الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 45، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يؤكد الدرس أهمية المبادرة بحفظ العلم في سن الشباب لرسوخه في الذهن كالنقش في الحجر، مستشهداً بتوجيهات السلف لأبنائهم. كما يبين أن أفضل أوقات الحفظ هي الأسحار ثم انتصاف النهار والغدوات، مستنداً إلى قول الخطيب البغدادي ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة في البكور.
يستعرض المقطع تفوق أوقات الليل على النهار في الحفظ لصفاء القلب والذهن، مع ذكر تجربة السلف في السهر والبكور. كما يحدد أنسب الأماكن للحفظ كالأماكن العلوية البعيدة عن اللهو، مستشهداً بهدي الحفاظ الكبار كالخطيب البغدادي.
يبين المقطع اشتراط خلو مكان الحفظ من المشغلات كالبساتين والطرق، وأن الجوع المعتدل أنفع للذهن من الشبع المفرط. ويضرب الأمثلة بصبر السلف على الجوع والبرد في طلب العلم، مؤكداً أن العلم لا يُنال بالراحة بل بالمجاهدة.
يعلن المتحدث انتهاء الجلسة التعليمية بعد الاستفادة من مسائل الحفظ وآدابه. ويختتم بالتسبيح والاستغفار والدعاء بالختم الحسن والتوبة النصوح إلى الله تعالى.
بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف حفظه الله في الباب الحادي والعشرين من لمعة در المأثور من القول المأثور في الحث على الحفظ في الصغر، والأسباب المساعدة للحفظ، وأفضل أوقاته. وذكر في الباب أثر ابن عباس رضي الله عنهما: «ما بعث الله نبياً إلا شاباً، وما أوتي العلم إلا شاباً»، وقرأ قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾. وهكذا آثار في هذا الباب عن أبي هريرة، والحسن البصري، وعن عروة بن الزبير، وكلها وصايا في تعلم العلم في الصغر، في حال الشباب، وأنه يثبت كالنقش في الحجر. ووصية عروة بن الزبير رحمه الله أنه أمر بنيه بأن يتعلموا العلم وهم صغار، حتى إذا احتاج الناس لهم وهم كبار فإنهم يكونون أهلاً لذلك؛ لأنهم أخذوه في الصغر وثبت في قلوبهم هذا الحفظ والتعلم. يقول المؤلف حفظه الله: قال شرحبيل بن سعد رحمه الله: دعا الحسن بن علي بنيه وبني أخيه، فقال: «يا بني وبني أخي، إنكم صغار قوم، يوشك أن تكونوا كباراً آخرين». وهذه تقريباً نفس وصية عروة بن الزبير رحمه الله لبنيه، أنه قال لهم: «منكم اليوم صغار، وغداً إن شاء الله ستكونون كباراً، فخذوا العلم». قال: «فتعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يرويه - أو قال: يحفظه - فليكتبه، وليضعه في بيته». هذه وصية من الحسن بن علي رضي الله عنه يوصي بنيه وبني أخيه بأن يهتموا بالعلم، فإذا لم يستطيعوا أن يحفظوه في صدورهم وأن يروه من حفظهم، فعليهم بكتابته؛ فالعلم أيضاً يؤخذ بالكتابة لأنه مساعد للحفظ. فالمؤلف ذكر في الباب الأسباب المساعدة على الحفظ، فأنت تتقوى بالكتابة لأجل أن تحفظ وتكرر وتردد، ولو تضعه في بيتك؛ يعني الدفتر الذي تكتب فيه الفوائد. العلم صيد، والكتابة قيده: «قيد صيودك بالحبال الواثقة»، فمن الحماقة أن تصيد غزالة ثم تتركها بين الخلائق الطالقة. يعني أن العلم أيضاً مما يثبته ويقويه أنك تكتب الفوائد، فكانوا يكتبون الأحاديث النبوية ويضعونها عندهم، فإذا احتاجوا إلى التحديث رجعوا إليها. فالكتابة