الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 9، ألقاها
يتناول إثبات صفات الغضب والسخط والكراهة والعجب والضحك لله تعالى بناءً على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مع الرد على آراء أهل التحريف والتعطيل. يُثبت الله تعالى هذه الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئته دون تشبيهها بصفات المخلوقين.
يشرح حديث النزول لله تعالى في الثلث الأخير من الليل، ويبين موقف أهل السنة والجماعة من إثبات هذه الصفة، ويرد على المعطلة الذين حرفوا معنى النزول. يُبين أن السلف مجمعون على إثبات هذه الصفة لله تعالى.
يختتم بالتأكيد على عظمة الله وعدم وجود مثيل له، ويتبع ذلك بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر الاعتراف بجلال الله وفضله.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام المقدسي رحمه الله في كتاب «نعمة الاعتقاد» في ذكره لبعض آيات الصفات: قال: وقوله تعالى في الكفار: ﴿وغضب الله عليهم﴾، ذكر رحمه الله هذه الآية ليستدل بها على إثبات صفة الغضب لله جل وعلا. فالله جل وعلا أخبر عن نفسه بهذه الصفة، وأنه غضب على أقوام من الناس، هم الكافرون والمجرمون. وهكذا أيضا ثبتت هذه الصفة في السنة، في أحاديث منها قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «إن الله كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي». والغضب من الصفات الفعلية الثابتة لله جل وعلا، المتعلقة بمشيئته سبحانه، متى ما شاء فعلها. وأهل التحريف والتعطيل من المعتزلة والجهمية والأشاعرة حرفوا هذه الصفة، فقال المعتزلة والجهمية: المراد بالغضب الانتقام، غضب الله عليهم أي انتقم جل وعلا منهم. وقال الأشاعرة: إرادة الانتقام. وهذا تحريف باطل؛ لأنه كما مر معنا أنه خلاف لظاهر النص، وكذلك أيضا خلاف ما عليه السلف من إثبات هذه الصفات وإمرار هذه الآيات كما وردت في الكتاب والسنة. وكذلك أيضا أن الله جل وعلا فرق بين الانتقام والغضب، كما في قوله سبحانه: ﴿فلما آسفونا انتقمنا منهم﴾، آسفونا أي أغضبونا، قال: ﴿فلما آسفونا انتقمنا منهم﴾، ففرق بين الغضب وبين الانتقام، فدل هذا على أن الغضب غير الانتقام. وهذا هو الصحيح: أن الغضب صفة لله جل وعلا تليق بجلال الله سبحانه. وهؤلاء المعطلة مع التجهم مثلوا، قالوا: فإن الغضب إنما يحصل من ثوران الدم وانتفاخ الأوداج، فإذا أثبتنا الغضب لله شبهنا ومثلنا الخالق بالمخلوق. وهذا ما قالوه إلا لما وقعوا في التمثيل حين ظنوا أن صفة الغضب لله جل وعلا كغضب المخلوق، إذا غضب ثار يعني ثورانه، ثار دمه وانتفخت أوداجه. قالوا: إذن لو قلنا إن الله يغضب، إذن جعلنا الله جل وعلا جسما ولحما ودما وعصبا إلى آخر ذلك من التمثيل. وهذا باطل؛ فإننا نثبت الغضب لله جل وعلا صفة تليق بجلال الله، لا تماثل صفات المخلوقين، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قال رحمه الله: وقوله تعالى: ﴿اتبعوا ما أسخط الله﴾، نعم، ذكر هذه الآية رحمه الله ليستدل بها على إثبات صفة السخط. وصفة السخط من الصفات الثابتة لله جل وعلا، وهي أيضا من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا أثبتها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، كما ورد في الحديث: حديث عائشة في صحيح مسلم من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «أنه كان يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» الحديث. فقوله: «أعوذ برضاك من سخطك» هذا في إثبات السخط لله جل وعلا. وما قيل في الغضب يقال في السخط، وحرف أهل التعطيل كصفة الغضب، قالوا: المراد بالسخط الانتقام أو إرادة الانتقام. ويرد عليهم بمثل ما بينا في صفة الغضب، وكذلك أيضا المحبة وغيرها. قال رحمه الله: وقوله تعالى: ﴿كره الله انبعاثهم﴾، هذه الآية أراد رحمه الله كذلك الاستدلال بها على إثبات صفة الكراهة لله جل وعلا. فالله عز وجل أخبر عن نفسه بهذه