الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 63، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان، ويجب الإيمان بهم إجمالًا وتفصيلًا. من أنكر أو شك في الإيمان بالملائكة يعتبر كافرًا.
تكذيب أو إنكار الإيمان بملك واحد من الملائكة يعتبر كفرًا، مثلما حدث مع اليهود بسبب عداوتهم لجبريل عليه السلام. هذا يدل على أهمية الإيمان بجميع الملائكة.
الملائكة خلقوا من نور، وهم أجسام نورانية لا تُرى إلا إذا تشكلوا على هيئة بشر. يجب الإيمان بوجودهم كجزء من الإيمان بالغيب.
يُناقش المقطع تفسير حقيقة الملائكة في القرآن والسنة، ويُنتقد تفسير بعضهم للملائكة على أنهم قوى خير وليسوا كائنات حقيقية، معتبرًا هذا إنكارًا للإيمان بالملائكة الحقيقيين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف كتاب «أعلام السنة المنشورة» رحمه الله تعالى: ما الدليل على الإيمان بالملائكة من الكتاب والسنة؟ هذا السؤال يتعلق بالإيمان بالملائكة، وقد بقي من الذي أوصلنا إلى هذا السؤال، كما قلنا، المؤلف والحافظ الحكمي رحمه الله تعالى في هذه الرسالة يتكلم عن مسائل العقيدة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما الدليل على الإيمان بالملائكة من الكتاب والسنة؟ قال: أدلة ذلك من الكتاب كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾. قال: وتقدم الإيمان بهم من السنة في حديث جبريل وغيره، وفي صحيح مسلم أن الله تعالى خلقهم من نور، والأحاديث في شأنهم كثيرة. هذا هو لخّص الجواب حول هذا السؤال، ما هي الأدلة الدالة على الإيمان بالملائكة؟ الأدلة كثيرة مصطورة مذكورة في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وهنا تأتي مسائل، أولى هذه المسائل: ما حكم الإيمان بالملائكة؟ الإيمان بالملائكة يا عبد الله يعتبر ركنًا من أركان الإيمان وأصلًا من أصول الشريعة والدين، لا يتم إيمان العبد إلا إذا آمن بهذا العالم، آمن بالملائكة لابد. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾، فذكر ربنا عز وجل أن من صفات أهل الإيمان أنهم أذعنوا وآمنوا بالملائكة، ولهذا كان هذا ركنًا من أركان الدين. ويقول العلماء رحمهم الله تعالى: الإيمان بالملائكة يكون إيمانًا إجمالًا، هذا الذي لابد منه، تؤمن إجمالًا بالملائكة، تؤمن أن هناك عالمًا اسمه عالم الملائكة، تؤمن به، وأما الإيمان التفصيلي فإنما تؤمن به فيما صحت به الأدلة. هناك تفاصيل قد تخفى على بعض الناس، فمن صح عنده الدليل في مسألة من مسائل الملائكة فوجب أن يؤمن بهذا الدليل التفصيلي، مثاله: ما يتعلق بأسمائهم، ما يتعلق بقدراتهم، ما يتعلق بهيئتهم، ما يتعلق بأعمالهم ووظائفهم، وما سخره الله لهم، هذه التفاصيل. فأنت يا عبد الله تؤمن أولًا إيمانًا مجملًا، وبعد ذلك ينتظر التفاصيل، فكلما جاءته التفاصيل مما صحت به الأدلة وجب عليه أن يذعن لما سيأتيه من الأدلة الصحيحة الدالة على التفصيل في هذا الباب. ثم تأتي مسألة تلحق بهذا الباب، وهو حكم من أنكر هذا الباب، حكم من كذب بالملائكة، حكمه أنه كافر، حكمه أنه مرتد، فمن أبى واستكبر وجحد وأعرض عن الإيمان بالملائكة بأي حجة يدلي بها فهو كافر. فمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالًا بعيدًا، فسمى ربنا عز وجل إنكار الملائكة بأنه كفر، فمن أنكرهم أو جحدهم كأن يأتي رجل يقول: أنا ما أستطيع أن أؤمن بهذا العالم الغيبي غير الموجود، غير المرئي، أنا ما أستطيع