تعتبر أصلاً، فهذا من باب حفظ الأصل؛ لأن الإنسان قد تخونه ذاكرته، فالكتابة تقوي ذلك الحفظ، فهي بمثابة الأصل للرجوع إليها. قال الخطيب البغدادي: «اعلم أن للحفظ ساعات ينبغي لمن أراد التحفظ أن يراعيها، وللحفظ أماكن ينبغي للمتحفظ أن يلزمها». فأجود الأوقات الأسحار، يعني في الليل، ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. هذه الأوقات أفضلها وأجودها لصفاء الذهن، وخلو القلب من الشواغل، واتصاله بالله سبحانه وتعالى. فإذا قام الإنسان في هذه الأوقات، وصلى ما شاء، ودعا الله سبحانه وتعالى، ثم جلس للحفظ، فإنه يحفظ ولا ينسى؛ لأنها أفضل أوقات الحفظ. قال: «فأجود الأوقات الأسحار، ثم بعد وقت انتصاف النهار»، يعني وقت انتصاف النهار عندما تنتصف الشمس، فهذا أيضاً من أفضل الأوقات للحفظ. وبعدها الغدوات دون العشيات، يعني الغدوات وهي من بعد صلاة الفجر، والعشيات وهي من بعد صلاة العصر، ويدخل فيه المغرب والعشاء. فإن هذه أوقات ربما تكون أوقات شغل وعمل، أوقات شغل وعمل يعني الإنسان ربما يطلب عملاً في أول النهار ليقتات به. والنبي عليه الصلاة والسلام دعا لمن يبكر في الغدوة لأجل أن يقتات لنفسه وعياله، قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم بارك لأمتي في بكورها». «بارك» بمعنى الدعاء، أي: اللهم بارك لهذه الأمة حينما تبكر. فأنت تستغل هذا الوقت فيما ينفعك في دنياك وآخرتك، إن لم يكن عندك أمر من أمور الدنيا يعني شغل وعمل، فإنه أفضل الأوقات أن تبكر له. مثل ما يذهب إخواننا الصيادون إلى البحر ليطلبوا الرزق، فإنهم في أفضل الأوقات بعد صلاة الفجر يركبون البحر ويأتوا بما يسر الله عز وجل لهم. وهكذا العمال الذين يذهبون للعمل سواء كانوا في البناء أو في الطوب نحو ذلك، كل هؤلاء يذهبون في البكور، فيبارك الله عز وجل لهم. وأيضاً الشخص الذي يريد أن يذاكر ويتقوى بالحفظ، أيضاً هذا من أفضل الأوقات، من أفضل الأوقات أنه إذا لم يكن عنده عمل من أعمال الدنيا، أنه يهتم كذلك بالذكر في هذه الأوقات. فهي قوة للبدن كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى، وشيخ الإسلام قبله، أن هذه قوة للبدن عندما يجلس الإنسان بعد صلاة الفجر يذكر الله سبحانه وتعالى حتى تطلع الشمس، فيعطيه الله سبحانه وتعالى قوة في بدنه وفي عقله وقلبه. فذكر الخطيب رحمه الله تعالى أفضل الأوقات، فهي أولاً في الأسحار، ثم في الزوال بعد انتهاء الأعمال، عندما ينتهي الشخص من عمله وتعب النهار، فلا بأس أن يأخذ له قسطاً من الراحة ثم يبدأ في المذاكرة والمراجعة، وهكذا حتى بعد ذلك يأتي وقت العشيات، من بعد صلاة العصر إلى صلاة العشاء، هذا أيضاً من الأوقات التي يستطيع الشخص أن يحفظ فيها، ويداوم على الحفظ. قال: «وحفظ الليل أصلح من حفظ النهار». هذا في العموم، الليل أفضل من النهار. إذا تريد أن تحفظ القرآن فأي وقت تختار؟ اختار وقت الليل، فإنه أفضل. لماذا وقت الليل أفضل من وقت النهار؟ لأن الشخص قد انتهى من أعمال النهار ومشاغله، فما بقي معه إلا أن يفرغ قلبه لله سبحانه وتعالى، ويبدأ في المحفوظات، سواء كان قرآناً أو كان حديثاً نبوياً أو كان متوناً، أي شيء يريد أن يحفظه، يساعده ذلك الوقت على الحفظ. ثم قال: «قيل لبعضهم: بما أدركت العلم؟ قال: بالمصباح»، يعني بالسهر، بالمصباح والجلوس إلى الصباح. قال: «بالمصباح والجلوس إلى الصباح». أكد دأب الأولين كانوا يحفظون ويذاكرون في الليل، ففي الليل عندهم أفضل من النهار، والنهار يذهبون لأعمالهم وأشغالهم، فما يجلسون إلا بين هذا وهذا. وقيل لآخر فقال: «بالسفر والسهر والبكور في السحر». يعني قيل للآخر: بما تحفظ العلم؟ قال: بالسفر، أي بالرحلة عندما أرحل من شيخ إلى شيخ، والسهر، أي عندما أسهر في الليل، فإنه يكون أثبت في صدري مما يكون في النهار، والبكور في السحر، أي أبكر كذلك بالسحر، يعني آخر الليل، في الأسحار، أيضاً هذا وقت أنفع للحفظ. حتى قيل مما سمعته من الفوائد: أن الشناقطة، وهم قوم في موريتانيا، يحفظون في السحر، ما يحفظون في النهار أبداً، يحفظون في السحر، يرددون القرآن ربما الصفحة الواحدة عشرين مرة. لكنهم كما قيل عنهم أنهم أقوى الناس حفظاً، يحفظون القرآن، يحفظون المتون، ما ينسونها أبداً. لماذا؟ بسبب الأوقات التي استغلوها في الحفظ. وهكذا أنت أيها الطالب تريد أن تحفظ، فعليك بالأوقات التي فيها يكون القلب غير مشغول، ويكون القلب فيها صافياً والذهن صافياً، بحيث عندما تنظر في الكلمات فإنها ترسخ في ذهنك، أو كررت فإنها كذلك ترسخ في ذهنك. فلا تفكر لا في زوجة، ولا في ولد، ولا في بيت، ولا في عمل، ولا في شيء غير الذي أمامك، فإنه بإذن الله تعالى يكون مساعداً لك على الحفظ. قال أيضاً: «أجود أماكن الحفظ الغرف». أي من كلام الخطيب البغدادي، وهؤلاء هم أهل التجربة، أهل التجربة: خطيب البغدادي حافظ من الحفاظ الكبار، مثل ابن عساكر، حافظ، ابن كثير، حافظ، هؤلاء حفاظ كبار، فهو الآن يعطيك عن تجربة، وهذه التجربة نافعة بإذن الله لمن عمل بها. أجود الأماكن أيضاً تختار الأماكن، فما تحفظ عنده ناس يتكلمون، حاول أن تبتعد إذا تريد أن تحفظ، فيكون مكان الحفظ أيضاً مساعداً لك، حتى ما تنظر إلى هذا وتسمع هذا، فالقلب ينشغل. قال: «أجود أماكن الحفظ الغرف، والغرف المراد بها عندما تكون عليا، يسمونها غرفة، ولهذا ذكر الله عز وجل الغرف، الغرف هي المكان العالي، المكان العالي المبني، فالغرف المراد بها العلو، يعني علو البيت، عندما تكون أعلى أفضل مما تحفظ في الأسفل، دون السفل، وكل موضع بعيد مما يلهي، كل موضع بعيد مما يلهيك عن الحفظ فإنه أثبت لك في الحفظ». إذا أردت أن تحفظ فابتعد عن أماكن اللهو، أماكن التي تجعلك إذا نظرت إليها شغلت بها. سيذكر هذا: ﴿وَخَلَا الْقَلْبُ فِيهِ مِمَّا يُفْزِعُهُ فَيُشْغِلُهُ﴾ أو يغلب عليه فيمنعه، وليس بالمحمود. ليس بالمحمود في مكان الحفظ أن تختار المكان... أنظر. قال: «وليس بالمحمود أن يتحفظ الرجل بحضرة النبات والخضرة؛ لأنه سينظر إليها، إذا عنده أشجار طيبة وأزهار سيظل عائناً من شجرة إلى شجرة وهي تتحرك، ومن ثمرة إلى ثمرة، ومن زهرة إلى زهرة، وربما أتت هذه الحشرات، مثال الفراش ونحوها، فيشغل قلبه بالنظر إليها». قال: «ولا على شطوط الأنهار، ولا على قوارع الطرق». شطوط الأنهار يعني شط النهر، والبحر يدخل فيه أيضاً، عندما تنظر إلى الموج ما سيكون لك محاة، يعني مساعداً على أن تحفظ، لا في الأنهار ولا في غيره، لأن هذا مما يشغل