أن الحبس ليس من العقوبات، أو أنه ليس من حدود الله، أو أنهم يقولون: أن الحبس ليس عقوبة، وهذا ليس صحيحًا، بل جاء الحبس في الشرع وأنه عقوبة من العقوبات، سواء كان حبسًا في البيوت، أو حبسًا في غرف، أو في السجون، وقد جاء في سنن أبي داود أن النبي عليه الصلاة والسلام حبس رجلًا في تهمة، حبس رجلًا في تهمة، فالحبس موجود في الشريعة، وللحاكم أن يحبس المتهم، لكن ليس هو بدل من الحدود التي حدها الله عز وجل، ليس هو بدلًا من الحدود التي حدها الله عز وجل، لكن قد يكون مثلًا عقوبة من باب التعزير في العقوبات التي لم تُحد بحد معين، أو لم تُقدر بقدر معين، فيكون فيها الحبس عقوبة له من باب التعزير، أو كذلك قد يكون في حد، لكن ليس لإقامة الحد أو بدلًا من إقامة الحد، وإنما يحبس لأجل أن لا يفر من الحد أو من القصاص، مثل ما تفعل الآن الحكومات، تجد أنه إذا كان هناك قتل، تجد يحبسون القاتل حتى تستوفى العدلة على أنه هو القاتل، فبعد ذلك يحكم القاضي في القضية، فيضعونه في السجن حتى تكتمل القضية، حتى لا يفر، وإن أخرجوه مثلًا لأجل الضمان، ما في شيء، أو بضمان، أو أنه هناك معنى، أو أنه مثلًا يكون الحاكم مستوليًا عليه، فهذا أولى من أن يحبس، لكن إن كان يخاف أنه يهرب، أو يخاف أنه يفعل شيئًا، فإنه يحبس حتى تكتمل شروط هذا القصاص أو غيره. ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ أي هذا منتهى الحبس، أنها تحبس ولا تخرج أبدًا، حتى لا تخرج لأجل حاجاتها، فهذا كان قبل عقوبة لها. ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ أي طريقًا غير الحبس في البيوت، أو يجعل الله لهن سبيلًا، ولهذا لما أنزل الله عز وجل الحد، قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عبادة بن الصامت في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «قد جعل الله لهن سبيلًا، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم»، فلما بيّن الله عز وجل هذا الحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد جعل الله لهن سبيلًا»، وهذا لقوله جل وعلا هنا: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، فجعل الله لهن سبيلًا أي من الحبس في البيوت، يعني بدل من الحبس في البيوت، فإن كانت بكرًا تجلد مائة، هذه المرأة، وكذلك الرجل، ويغرب عام، وهل المرأة تغرب؟ إن كانت هناك تغريب مأمون أو مع محرمها، فيجوز على الصحيح، أما إن كانت تغرب وحدها فهذا فساد لها. قال: فهذه الآية ليست منسوخة، وإنما هي محكمة إلى ذلك الوقت، فكان الأمر في أول الإسلام كذلك، حتى جعل الله لهن سبيلًا، وهو رجم المحصن وجلد غير المحصن، محكمة إلى ذلك الوقت، يعني أنه بداية عقوبة، يعني يقول: كأن الآية ليست منسوخة، لكنها بداية عقوبة، ثم جاءت العقوبة الأخرى، وهي الحد، وهو رجم المحصن وجلد غير المحصن. طيب، شاء الله، نكتب هذا ونكمل في الدرس اللاحق، اشتركوا في القناة، موضوع أنه آخر، اشتركوا في القناة.