شرح لمعة الإعتقاد 23

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 23، ألقاها

خلق الجنة والنار وبقاؤهما

الجنة والنار مخلوقتان ولا تفنيان، وهو قول أهل السنة والجماعة. استدل الإمام على ذلك بآيات قرآنية.

أقوال العلماء حول أبدية النار

تنوعت آراء الفرق والفلاسفة حول أبدية النار بين القول بفناء النار وبقاءها. أهل السنة والجماعة يؤمنون ببقاء النار.

موقع الجنة والنار والموت في الآخرة

الجنة في أعلى عليين والنار في أسفل سافلين. يؤتى بالموت على هيئة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحرم رحمه الله، من كتابه «لومعة الاعتقاد»: «والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة مأوى أوليائه، والنار عقاب لأعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون، إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون، لا يفتر عنهم، وهم فيه مبلسون». ذكر رحمه الله في هذا الموضع ما يتعلق بالجنة والنار، وذكر أنهما مخلوقتان وأنهما لا تفنيان. الجنة في اللغة هو البستان الكثير الأشجار، وفي الشرع هي دار المتقين التي أعدها الله جل وعلا في الآخرة لأوليائه والعباد المؤمنين. والنار في اللغة هي النار المعروفة ذات اللهب والإحراق، وفي الشرع هي دار العقاب التي أعدها الله جل وعلا في الآخرة للكافرين والمجرمين. فذكر رحمه الله أن الجنة والنار مخلوقتان، يعني الآن هما مخلوقتان موجودتان. واستدل على ذلك بقول الله جل وعلا في النار: ﴿أعدت للكافرين﴾، وقوله في الجنة: ﴿أعدت للمتقين﴾. والإعداد هو التهيئة، والتهيئة لا تكون إلا لشيء موجود. لما يقول لك شخص مثلا: «أعددت لك طعاما»، معنى ذلك أن الطعام موجود، مهيأ وجاهز للأكل. فإخبار الله جل وعلا عن الجنة والنار بأنهما أعدتا، هذا دليل على أنهما مخلوقتان وموجودتان الآن. هذا قول أهل السنة والجماعة، خلافا للمعتزلة. فالمعتزلة قالوا: يخلقهما الله جل وعلا في الآخرة، أما الآن فخلقهما عبثا. فأنكروا أن تكون الجنة والنار مخلوقتين الآن، وهذا خلاف قول أهل السنة والجماعة. قال: «لا تفنيان»، يعني لا تفنى الجنة ولا تنتهي، وكذلك أيضا النار لا تفنى ولا تنتهي. واستدل على ذلك بكثير من الأدلة. في الجنة مثلا، قول الله جل وعلا: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها حولا﴾، وهكذا أيضا قوله جل وعلا: ﴿أكلها دائم وظلها﴾، وكذلك أيضا قول الله جل وعلا: ﴿جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا﴾. وآيات كثيرة في ذكر خلود الجنة وأبديتها وبقائها وعدم فنائها. وكذلك في النار، ذكر الله جل وعلا أبديتها في ثلاثة مواضع في القرآن، في قوله جل وعلا في سورة النساء: ﴿ولا يهديهم سبيلا إلا سبيل جهنم خالدين فيها أبدا﴾، وفي سورة الأحزاب قال الله جل وعلا: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا﴾، وفي سورة الجن قال: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا﴾. فأخبر الله جل وعلا بأبدية النار، وأن أهلها الذين هم أهل وحقيقة الكفار، مخلدون فيها أبدا. وهذا معنى قوله: «مخلوقتان والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان». لما ذكر قوله: «لا تفنيان»، لأن هناك من أهل الأهواء من قال بفناء النار، بل بفناء الجنة والنار. ومن ذلك قول الجهمية، قالوا بأنها تفنى، أي النار، ولا يبقى فيها أحد. وهناك أقوال أخرى في أبدية النار، من هذه الأقوال قول ابن عربي إمام الاتحادية، الذي قال بأن أهل النار يعذبون فيها، ثم تتلاءم أجسادهم مع النار، فيصبحون يتلذذون بها، ولا يشعرون بعد ذلك بالعذاب. ابن عربي المنكر الزنديق، إمام من أئمة الصوفية. ومنها كذلك أيضا قول اليهود، فاليهود قالوا بأنهم من دخلها أيام معدودة ثم يخرجون، ويخلفهم غيرهم، كما أخبر الله جل وعلا عنهم، وقالوا: ﴿لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾. وقولهم باطل: ﴿قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾. وهكذا أيضا قول الفلاسفة الذين ينكرون وجود النار، الفلاسفة ينكرون وجود النار من أصله. وكذلك أيضا قول الخوارج والمعتزلة، الذين يقولون بأن من دخلها لا يخرج منها أبدا، حتى عصاة الموحدين، لأنهم كما تعلمون يكفرون صاحب الكبيرة. قالوا: فصاحب الكبيرة يدخل النار ولا يخرج منها أبدا. وهناك أيضا من الأقوال أنهم يقولون بأن من فيها يخرجون، وتبقى النار ليس فيها أحد، تبقى النار ليس فيها أحد. وهناك أيضا قول ينسب إلى الإمام ابن القيم، وهو القول بفناء النار دون الجنة. وفي بعض ذكر هذا القول أن المراد بالنار نار الموحدين التي يدخلها أهل التوحيد، ويعذبون فيها من عصاة المؤمنين، إذا خرجوا منها تفنى هذه النار. له قول ذكر هذا القول في كتاب «حادي الأرواح»، ونسبه أيضا إلى شيخ الإسلام. وله قول آخر في كتابه «الوابل الصيب»، يقول بعدم فناء النار. وهكذا أيضا شيخ الإسلام له قولان، قول بفناء النار، والقول الآخر بعدم فنائها، وهذا هو الأصح القول بعدم فناء النار، للأدلة الكثيرة الدالة على أبدية النار. وقد نقل شيخ الإسلام رحمه الله الإجماع على أن الجنة والنار والعرش والكرسي والقلم لا تفنى. هذا القول قول أهل السنة، هو بقاء الجنة والنار، وأنهما لا تفنيان، وأن من دخلها من أهل التوحيد خرجوا، ويبقى فيها أهلها، وهم الكفار مخلدون فيها أبدا أبد الآباد. قال: «فالجنة مأوى لأوليائه، والنار عقاب لأعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون». إلى آخر ما ذكر رحمه الله. فأين الموضع؟ الجنة والنار دلت الأدلة على أن الجنة في أعلى عليين، والنار في أسفل سافلين. قال الله جل وعلا: ﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين﴾. وفي حديث البراء الطويل يقول الله جل وعلا: «أكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض». وأما النار ففي أسفل سافلين، قال الله جل وعلا: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾. وفي حديث البراء يقول الله جل وعلا: «أكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلاء». قال: «ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت». وهذا ورد في صحيح البخاري، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، جئ بالموت على هيئة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون -يعني يرفعوا رؤوسهم وينظرون- فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. ثم يذبح بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، يا أهل النار خلود فلا موت. فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، وأهل النار حسرى إلى حسرتهم». ثم قرأ عليه الصلاة والسلام: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾. وجاء بمعناه في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. فهذا الحديث أنكره بعض أهل الأهواء، قالوا: كيف يؤتى بالموت على هيئة كبش والموت شيء معنوي ليس بشيء محسوس؟ فأنكروه بعقولهم. والحديث ثابت كما سمعنا في صحيح البخاري. والله عز وجل على كل شيء قدير، الله قادر أن يقلب الأشياء المعنوية ويجعلها محسوسة، ولا يعجزه جل وعلا شيء. فالموت مع كونه شيء معنوي، يجعله الله سبحانه وتعالى في الآخرة شيئا محسوسا يكون على هيئة كبش، ثم يذبح بين الجنة والنار. وبعضهم قال: «يؤتى بالموت»، قال: المراد ملك الموت. حدث ملك الموت، وقال: «الموت»، هذا باطل، هذا باطل، هذا باطل، خلاف لظاهر الحديث وظاهر الأدلة. ومنهم من قال: إنه يعني يذبح حقيقة، لكنه شيء خيالي ليس بحقيقة، شيء عبارة عن خيال لا حقيقة له، هذا أيضا باطل. بل هو شيء حقيقي كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، والله جل وعلا على كل شيء قدير. طيب، نقف إن شاء الله هنا إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على