القلب. فأنت عندما يكون أمامك أربعة جدران، تخيل أربعة جدران، ما سيشغل قلبك بشيء، أربعة جدران صافية، فإنك ستحفظ لزاماً. أما عندما يكون عندك شيء طيب مما يفرح هذه النفس ويشغلها، فإنك ستنظر إليها أكثر مما ستنظر في كتابك الذي بين يديك. وأكد: «قوارع الطرق»، يعني الأماكن التي يسير فيها الناس والدواب والسيارات ونحو ذلك، فإن هذه الأماكن ليست مساعدة على الحفظ. وقال أيضاً المؤلف هنا ذكر الغرف بمعنى جمع غرفة، وهي العلية. وقال أيضاً: «وأوقات الجوع أحمد للتحفظ من أوقات الشبع». ومن المساعدات على الحفظ: تحفظ وأنت لست جائعاً جوعاً شديداً، ولست ممتلئ البطن. يعني أكلت وأكلت وأكلت، فإنه سيأتيك ماذا بعده؟ سيأتيك الخلود إلى النوم، أو تتحرك شهوته. لهذا ينبغي على الشخص أنه يكون بين ذلك، والجوع أفضل من حيث الجملة، الجوع أفضل من الشبع. فيقول: «وأوقات الجوع أحمد»، أي أفضل للتحفظ من أوقات الشبع. وينبغي للمتحفظ أن يتفقد من نفسه حال الجوع، فإن بعض الناس إذا أصابهم شدة الجوع التهابه لم يحفظ، فليطفئ ذلك على نفسه بالشيء الخفيف اليسير. يعني لا تكون جائعاً جوعاً شديداً بحيث يشغلك عن الحفظ، ولا أنت شبعان، لكن إذا شعرت بالجوع فإنك عليك أن تشغل نفسك بشيء من الأكل اليسير حتى ما يشغلك عن الحفظ. فكانوا أيضاً مع شدتهم، جوع عندهم جوع، ربما أكلوا الخبزة اليابس الذي مر عليه يوم أو يومان أو ثلاثة أيام. حتى الشيخ من قبل مرة قال في أحد دروسه: «أكلنا الخبز الذي قد تعفن، يعني قد ظهر فيه ذلك العفن الذي يأتي في الخبز، ويغمسه بالماء، ويقول: ما ألذه وما أطيبه». انظر، يعني الخبز متعفن له ثلاثة أيام أو أربع أيام، يقول: ما ألذه وما أطيبه. يعني أن الإنسان يتحمل من أجل أن يحفظ، فكانوا يصبرون على الجوع وعلى قلة الطعام، كل ذلك لأجل أن ينفعوا أنفسهم، فنفع الله بهم. لما علم الله سبحانه وتعالى صبرهم وإخلاصهم في طلب العلم، وأنهم يريدوا أن ينفعوا أنفسهم وينفعوا هذه الأمة، نفع الله عز وجل بهم، فصاروا أهل علم، صاروا علماء كبار، يشار إليهم بالبنان، ويرحل إليهم لطلب العلم منهم. فالعلم ما يأتي بالراحة، وما يأتي بالدعة، لأن بعض الناس يريد علم مع راحة، ويريد علم وهو نائم، وهو مرتاح، والأكل طيب، وكل شيء تمام. يعني ما تستطيع أن تطلب العلم مع هذا. وإذا جاء صيف، قال: حر شديد، ما نستطيع أن نطلب العلم. جاء الشتاء، قال: برد شديد، ما نستطيع أن نطلب العلم في البرد. وهكذا يتنقل من مكان إلى مكان على حسب ما دعت نفسه، على حسب دعت نفسه. فلينتبه الطالب من هذا، فإن الشيطان لا يدعك ترتاح في مكان. العلم يؤخذ بقوة، العلم يؤخذ بقوة: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾، ما هو بالدعة، وإنما بقوة. هذا الكتاب يؤخذ بقوة، يعني كتاب الله، سنة رسوله، وأنت تريد أن تكون متميزاً بعد ذلك، طالب علم قوي، وينفع الله عز وجل بك في بلدك، فعليك أن تصبر، تصبر على الجوع، تصبر على البرد، تصبر على الحر، تصبر على كل شيء مما لا يسرك، لكنك أنت تريد أن تأخذ نهمتك من البلاد الفلانية أو الشيخ الفلاني، تأخذ نهمتك ثم بعد ذلك ترحل إلى بلدك وقد استفدت. طيب، نكتفي بهذا القدر. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.