الدرس في التعليق على منظومة السير إلى الله للسعدي 3، ألقاها
السعداء يجمعون بين الخوف والرجاء في سيرهم إلى الله، ويترددون بينهما في أمورهم. الخوف من الله يدفع إلى طاعته والرجاء يحث على الاستمرار في العمل الصالح.
المؤمنون يجمعون بين الخوف والرجاء مثلما مدح الله أنبياءه بذلك، فيخافون من عقاب الله ورجاء مغفرته. يجب على المؤمن الجمع بين الخوف والرجاء عند عمل الطاعات.
ينبغي للعبد أن يكون بين الخوف والرجاء في حال صحته، ويغلب جانب الرجاء عند المرض أو الموت. المقطع ينتهي بدعاء الله بالتوفيق لطاعته وسير النبي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعيد رحمه الله في منظومته «السير إلى الله والدار الآخرة»: «وهم الذين بنوا منازل سيرهم بين الرجاء والخوف للديان». قال رحمه الله: أي ساروا في جميع أمورهم مستصحبين وملازمين للخوف والرجاء، وذلك أن لهم نظرًا، أي نظر إلى أنفسهم وتقصيرهم في حقوق الله، يحدث لهم الخوف، ونظر إلى منن الله عليهم وإحسانه إليهم يحدث لهم الرجاء. وأيضًا ينظرون إلى صفات العظمة والجلال والحكمة والعدل، فيخافون على أنفسهم من ترتب آثارها، وينظرون إلى صفات الرحمة والجود والكرم والإحسان، فيرجون ما تقتضيه. فإن فعلوا حسنة جمعوا بين الخوف والرجاء، فيرجون قبولها ويخافون ردها، وإن عملوا سيئة خافوا من عقابها ورجوا مغفرتها بفضل الله، فهم بين الخوف والرجاء يترددون، وإليهما دائمًا يفزعون، ومنهما في أمر سيرهم مترددون، فأولئك الذين أحرزوا قصب السبق، وأولئك هم المفلحون. أشار رحمه الله في هذا البيت، وهو يصف ويذكر صفات السعداء الذين سعدوا في الدارين وكانوا من أهل الفلاح والنجاح، أن من صفاتهم أنهم كانوا في سيرهم إلى الله سبحانه وتعالى، وفي طاعتهم لله جل وعلا، يجمعون بين الرجاء والخوف، فيرجون رحمة الله جل وعلا وعفوه ومغفرته، ويخافون عذاب الله جل وعلا وعقابه. فكانوا ملازمين لهاتين العبادتين العظيمتين في سيرهم إلى الله جل وعلا، وذلك أنهم نظروا إلى أنفسهم وتقصيرهم في حقوق الله جل وعلا، وعدم قيامهم بها على وجه الأكمل، وربما قصروا في بعض الواجبات، فهذا يحدث لهم الخوف، الخوف من المؤاخذة والعقوبة، فيورث ذلك لهم المسارعة في طاعة الله سبحانه وتعالى. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» رواه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. ومعنى أدلج: أي أسرع، إذا خاف العبد من ربه سبحانه وتعالى ساقه ذلك إلى الخوف، إلى المسارعة في مرضاة الله جل وعلا، والمبادرة إلى فعل طاعة الله سبحانه وتعالى. ولهذا مدح الله عز وجل عباده المؤمنين بخوفهم منه، وأخبر أن خوفهم من الله جل وعلا ساقهم إلى أن كانوا من أهل التقوى، ونالوا بذلك رضى الله عز وجل والفوز بالجنة. قال جل وعلا: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾. وقال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾. وهكذا أيضًا نظر إلى منن الله سبحانه وتعالى عليهم مما من الله عليهم من النعم العظيمة الدينية والدنيوية التي توجب لهم شكر الله عز وجل على نعمه، وهكذا أيضًا ما أحسن الله سبحانه وتعالى به عليهم، وهذا مما أوجب لهم الرجاء أن يرجو عفو الله عز وجل ومغفرته ورحمته. وهكذا أيضًا كذلك لهم نظر آخر، وهو النظر في عظمة الله سبحانه وتعالى، وما له جل وعلا من صفات الكمال والجلال والعظمة، ما يورث كذلك أيضًا الخوف من الله سبحانه وتعالى، فكانوا على إثر ذلك سائرين إلى الله جل وعلا جمعًا بين الخوف والرجاء. وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه العبد، أن يكون في سيره إلى الله جل وعلا يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين، الخوف والرجاء. ولهذا مدح الله عز وجل أنبياءه بذلك في قوله: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين﴾. إنهم كانوا يسارعون في الخيرات، أي في فعل الصالحات والأعمال الطيبات، ويدعوننا رغبًا ورهبًا، رغبًا فيما عند الله جل وعلا من الثواب ورجاء ذلك، ورهبًا خوفًا من عقاب الله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضًا خوفًا من عقوبة الله سبحانه وتعالى لهم. ولهذا قال أهل العلم: ينبغي للعبد أن يجعل الخوف والرجاء في سيره إلى الله جل وعلا كجناحي الطائر، الذي إذا اختل أحد جناحيه اختل طيرانه. وكذلك إذا اختل أحد هذين الأمرين في سير العبد إلى الله اختل استقامته وصلاحه. فمن غلب جانب الخوف أوقعه ذلك في بدعة الخوارج، وصار خارجيًا، ومن غلب جانب الرجاء أوقعه ذلك في بدعة المرجئة، ومن جمع بين الخوف والرجاء كان سنيًا سلفيًا، فلا بد من الجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين. ولهذا قال رحمه الله: «فإذا فعلوا حسنة جمعوا بين الخوف والرجاء، فيرجون قبولها ويخافون ردها». هذا حال المؤمن، كما قال الله عز وجل: ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾. أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون، هذا وصف لأهل الإيمان الذين يعملون الأعمال الصالحة وهم يخافون ألا تقبل منهم، فجمعوا بين الخوف والرجاء. وجاء في الصحيح أن عائشة رضي الله عنها قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله، ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾، أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله؟» قال: «لا، يابنتي، ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف ألا يقبل منه». فالمؤمن يجمع بين الإحسان والخوف، والمنافق يجمع بين الإساءة والأمن. فالمؤمن يحسن الأعمال، ويتقرب إلى الله جل وعلا بأنواع الطاعات والقربات، وهو في نفس الوقت يخاف ألا يتقبل الله عز وجل منه، وأن يعاقبه ويؤاخذه. قال الإمام الحسن البصري رحمه الله: «المؤمن جمع بين إحسان العمل وبين الخوف، والمنافق جمع بين الإساءة والأمن». وإن عملوا سيئة خافوا من عقابها، ورجوا مغفرتها. فينبغي للعبد أن يكون بين الخوف والرجاء في سيره إلى الله جل وعلا في حال صحته وعدم مرضه. فإذا مرض أو أتاه الموت، فينبغي أن يغلب جانب الرجاء. فإذا كان العبد على هذا الحال في سيره إلى الله، جامعًا بين الخوف والرجاء، فليعلم أنه على خير عظيم. فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن -يعني عند الموت- إلا أمنه الله مما يخاف، وأعطاه ما يرجو». والذي ينبغي أيضًا أن يغلب جانب الرجاء، كما جاء في صحيح الإمام مسلم في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه». فنسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ويجعلنا جل وعلا ممن يسير في سيره إليه جامعين بين الخوف والرجاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.