الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 2، ألقاها
يجب الإيمان بكل ما جاء في القرآن والسنة من صفات الرحمن وتلقيها بالتسليم والقبول. يُشدد على اتباع نهج الراسخين في العلم.
يجب الإيمان بصفات الله كما وردت في الكتاب والسنة دون ردها أو تأويلها. يجب إثبات الصفات لفظا وترك التعرض لمعناها إذا أشكل الأمر.
يشرح معنى المحكم والمتشابه في القرآن، ويبين أن الراسخين يؤمنون بالمتشابه دون اتباعه للتأويل الخاطئ. بينما يتبع أصحاب الزيغ المتشابه لتحريف معاني القرآن.
اختلف العلماء في تفسير الواو في آية بين كونها استئنافية أو عاطفة، وكلتا القراءتين صحيحة. هذا يظهر تعدد وجهات النظر في تفسير القرآن.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله في كتابه «لمعة الاعتقاد»: قال: «وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن، وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل، وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعا لطريق الراسخين في العلم، الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذنب، ثم حجبهم عما أمّلوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه، بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. ذكر رحمه الله في هذا الموضع أنه يجب الإيمان بكل ما جاء في القرآن، وما صح في السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام من آيات وأحاديث الصفات، فالواجب الإيمان بها، وتلقيها بالتسليم والقبول. وقوله: «من صفات الرحمن»، قوله «صفات الرحمن» هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف، لأن الإضافة على نوعين: إضافة أعيان، وإضافة معان. فإضافة الأعيان إضافتها إلى الله جل وعلا من إضافة المخلوق إلى الخالق، وإضافتها إلى الله إضافة خلق وتشريف، وضابطها: كل عين قائم بنفسها، فإضافتها إلى الله جل وعلا من إضافة المخلوق إلى الخالق، كبيت الله، وناقة الله. والقسم الثاني: إضافة المخلوق إلى الخالق، وهي الأوصاف التي لا يمكن أن تقوم بنفسها، وإنما تضاف إلى الموصوف الذي وصف بها، فإضافتها إلى الله جل وعلا إضافة الصفة إلى موصوفها. ومن ذلك صفات الله جل وعلا التي اتصف بها سبحانه وتعالى، فيجب الإيمان بها، وتلقيها بالتسليم والقبول، وترك التعرض لها بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل. الرد بمعنى التكذيب لها، وعدم الإيمان بها، كان يقول مثلا: الله عز وجل يخبر بأنه له يدان، فيقول: ليس لله يدان، ويرد هذه الآية، وما دلت عليه من إثبات الصفة لله جل وعلا من غير تأويل، يعني ليس هناك دليل على ذلك، وإنما رده بهواه وكذب به، فهذا يعتبر من الكفر. والتأويل والمراد به هنا بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره، أن التأويل يأتي بمعنى التفسير، يأتي بمعنى التفسير، كقوله جل وعلا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ يعني بتفسيرها. ويأتي كذلك أيضا بمعنى عاقبة الأمور وحقائقها وما تأول إليه، مثل قوله جل وعلا: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ يعني يوم أن يقع حقيقته. وهذا الذي ورد به الكتاب والسنة مجيء التأويل بمعنى التفسير، وبمعنى ما تأول إليه الأمور. وهناك معنى ثالث وهو الذي سيستعمله المتأخرون من أهل الكلام، وهو بمعنى التحريف وصرف اللفظ عن ظاهره. وقوله: «والتشبيه والتمثيل»، التشبيه يعني تشبيه صفة الله جل وعلا بصفة خلقه، تشبيه صفة الخالق جل وعلا بصفة خلقه، أن يجعل صفة الخالق مشابهة لصفة المخلوق. والتمثيل أن يجعل صفة الخالق مثل صفة المخلوق. والفرق بين التمثيل والتشبيه أن التشبيه يكون ببعض الصفات، والتمثيل يكون في جميع الصفات. ولو أن المؤلف اقتصر على نفي التمثيل دون ذكر التشبيه لكان ذلك كافيا، لأنه الذي ورد به النص: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فالله عز وجل نفى التمثيل، وذلك أبلغ في نفي المماثلة بين الخالق وبين المخلوق. وقوله: «وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا وترك التعرض لمعناه»، يقول: ما كان من آيات أو أحاديث الصفات فيها شيء من الإشكال والخفاء والالتباس، فنثبت اللفظ الذي ورد، ونترك التعرض لمعناه. ولعل مراد المؤلف رحمه الله ترك التعرض لمعناه، يعني من المعاني الباطلة التي أثبتها أهل الأهواء، وليس مراده ترك التعرض لمعناه بمعنى تفويض المعنى، لأن هذا مذهب المفوضة، مذهب المفوضة الذين يقولون: نحن نفوض المعاني، نثبت الألفاظ ونفوض المعاني. ثم ذكر رحمه الله قول الله جل وعلا: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وهذه الآية التي بعدها: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، وهذه الآيات في سورة آل عمران، في قول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. فأخبر الله جل وعلا أن كتابه الذي أنزله على نبيه عليه الصلاة والسلام ينقسم إلى قسمين: محكم ومتشابه. المحكم يعني الواضح البين الذي لا خفاء فيه ولا التباس فيه. والمتشابه المراد به في هذا الموضع ما فيه خفاء والتباس. ومنه قول الله جل وعلا عن أصحاب بني إسرائيل حين قالوا: «إن البقرة تشابه علينا» يعني تلتبس علينا. فهو المراد في هذا الموضع بمعنى الخفاء والالتباس. والراسخون في العلم يؤمنون بما أخبر الله جل وعلا به، ولا يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل بأن يضرب القرآن بعضه ببعض، أو يظهر أن القرآن فيه تناقض، كما يفعل أهل الأهواء وأهل الزيغ والضلال. فالله عز وجل أخبر عن الراسخين في العلم، وقبل ذلك قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ يعني فيهم مرض وشبهة وميل عن الحق والهدى، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ يعني ابتغاء تفسيره بغير تفسيره الصحيح. وقوله جل وعلا: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، اختلف أهل التفسير هل الواو في قوله «والراسخون» واو الاستئناف، فيكون الوقف عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، أو أن الواو عاطفة، فيكون القراءة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. قال بهذا بالأول بأنها استئنافية جمهور أهل العلم والتفسير، وقال بالقول الثاني أن الواو عاطفة أيضا جماعة من السلف، كلا القراءتين صحيحة. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.