الصفة، صفة الكراهة، كره الله انبعاثهم. وهذه الآية نزلت في المنافقين، في المنافقين الذين كانوا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وربما خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات، وأثاروا بعض الفتن والقلاقل، فأخبر الله سبحانه وتعالى بكراهة خروجهم ومشاركتهم للمؤمنين في القتال. فصفة الكراهة ثابتة لله جل وعلا في الكتاب والسنة، وكذلك أيضا في الإجماع. ومن السنة ما ورد في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» والحديث في الصحيحين. فصفة الكراهة كما سمعنا ثابتة لله. وأهل التحريف كما مر، كما مر معنا في طريقتهم التحريف والتعطيل، وصرف النصوص عن ظواهرها، فقالوا: إن المراد بالكراهة بمعنى الانتقام أو الإبعاد. وهو صرف للفظ عن ظاهره، ويرد عليهم بما مضى في الصفات التي مضت كالغضب والسخط وغيرها: أن هذا صرف للفظ عن ظاهره. وكذلك أيضا أن إجماع السلف على إثبات هذه الصفة وإمرارها كما جاءت. وكراهية الله جل وعلا قد تكون للأعمال، وقد تكون كذلك للأفعال والأشخاص. ففي الأقوال والأعمال قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»، فهذه كراهية للأقوال والأفعال. وهكذا أيضا في قول جل وعلا: ﴿كره الله انبعاثهم﴾، هذا أيضا كراهية للفعل. ومن كراهية للأشخاص قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم: «وإذا أبغض الله عبدا قال: يا جبريل، إني أبغض فلانا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض». هذه البغضاء للأشخاص. قال رحمه الله: ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا». هنا شرع رحمه الله في ذكر بعض الأحاديث التي فيها إثبات بعض الصفات لله جل وعلا، فذكر حديث النزول الذي ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في قول نبي عليه الصلاة والسلام: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا». وفي بعض الألفاظ: في الثلث الأخير من الليل، «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟». فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر. والحديث في الصحيحين. هذا الحديث فيه إثبات صفة النزول لله تبارك وتعالى، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بنزول الرب جل وعلا، قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى». وأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة لله جل وعلا كما أثبتها نبيه عليه الصلاة والسلام، وأن الله جل وعلا ينزل نزولا يليق بجلاله، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكيف ولا تمثيل، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وأهل التحريف والتعطيل حرفوا هذه الصفة، وقالوا: المراد بالنزول نزول أمر الله، أو نزول الملائكة، أو نزول رحمة الله جل وعلا، «ينزل ربنا» أي ينزل أمر ربنا، أو رحمة ربنا، أو ملائكة ربنا. هكذا قالوا. هذا صرف للفظ عن ظاهره، وهو خلاف الظاهر، ثم كذلك أيضا هو خلاف الأصل، وهو أن الأصل عدم التقدير، الأصل عدم التقدير، وإمرار اللفظ على ظاهره، وإبقاؤه على ظاهره. الأمر الثالث: خلاف ما عليه السلف، فإن السلف مجمعون على إثبات هذه الصفة لله جل وعلا. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الحديث، وسمعه الصحابة، وما حرفوا هذا اللفظ عن ظاهره، ما قالوا: المراد بالنزول نزول الأمر أو الملائكة أو الرحمة. وأيضا أن نزول الأمر والملائكة والرحمة ما يتقيد في الثلث الأخير من الليل، بل ينزل في كل وقت، ينزل في كل وقت. أيضا مما يبطل هذا التحريف أن الله -النبي عليه الصلاة والسلام- أخبر أن الله عز وجل يقول: «هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟». وهل هذا يقوله الأمر أو تقوله الملائكة؟ الجواب: لا، لا يقول ذلك ولا يملك ذلك إلا الله سبحانه وتعالى. فبهذا يتبين أن المراد بقوله: «ينزل ربنا» أنه على ظاهره، وأن الذي ينزل هو الرب جل وعلا، نزولا يليق بجلاله سبحانه وتعالى. وورد في بعض ألفاظ هذا الحديث بعض الألفاظ المخالفة لهذا اللفظ، في بعضها: في الثلث الأول. والرواية الصحيحة: «إذا بقي الثلث الأخير» أو «في الثلث الأخير من الليل». وما ورد من الألفاظ غير هذا اللفظ فهو شاذ، ما ورد من الألفاظ غير هذا اللفظ فهو شاذ. فالصحيح هو هذا اللفظ: أن ربنا جل وعلا ينزل في الثلث الأخير من الليل. وكذلك أيضا مما رد به أهل الأهواء والتعطيل: أنهم أدخلوا عقولهم في هذه الصفة، ومثلوا صفة الخالق بالمخلوق، فقالوا: كيف ينزل في الثلث الأخير؟ فعند قوم يكون عندهم ليل، وآخرون عندهم نهار، ثم ينقلب الوقت والزمن، فيكون في ذلك الوقت ليل، وفي ذاك الوقت نهار. فهل معنى هذا أنه يكون في سائر الأوقات وهو نازل؟ فيقال: الذي يجب أن نؤمن بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من غير إدخال العقول في ذلك. وكذلك أيضا أن الله عز وجل أعلم بنفسه سبحانه وتعالى، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بأنه ينزل، فنحن نؤمن بذلك. وكيفية النزول لا نعلمها، ما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف ينزل، لكن أخبرنا أنه ينزل، فنحن نؤمن بذلك، نؤمن بذلك. وأما عن الأمور الغيبية التي لا نعلمها ولم نطلع عليها، فإننا نكل أمرها إلى الله سبحانه وتعالى. وإلى لو قيل لهؤلاء: أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال عبدي: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي» الحديث؟ كم من الناس من المسلمين من يقرأ الفاتحة في سائر الأوقات؟ فما يقال في هذا يقال في صفة النزول، وفي غيرها. وأيضا هناك مسألة ذكرها أهل العلم، وهي مسألة: هل يخلو العرش عند نزول الرب جل وعلا؟ للسلف في هذه المسألة ثلاثة أقوال: منهم من قال: يخلو العرش عند نزوله. ومنهم من قال: لا يخلو. ومنهم من توقف، وهو ما ذهب إليه الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله، وكذلك أيضا العلامة ابن عثيمين رحمه الله. ولعل هذا أقرب؛ لأنه لم يرد في الشرع شيء في ذكر هذه المسألة، فالتوقف فيها هو الأقرب للصواب. فلا يقال: هل يخلو العرش أو لا يخلو؟ نقول: ينزل ربنا كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، ونؤمن بذلك، ونقف عند هذا الحد. قال: وقوله: «يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة»، أراد رحمه الله، من ذكره هذا الحديث إثبات صفة العجب. وهذا الحديث: «يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة»، رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر، وهو حديث ضعيف، فيه عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف. لكن ثبت في الصحيح في حديث أبي هريرة في قصة الضيف، حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد عجب الله -أو ضحك- من فلان أو فلانة»، فأنزل الله جل وعلا: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾. وأيضا في قول الله جل وعلا: ﴿بل عجبت ويسخرون﴾، في قراءة ثابتة صحيحة عن ابن عباس: ﴿بل عجبت﴾ بالضم. فصفة العجب من الصفات الفعلية الثابتة لله جل وعلا، صفة تليق بجلاله، لا تماثل صفات المخلوقين. وأهل التحريف والتعطيل حرفوا هذه الصفة، قالوا: لأن العجب لا يكون إلا من خفاء الأسباب، فلما يرى الإنسان شيئا قد خفي عليه يعجب منه، والله عز وجل لا يخفى عليه شيء، والله عز وجل لا يخفى عليه شيء، إذن لا نثبت العجب لله سبحانه وتعالى. ورد أهل السنة على تحريف هؤلاء: بأن العجب على نوعين: عجب يكون لخفاء الأسباب، يكون لخفاء الأسباب، فلا يعلم بها المرء، فإذا رآها تعجب. وهذا منفي عن الله جل وعلا؛ لأن الله عز وجل خالق الأسباب والمسببات، فلا يخفى عليه شيء. وعجب يكون لخروج الشيء عن نظيره، مع علم المتعجب به. وهذا هو الثابت لله سبحانه وتعالى. فلهذا نثبت صفة العجب لله سبحانه وتعالى، صفة تليق بجلال الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: