شرح لمعة الإعتقاد 7

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 7، ألقاها

إثبات صفة النفس لله تعالى وتفسيرها

يتناول إثبات صفة النفس لله تعالى من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويشرح اختلاف أهل السنة في تفسير المراد بالنفس. يُوضح أن هناك قولين رئيسيين في تفسير هذه الصفة.

تفسير الآيات المتعلقة بصفات الله جل وعلا

يناقش تفسير الآيات التي تذكر صفات الله جل وعلا مثل النفس والمجيء والإتيان، ويرد على أهل التحريف والجهمية الذين يحرفون معاني هذه الصفات. يؤكد على إثبات هذه الصفات لله جل وعلا على الوجه اللائق به.

الرد على تحريف أهل التعطيل لصفة المجيء والإتيان

يتناول تحريف أهل التعطيل لصفة المجيء والإتيان لله عز وجل، ويبين بطلان تفسيرهم بمجيء أمر الله. يشرح أن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تثبت أن المجيء هو مجيء الرب سبحانه وتعالى بنفسه.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمامنا قدامة رحمه الله في كتابه "لمعة الاعتقاد" في ذكره لبعض آيات الصفات: قال، وقوله تعالى إخبارا عن عيسى عليه السلام أنه قال: "تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك". ذكر رحمه الله هذه الآية للاستدلال بها على إثبات صفة النفس لله تبارك وتعالى. وقد ورد ذكر النفس في آيات متعددة، وفي أحاديث كثيرة منها قول الله جل وعلا: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾، وهكذا أيضا قوله جل وعلا: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾. وورد أيضا ذكر النفس في السنة، كقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جويرية عند الإمام مسلم: "سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته". وفي حديث أبي ذر في صحيح الإمام مسلم، الحديث القدسي: "عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا". وهكذا أيضا في صحيح الإمام مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول في دعائه: "وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". وهكذا أيضا في حديث أبي هريرة كذلك بالصحيحين في قوله عليه الصلاة والسلام يقول الله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي». الحديث، فهذه النصوص كلها فيها ذكر النفس لله جل وعلا، وفي بعضها إضافة النفس إلى الله سبحانه وتعالى. واختلف أهل السنة وأهل الحديث في المراد بالنفس في هذه الأدلة على قولين. القول الأول: أن المراد بها ذات الله جل وعلا، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ونسب هذا القول إلى الجمهور من أهل العلم، أن المراد بالنفس الذات. فقوله: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ يعني ذاته، ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ أي على ذاته، وليس المراد إثبات صفة الذات المجرد عن الصفات، بل ذاته جل وعلا المتصفة بصفات الكمال. والقول الثاني: أن المراد بالنفس صفة من صفات الله جل وعلا التي اتصف الله جل وعلا بها، كغيرها من الصفات كالسمع والبصر والحياة والعلم والقدرة وغيرها. وهذا القول ذهب إليه الإمام ابن خزيمة رحمه الله في كتاب التوحيد، وهكذا الإمام البغوي رحمه الله، وهكذا الإمام ابن قدامة كما في هذه الرسالة وفي غيرها، وهكذا أيضا جمع من المعاصرين كشيخ العثيمين رحمه الله، إلى أن النفس صفة من صفات الله جل وعلا. وإذا قيل بأنها صفة من صفات الله جل وعلا كما ذهب إليه هؤلاء العلماء، فإنها تثبت لله جل وعلا كغيرها من الصفات، تليق بجلال الله سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولا تماثل صفات المخلوقين. ولا يعتقد أن النفس التي هي صفة لله جل وعلا كنفس المخلوق، كالنفس التي اتصف بها المخلوق التي هي عبارة عن روحه التي في جسده، وأنها تنفصل عنه، فهذه الأمور لا تماثل صفات الله جل وعلا. وأهل التحريف قالوا: إنما ذكرت النفس في هذه الآية "تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك" من باب المشاكلة، لما ذكر النفس للمخلوق وهو عيسى عليه السلام ذكر جل وعلا النفس وأضاف إلى نفسه من باب المشاكلة. وهذا أسلوب من أساليب اللغة العربية التي تستعمل في البلاغة أن يذكر اللفظ مشاكلا ومماثلا للفظ الذي قبله، وأن يريد به معنى آخر. مثل قول الله جل وعلا: ﴿فجزاء سيئة سيئة مثلها﴾، فسمى جل وعلا الجزاء على عمل العبد وما فعله من السيئات سيئة من باب المشاكلة. فهكذا قالوا في هذه الآية. وهذا القول ضعيف، ويرد عليهم بالآيات الأخرى التي ذكرت فيها النفس من غير مقابلة، كقوله جل وعلا: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾، وهنا لا