الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 8، ألقاها
يُثبت الله تعالى لنفسه صفة الرضا والمحبة في آيات متعددة وتُثبت السنة النبوية ذلك أيضا. يُناقش المقطع آراء أهل الأهواء في تحريف هذه الصفات.
الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تثبت أن الله جل وعلا يحب عباده المؤمنين ويحبونه. أهل التعطيل حرفوا هذه الصفة بينما الجهمية نفوا أن الله يحب أو يحب.
يشرح المقطع مفهوم العبادة الصحيحة التي تشمل المحبة والرغبة والرهبة، ويوضح مراتب المحبة وعلاقة الخلة بالعبادة. أهل السنة والجماعة يثبتون صفة المحبة لله تعالى.
المقطع يبدأ بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر احترامًا وتقديرًا للنبي وأتباعه. يُعتبر هذا الدعاء تقليدًا إسلاميًا شائعًا.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحرم رحمه الله في كتابه "لمعة الاعتقاد" في ذكره لآيات الصفات: قال وقوله تعالى ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ذكر رحمه الله هذه الآية ليستدل بها على إثبات صفة الرضا لله جل وعلا. فالله جل وعلا أخبر عن نفسه باتصافه بهذه الصفة، وأنه جل وعلا يرضى عن عباده من أهل الإيمان وأهل التقوى من الصلاة والاستقامة. قال الله جل وعلا ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، ورضى الله جل وعلا على قسمين: رضى عن العمل، ورضى عن العامل. رضى عن العمل كقوله جل وعلا ﴿إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ يعني يرضى شكركم، وهو عمل. وكذا أيضا قوله جل وعلا ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وقول النبي عليه الصلاة والسلام "إن الله يرضى لكم ثلاثا". ورضى عن العامل كما في هذه الآية ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. والرضى من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله، المتعلقة بمشيئة الله جل وعلا. وثبتت هذه الصفة كما سمعنا في الكتاب وفي السنة. وكذلك أيضا أجمع السلف على إثبات صفة الرضى لله جل وعلا. ومن السنة قول النبي عليه الصلاة والسلام "إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا"، وقول عليه الصلاة والسلام "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها" رواه مسلم. وغير ذلك من الأدلة. وأهل الأهواء من المعتزلة والجهمية والأشاعرة حرفوا هذه الصفة، فقال الجهمية والمعتزلة: المراد بالرضى الثواب. وقال الأشاعرة: إرادة الثواب. فقوله جل وعلا ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ يعني أثابهم أو أراد إثابتهم. وهذا باطل؛ لأنه صرف للفظ عن ظاهره، صرف للفظ عن ظاهره. وكذلك أيضا خلاف ما عليه السلف من إثبات هذه الأدلة وهذه الآيات والنصوص على ظواهرها، وإثبات صفة الرضى لله جل وعلا. فقوله ماذا مردود. وكذلك أيضا لا توجد قرينة أو مانع يمنع من حمل اللفظ على ظاهره حتى يقال: إن المراد بالرضى الثواب. فهذا القول ليس بصحيح. والثواب إنما هو من ثمرات الرضى، من ثمرات رضى الله جل وعلا أن يثيبهم، وليس الثواب هو الرضى نفسه، بل الرضى صفة لله جل وعلا. قال رحمه الله: وقوله تعالى ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ذكر رحمه الله هذه الآية ليستدل بها على إثبات صفة المحبة لله جل وعلا. فأخبر الله جل وعلا عن نفسه أنه يحب، وأنه يحب. أن الله جل وعلا يحب يعني عباده المتقين والمؤمنين والمحسنين والمتطهرين، كما أخبر الله جل وعلا في آيات عديدة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، وهكذا أيضا قوله جل وعلا في هذه الآية ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. وهكذا أيضا قوله جل وعلا ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. فالله عز وجل أثبت لنفسه صفة المحبة. نعم، هكذا أيضا قول الله جل وعلا ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. إذن هذه الآيات تدل على أن الله جل وعلا يحب، وأنه جل وعلا يحب عباده المؤمنين، ويحبه عباده المؤمنون. وهكذا يرى في السنة ثبت في أحاديث كثيرة إثبات صفة المحبة لله جل وعلا. ومن أحاديث علي رضي الله عنه في قول النبي عليه الصلاة والسلام "لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله". إذن صفة المحبة ثابتة لله، وأن الله جل وعلا يُحِب ويُحَبُ. وأصل العبادة هي المحبة والذُل. أصل العبادة هي غاية المحبة والذُل، كما قال الملقين رحمه الله: "عبادة الرحمن غاية حبه مع ذُل عابده هما قطبان". فأصل العبادة هي محبة الله جل وعلا، والذُل له، والخضوع له، وتذلل، والانكسار بين يديه سبحانه وتعالى. وكذلك أيضا ينبغي أن نعلم أن ليس الشأن أنك تحب، كما أن الشأن أن الله عز وجل يحبك. هذه هي الغاية العظيمة التي ينبغي أن يسعى لها العبد، أن يتخذ الأسباب والطاعات