أن أؤمن بشيء مجهول. فإذا وجد أن أحدًا مترددًا أو شاكًا أو فيه ريب من الإيمان بالملائكة فهذا كذلك يلحق بمن كفر، وهذا مما أجمع عليه العلماء أن من أنكر الملائكة فقد كفر، ويدخل في ذلك الشك، ويدخل في هذا الباب أيضًا من أنكر ملكًا واحدًا من الملائكة. لأن هذا العالم عبارة عن عالم كلي، فإنقاص واحد منه أو التكذيب بواحد منهم هو في الحقيقة تكذيب للكل، مثل الإيمان بالرسل، فلو أن رجلًا آمن بجميع الملائكة إلا ملكًا واحدًا، الأدلة دلت على وجوده وعلى ثبوته، إلا أنه قال: أما هذا الملك فما أستطيع أن أؤمن به. فحين يقول: أنت كفرت، ولو أذعن بأنه قد آمن بجميع الملائكة، فإنه يكفر بكفره وإنكار لملك واحد، ودليل ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾. فاليهود لا يحبون جبريل عليه السلام، ويذكروا العلماء حسب الآثار أن من سبب بغض اليهود لجبريل عليه السلام لأنهم يعتقدون أن جبريل هو الذي ينزل بالعذاب والعقوبة عليهم، فكان الذي يأتي بالعذاب والذي يرسله ربنا بالعذاب عليهم هو جبريل عليه السلام. فحينها قام اليهود وناصبوا جبريل العداء، لماذا؟ هذا يأتي بالعذاب، فكان يعتقدون بأن جبريل هو عدونا، يقولوا: وهنا هو عدونا، فالحاصل أنهم كفروا أن جعلوا لجبريل عداوة مع أنهم قد يكونوا آمنوا بالملائكة بإجمال، اليهود آمنوا، لكنه مع جبريل له الحساب آخر. فماذا سمى ذلك ربنا؟ سمى ذلك عداوة، وأن من كان عدوًا لجبريل فإن الله عدو له، أو أنه عدو لله، ومن كان عدوًا لله فهو كافر، فهو كافر، وعلى هذا فقس، فمن ناصب العداء، ومن أنكر ملكًا واحدًا أو شكك في وجوده أو طعن فيه فإنه يعد من الكفر. وهذا كذلك ممن يلحق في هذه الأزمان طائفة من الروافض، طائفة من الشيعة ممن يطعنون في جبريل عليه السلام، وهذا ليس مستبعدًا، فإن اليهود فرخوا اليهود، ومن فروخ اليهود في الأمة الروافض، ولهذا لا عجب ولا غرابة أن تجد أوجه الشبه الكثيرة والكبيرة بين اليهود وبين الرافضة. وقد ألفت كتب تدلك على عظم الرابطة، ليس في التشريع بل حتى في الخلق، حتى في الخلق تشابهت قلوبهم بين الرافضة واليهود، الحاصل الذي نحن بصدده من أوجه التشابه أن الرافضة كذلك طائفة منهم تنكر وتطعن في جبريل عليه السلام. ويقولون بأن جبريل خائن، وهناك فرقة تجعل من أورادهم وفي أذكار الصلوات يقولون: «خان جبريل حيدر، خان جبريل حيدر»، من حيدر؟ أي علي رضي الله تعالى عنه، فهذه الطائفة تظن وترى أن الله أنزل بالوحي على علي، لكن جبريل ما الذي فعل؟ ما أعطاه لعلي، ما أعطى الوحي لعلي وإنما أعطاه لمحمد. فهنا تشاطه غضبًا فيرى أن جبريل قد خان الأمانة، خان الأمانة، ويقول: «خان الأمين، خان الأمين»، يقول: ما الذي تعنون بخان الأمين؟ من الأمين؟ قالوا: جبريل، وهذا التناقض، الأمين لا يخون أصلًا، الأمين لا يخون، لكن هذا من تناقضهم، فيجعلون جبريل عليه السلام خائنًا، وهذا كفر. فمن اعتقد هذه العقيدة ويتلفظ بهذه الألفاظ ويعتقد بأن جبريل خائن فقد كفر، ولو كان آمن بجميع الملائكة، لأن الطعن في ملك واحد هو في الحقيقة طعن في جميع الملائكة. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي صحيح مسلم أن الله تعالى خلقهم من نور، نعم ثبت هذا في مسلم، الحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنه عليه الصلاة والسلام قال: «خلقت الملائكة من نور»، خلقت الملائكة من نور، لكن من أي نور؟ هو من أي نور؟ الله أعلم، الله أعلم بحقيقة النور الذي خلقت منه الملائكة. ما عندنا أدلة تدل بحقيقة، وما هي النور؟ صحيح وجد عن بعض السلف من ذكر أنهم خلقوا من نور الله، خلقوا من نور الله، لكن ما عندنا أدلة صحيحة صحيحة في هذا الباب، ينقل عن عكرمة وعن جماعة أنهم ذكروا ذلك، فلعل هذا أخذ من الإسرائيليات، فلا يعول عليه. نقول: خلقوا من نور، خلقوا من نور، والله أعلم بهذا النور الذي خلقوا منه، لكن نؤمن بهذا، ومن حقيقة خلقهم أنهم خلقوا أنهم أجسام نورانية، فإننا لا نراها، فإننا لا نراها، ولا يمكن لأحد أن يراها لطبيعة خلقتهم، لا يمكن لأحد أن يراهم. وما رآهم إلا نبينا عليه الصلاة والسلام كما رأى جبريل عليه السلام بحقيقته وعلى هيئته، هذا خاص برسول الله عليه الصلاة والسلام، أما البشر لا يمكنهم أن يروا الملائكة وهم على حقيقتهم إلا إذا تشكلت الملائكة، والملائكة لهم قدر على التشكل، يتشكلون على أجساد بني آدم وعلى صورهم. فحينها إذا تشكل الملك على صورة آدم فيمكن للناس أن ينظروا إليه على هيئته الذي تشكل بها، كما يقول كثيرًا المعنى حديث جبريل عليه السلام عندما أتى وجلس بين الصحابة، وجاء على صورة رجل غريب لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرف منا أحد حتى جلس بجانب رسوله وأصبح يطرح الأسئلة: ما الإسلام؟ ما الإيمان؟ وما الساعة؟ ثم انصرف وقال لنبينا: «أتدلون من السائل؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذاك جبريل، جاء يعلمكم دينكم». جبريل جاء، لكن بماذا تشكل؟ بصورة بشر، فحين يمكن للآدم أن ينظر الملائكة إذا تشكل، لكن على حقيقته لا يمكن لأحد أن يراه، لكن نؤمن بوجودهم، توقن يا عبد الله هذا من الإيمان بالغيب، فنحن نوقن مثلًا أن هذا المسجد مثلًا وهذا المجلس فيه ملائكة، لا نشك بهذا. أخبر النبي عليه الصلاة والسلام على أن هناك ملائكة يسيحون في الأرض يبحثون عن حلق العلم وحلق الذكر، فإذا وجدوا حلقة فقالوا: «هلموا إلى حاجتكم»، فيجتمعون ويحفون المجلس، فنحن نؤمن بوجودهم، لكن لا نراهم، لكن هذا من الإيمان بالغيب. اجعل عقيدتك يا عبد الله تؤمن بهذا، لا ترتاب ولا تتردد قيد أنملة بتصديقه بخبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. وأيضًا أخواني في الله من مسائل الإيمان بالملائكة وما يتعلق بوجودهم أن نؤمن أنهم عالم موجود، هي أجسام خلقت لها وظائف، لها قدرات، لها أشكال، لها هيئات، لها أعمال، نؤمن. فدع عنك يا عبد الله ما يذكره بعض المعاصرين ممن تأثر ببعض الأفكار اللادينية من أفكار الملاحدة، إذ وجدنا أناسًا لربما ينتموا للأمة، وإذ بهم ما الذي يفعلون في عالم الملائكة؟ يقول: نعم الملائكة موجودة، نقول لهم: تؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة؟ يقول: لا، نحن نعتقد أن الملائكة عبارة عن بواعث الخير. وما تسمعونهم من أدلة القرآن والسنة على أن الله أنزل ملائكة هي في الحقيقة حقيقة إنما الله أنزل قوى الخير، قوى الخير، كما في غزوة بدر: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، لا ما هو ملائكة حقيقة، عبارة عن قوة قوة جعلها الله في القرآن والسنة على أن الله أنزل ملائكة. هذا عبارة بالحقيقة أخواني في الله إنكار للملائكة، وسيأتي إن شاء الله بإذن الله في أسئلة المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بهذا المبحث حول الإيمان بالملائكة بذكر أعمالهم وبذكر قدراتهم وما يتعلق بذلك من مسائل. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.