يوجد لذكر النفس مقابل حتى نقول أنها من باب المشاكلة ولا يراد حقيقتها، وهذا القول باطل. وكذلك أيضا الجهمية قالوا: إنما أضيفت النفس إلى الله جل وعلا من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، من باب إضافة الخلق إلى خالقه سبحانه وتعالى، وأن المراد بالنفس غير الله جل وعلا، وهذا باطل أيضا، وهو واضح البطلان، لأن قوله جل وعلا: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾، لو قلنا أن النفس غير الله لكان المعنى كتب ربكم على غيره الرحمة، وهذا لا شك أنه ليس بصحيح. وهكذا أيضا "تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك" سيكون المعنى لا أعلم ما في نفسي غيرك، وهذا وإن كان صحيحا، لكن أيضا يقال في قول الله جل وعلا: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ سيكون المعنى ويحذركم غيره، فهذا تحريف للفظ ولهذه الصفة، وهو قول باطل. والصحيح كما سمعنا أن النفس يراد بها ذات الله جل وعلا المتصف بصفات الكمال، وإن قلنا بأنها صفة من صفات الله، فإنها تثبت لله جل وعلا على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى. قال، وقوله سبحانه: ﴿وجاء ربك﴾، وقوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾، ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله هاتين الآيتين ليستدل بهما على صفتي المجيء والإتيان. وصفتي المجيء والإتيان من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله سبحانه وتعالى، متى ما شاء جل وعلا فعلهما، وهي من الصفات الثابتة لله جل وعلا، لأن الله أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام. فلذلك نثبتها لله جل وعلا على الوجه اللائق به، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فنثبت أن الله جل وعلا يجيء ويأتي مجيئا وإتيانا يليق بجلاله وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف. وحرّف أهل التعطيل هذه الصفة وهاتين الصفتين، قالوا: إن المراد بالمجيء والإتيان مجيء وإتيان أمر الله، "وجاء ربك" أي جاء أمر ربك، "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله" أن يأتيهم أمر الله. قالوا ذلك لأن الله عز وجل قد ذكر مجيء الأمر في آيات أخرى كما في قول جل وعلا: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾، قالوا إذن المراد بالمجيء والإتيان هنا مجيء أمر الله جل وعلا. وهذا لا شك أنه قول باطل، فهو أولا صرف للفظ عن ظاهره، والأصل أن يثبت اللفظ على ظاهره بما دل عليه من أحكام أو صفات. وكذلك أيضا أن الأصل عدم التقدير، فكونه يقدر "جاء أمر الله" فالأصل عدم ذلك وإبقاء اللفظ على ظاهره. الأمر الثالث: أن هذا القول خلاف ما قاله السلف، وما عليه إجماع السلف من إمرار هذه الآيات على ظاهرها من غير تحريفها أو تعطيلها. وكذلك أيضا أن قولكم أن المراد به الأمر كما في الآية "أتى أمر الله" فيقال في هذه الآية أخبر الله سبحانه وتعالى بمجيء أمره فيكون المراد به أمر الله، وأما في هذه الآيات فأخبر الله بمجيءه وإتيانه، فإننا نثبت لله جل وعلا المجيء والإتيان كما أخبر الله سبحانه وتعالى به عن نفسه. وكذلك أيضا أن الله جل وعلا فرق بين مجيءه ومجيء الأمر كما في قوله سبحانه: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾، ففرق الله سبحانه وتعالى بين مجيءه وبين مجيء بعض آياته. وكذلك أيضا أن قولهم المراد به مجيء الأمر يبطله سياق الآية وما دلت عليه من مجيء الرب سبحانه وتعالى بنفسه للقضاء بين خلقه، قال جل وعلا: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر﴾، هذا يخبر الله سبحانه وتعالى به أنه سيقع يوم القيامة، يأتي الله جل وعلا مجيئا وإتيانا يليق بجلاله في ظلل من الغمام، أي مع ظلل من الغمام، أي السحب، ويقضي بين عباده، وهذا القضاء والحكم لا يكون إلا لله جل وعلا، وليس لأمره، فالأمر لا يحكم بين الناس ولا يقضي بين الناس، فدل هذا على أن المراد به مجيء الرب سبحانه وتعالى. ويدل عليه أيضا قول النبي عليه الصلاة والسلام بحديث أبي هريرة وغيره في الصحيحين، حين يقول عليه الصلاة والسلام: "حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله أتاهم الله جل وعلا"، فهذا صريح بأن المجيء هو مجيء رب جل وعلا. زد على ذلك أيضا أن قولهم بأن المراد به مجيء الأمر، فأمر الله جل وعلا لا يخص بوقت معين، وليس هو مخصوصا بيوم القيامة، بل أمر الله جل وعلا يجيء وينزل في كل وقت وفي كل زمان، ولا يخص بيوم القيامة. إذن الصحيح هو إثبات هاتين الصفتين لله جل وعلا، صفة المجيء وصفة الإتيان بما يليق بجلال الله جل وعلا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على