والعبادات والقربات التي بها ينال محبة الله، ويحبه الله جل وعلا. وذلك باتخاذ محاب الله جل وعلا، والسعي بتحصيلها، والمحافظة عليها، والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بها، حتى يحبك الله، حتى يحبك الله جل وعلا. وإذا أحبك الله حبب إليك سائر الخلق، كما في حديث ابن هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إني أحب فلانا فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله أحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض". فصفة المحبة ثابتة لله جل وعلا، صفة تليق بجلال الله سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء، هو السميع البصير. وأهل التعطيل حرفوا هذه الصفة، فقالوا: المراد بالمحبة هو الثواب أو إرادة الثواب، كما قالوا في الرضا. قالوا: يحبهم يعني يثيبهم أو إرادة الثواب، كما يقول الأشاعرة. قالوا: لأن المحبة فيها ميل المحبوب لمن يحب، وهذا لا يليق بالله جل وعلا. فلذلك حرفوا هذه الصفة ولم يثبتوها لله جل وعلا. وهذا في الحقيقة إنما وقعوا فيه بسبب التمثيل. لما مثلوا صفة الله جل وعلا بصفة المخلوق، فأرادوا تنزيه الله جل وعلا، فوقعوا في التعطيل. ولهذا كما قال من أهل العلم: كل معطل ممثل، كل معطل ممثل. فما عطل إلا بعد أن اعتقد بصفات الله جل وعلا التمثيل، أن تماثل صفات المخلوقين. فأراد أن ينزه الله جل وعلا، فوقع في التعطيل. وإلا فلو أثبت صفة المحبة لله جل وعلا، صفة تليق بجلال الله، من غير تمثيل ولا تكيف ولا تعطيل، لما وقعوا في هذا التحريف الباطل. والجهمية نفوا أن الله عز وجل يحب أو يحب، قالوا: الله عز وجل لا يحب ولا يحب. لا يحب، وهولا كما قال المنقيم رحمه الله: قطاع طرق المحبين، قطاع طرق المحبين. والله عز وجل كما سمعنا يحب، كما أنه يحب جل وعلا، كما أخبر سبحانه وتعالى في هذه الآيات، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام في سنته. والمؤمن الموحد يعبد الله عز وجل محبة لله جل وعلا، ورغبة في ثوابه، ورهبة من عقابه. هذا حال المؤمن. وأما من أحب الله من غير رهبة ورغبة، فهو على باب ضلال. فمن الناس من ربما يعبد الله محبة من غير رغبة أو رهبة، يقول: أنا أعبد الله محبة فقط، لا رغبة في ثوابه ولا رهبة من عقابه، كما يقوله بعض غلات الصوفية أو لا ظلال. أو من يقول: أنا أعبد الله جل وعلا محبة في ثوابه، لا رهبة من عقابه. وهذا أيضا قول باطل. فالعبادة الصحيحة الشرعية ما كانت ما فيها محبة الله جل وعلا مع الرغبة والرهبة. قال الله جل وعلا في عباده المؤمنين: بل وصف الأنبياء ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. كذلك أيضا أنه تثبت لله جل وعلا كذلك صفة الخلة، وهي مرتبة من مراتب المحبة. فإن المحبة مراتب، كما ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه "روضة المحبين"، ذكر أن من مراتب المحبة الإرادة، وكذلك أيضا الصبابة والغرام والعشق والخلة والمحبة والمودة. ولي تثبت لله جل وعلا من هذه المراتب المودة والمحبة والخلة، وأعلاها الخلة. ولهذا الله عز وجل اتخذ إبراهيم خليلا، وكذلك أيضا اتخذ نبينا عليه الصلاة والسلام خليلا. قال الله عز وجل ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا". ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. فأخبر عليه الصلاة والسلام أنه خليل الله كإبراهيم عليه السلام. والخل كما سمعنا أرفع من المحبة، وكما يقول القائل: "لقد تخللت مسلك الروح مني، ولذا سمي الخليل خليلا". والذين يقولون بأن النبي صلى الله عليه وسلم حبيب الله وإبراهيم خليل الله، هذا في الحقيقة نفس في حق النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الخل كما سمعنا أرفع من المحبة. وما ورد في الحديث أن الله عز وجل اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم حبيبا أو أنه حبيب الله، فهو حبيب ضعيف لا يصح. والصحيح كما ثبت في الصحيح أنه خليل الله. فهذه الصفة كما سمعنا ثابتة لله جل وعلا. ولهذا أثبت أهل السنة والجماعة صفة المحبة لله جل وعلا. ومما يدل أيضا على ثبوتها، وأن المراد بقول "يحبهم" صفة المحبة لا معنى الثواب، حديث أبي هريرة الذي ذكرناه سابقا، في قول عليه الصلاة والسلام: "إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل: إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحب أهل السماء". هل يمكن أن يكون المعنى هنا إرادة الثواب أو معنى الثواب؟ أبدا ما يصلح. "إن الله يثيب فلانا فأثيبوه"، فينادي جبريل في أهل السماء: "أن الله يثيب فلانا فأثيبوه". هل يملكون الملائكة الثواب؟ الجواب: لا. الثواب بيد الله جل وعلا، هو الذي يثيب العباد ويجازيهم بالحسنات وبالسيئات. إذا المراد هنا صفة المحبة. إلهنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.