وقوله: «يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر، ثم يدخلان الجنة». هذا الحديث أراد رحمه الله إثبات صفة الضحك لله جل وعلا. والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخلان الجنة: يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد فيدخل الجنة». فقوله: «يضحك الله»، أثبت النبي صلى الله عليه وسلم صفة الضحك لله جل وعلا. وهي أيضا من الصفات الفعلية الثابتة لله، المتعلقة بمشيئة الله سبحانه وتعالى. وأهل التحريف حرفوا هذه الصفة، قالوا: المراد بالضحك الرضا، المراد بالضحك ماذا؟ الرضا؛ لأن الإنسان لا يضحك بشيء أو بسبب شيء إلا إذا كان راضيا عنه، إذا كان راضيا به. فقالوا: ضحك الله بمعنى رضا الله. والمقصود بالرضا الثواب؛ لأنهم حرفوا صفة الرضا كصفة الغضب، معنى بأن المقصود بها الثواب أو إرادة الثواب. فقالوا: «يضحك الله» يعني «يرضى الله» ويثيب، يثيب هذا العبد أو هذا الشيء الذي يضحك منه جل وعلا. وهو أيضا كما مر: معنى تحريف للفظ عن ظاهره، وكذلك أيضا خلاف ما عليه السلف من إثبات هذه الصفة لله جل وعلا. وصفة الخالق سبحانه وتعالى لا تماثل صفات المخلوقين. فلا يلزم من إثبات الضحك لله إثبات الفم والأسنان واللسان والآخر ذلك مما هو للمخلوق؛ لأن الله جل وعلا لا يماثله شيء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وكما مر: أن المعطلة ما عطلوا حتى مثلوا، لما وقعوا في التمثيل وقعوا في التعطيل، أرادوا أن ينزهوا الله جل وعلا فوقعوا في تعطيل الصفات. قال: فهذا وما أشبهه مما صح سنده، وعدلت رواته، نؤمن به، ولا نرده، ولا نجحده -يعني لا نكذب به-. ومن كذب بصفة من صفات الله مع ثبوتها، وعلمه بذلك، وهو كابر -كما قال إسحاق بن رهويه رحمه الله-: «من رد حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم صحته، فقد كفر». قال: «ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره» -يعني لا نفسره بتفسير على خلاف ظاهره- سواء كان هذا التحريف تحريفا للفظ، أو كان تحريفا للمعنى. كقول الله جل وعلا مثلا: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾، هذه الآية حرفها أهل التحريف بتحريف معناها، وتحريف لفظها. أما تحريف اللفظ: وذلك بنصب لفظ الجلالة «وكلم الله موسى تكليما»، فجعل الله جل وعلا هو المكلم، والذي تكلم هو موسى. وهذا تحريف للفظ. والتحريف للمعنى: قالوا: المراد بقول الله جل وعلا: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾، قالوا: المراد بالكلام هنا ليس الكلام، كلام إنما المراد به معنى التجريح، أي جرحه بمجارح الحكمة، جرحه بمجارح الحكمة. هذا تعريف للمعنى. كلاهما باطل؛ فإن الآية: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾، الله عز وجل هو الفاعل المتكلم، وكذلك أيضا «تكليما» مصدر مؤكد للفعل، أن المراد به حقيقة الكلام. قال: «ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بصفات المحدثين» -يعني بصفات المحدثين أي المخلوقين- يعني: الإنسان مخلوق محدث بعد أن لم يكن. ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير، أي لا يماثله شيء جل وعلا، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ليس كمثله شيء. رد على الممثلة. وهو السميع البصير رد على المعطلة. وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال، فإن الله تعالى بخلافه. وهذا هو التكييف: أن الإنسان يكيف صفة الله جل وعلا في ذهنه أنها كذا وكذا، بشيء ليس له مثيل في الواقع، هذا هو التكييف. ومهما تخيل العبد صفة الله جل وعلا بما يعني يظهر في باله وخياله، فالله جل وعلا أعظم من ذلك، ولا يحيطون به علما. فإذا كان التخيل لهذه الصفة بشيء موجود في الواقع، فهذا هو التمثيل. وكلهما منفي عن الله جل وعلا: التمثيل والتكييف. وهكذا أيضا ما يترتب عليهما من التعطيل والتحريف، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.