التعليق على منظومة السير إلى الله للسعدي 9

الدرس في التعليق على منظومة السير إلى الله للسعدي 9، ألقاها

منزلة رعاية حقائق الإيمان ومشاهد الإحسان

يتحدث عن أهمية رعاية العبد لأعماله وحرصه على صحتها وكمالها، ويبين أن حفظ العمل أعظم من العمل نفسه.

مراعاة منة الله والخوف والرجاء في قبول الأعمال

ينبغي للعبد شكر الله على توفيقه للأعمال الصالحة مع الخوف من ردها بسبب العجب أو الرياء أو التكبر، ويأمل قبولها برحمة الله.

أسباب رد الأعمال الصالحة ووجوب الإخلاص

الرياء والكبر وعدم القيام بحق النعم من أسباب رد الأعمال الصالحة، والمؤمن يجب أن يخلص عمله لله ويجاهد نفسه على الرياء.

أثر الإيمان والعمل الصالح في السير إلى الله تعالى

المراعات العظيمة في الأعمال سبب للسير إلى الله بالتوفيق للإيمان والعمل الصالح والمحافظة عليهما، وهذا يؤدي إلى الفوز والنجاح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في منظومته «السير إلى الله والدار الآخرة»: «قال رعو الحقائق والمشاهد كلها خوفا على الإيمان من نقصان». قال: هذه منزلة الرعاية لحقائق الإيمان ومشاهد الإحسان، وذلك أن العبد لا ينبغي له أن يعرض عن تدبر أحواله والتفكر في نقص أعماله، بل يبذل جهده قبل العمل، وفي نفس العمل، وتصحيحه وتحسينه، ثم يصونه من المفسدات وينزهه عن المنغصات، فإن حفظ العمل أعظم من العمل. فكلما ازداد العبد رعاية لعمله واجتهادا فيه ازداد إيمانه، وكلما نقص من ذلك نقص من إيمانه بحسبه. يشير رحمه الله بهذا البيت إلى أن من صفات هؤلاء السعداء أنهم كانت لهم عناية عظيمة بأعمالهم، والحرص على صحتها، وكذلك كمالها، وعدم الوقوع في شيء مما يخل بأعمالهم. فلهذا كانوا يبذلون جهدهم قبل العمل في تحصيل هذا العمل وفعله، ثم في نفس العمل بتصحيحه وتحسينه، بأن يكون عمله على وجهه الأكمل، وذلك بفعل هذا العمل بأركانه وواجباته وشروطه ومستحباته، فيؤديه على أكمل وجه ليس فيه شيء من النقائص، فضلا أن يكون فيه شيء من المفسدات التي تفسد العمل. ومن أعظم مفسدات الأعمال الرياء، فهم مخلصون في أعمالهم لله سبحانه وتعالى، لا يريدون بأعمالهم مدح الناس وثناءهم، وإنما يريدون ما عند الله جل وعلا. وهكذا أيضا ينزهون أعمالهم عن منقصات الأعمال، والمنقصات لها، وما يخدش العمل من تضييع لبعض واجباته، أو كذلك أيضا ترك لبعض ما ينبغي أن يعمله في هذا العمل. وأشار رحمه الله إلى أن حفظ العمل أعظم من العمل، كون المسلم والمؤمن يحافظ على عمله هذا أعظم من حرصه على العمل. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾، لم يقل: أيكم أكثر عملا. فإن حسن العمل وصفاء العمل هذا أعظم من الإكثار من الأعمال مع وجود الخلل فيها. فلهذا ينبغي أن يحافظ المسلم على أعماله، وإن كانت قليلة، فعمل قليل مع أدائه على أكمل وجه أفضل من الأعمال الكثيرة مع وجود الخلل فيها. وأشار كذلك رحمه الله أن العبد إذا ازداد رعاية لعمله وحفظا له واجتهادا في بلوغ هذه المنزلة كان ذلك سببا في زيادة إيمانه، كما أنه إذا أنقص هذه المرتبة من رعاية الأعمال فلم يبالي يؤدي العمل ولا يبالي ولا يحرص على أن يؤديه على وجه الأكمل، فلا شك أنه سيقع في عمله ما يقع من الخلل، وهذا سبب في نقص إيمانه. قال رحمه الله: من أعظم ما ينبغي مراعاته في العمل مشهد الإحسان، وهو الحرص على إيقاع العبادة بحضور قلب وجمعيته على الله، وهذا هو لب العبادة وأصلها وأساسها. ولهذا مدح الله جل وعلا المؤمنين الخاشعين في صلاتهم، قال: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾. فليس المقصود أن تصلي فقط، وأن تركع وتسجد، كما أن المقصود أن تكون خاشعا في صلاتك، مستحضرا ومتدبرا لهذه العبادة، أنك تقف بين يدي الله جل وعلا وتناجي ربك سبحانه وتعالى، فتكون حاضر القلب في الصلاة، لا جسدا بلا قلب، بل جسدا مع حضور القلب. قال: وكذلك مراعاة منة الله على العبد، وأنه ينبغي له أن يشكر الله على توفيقه لذلك العمل أعظم شكر، يعني يعترف بقلبه ويؤمن أن ما أوصله إلى هذه المنزلة من المحافظة على هذه الأعمال وأدائها على وجهه الأكمل هو فضل من الله سبحانه وتعالى ومنه، امتن الله عز وجل بها عليه، قال جل وعلا: ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمن علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾. فهذه منة من الله جل وعلا ينبغي للعبد أن يشكر الله عز وجل عليها إذ وفقه لذلك، فيعظم لله جل وعلا شكرا. قال: وكذلك مراعاة الخوف والرجاء، يخاف من ردها بعجب أو رياء أو تكبر بها أو عدم قيام بحقها أو غير ذلك، ويرجو قبولها برحمة ربه ومنه وإحسانه إليه الذي من جملته توفيقه لها. وهكذا أيضا مراعاة الخوف والرجاء، يعني في أداء الأعمال التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، فهو يؤديها مع خوف في قلبه من ردها، أي رد هذا العمل وعدم قبوله، لأن هذا هو المقصود من الأعمال. وكذلك أيضا الذي ينبغي أن يعتني به العبد والمؤمن والمتقي هو أن يقبل الله سبحانه وتعالى عمله، والله عز وجل يقول: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾. ولذلك قال علي رضي الله عنه: «كونوا لقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل، فإن الله يقول: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾». ولذلك كان السلف رحمهم الله يؤدون الأعمال ويسارعون ويتسابقون في التقرب إلى الله جل وعلا بالأعمال الصالحة، وقلوبهم ممتلئة خوفا ألا يتقبل منهم، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾. قال: يخاف من ردها بعجب، ربما يصيبه العجب بتوفيق الله سبحانه وتعالى له، مثلا بأداء الصلوات والمحافظة عليها في بيوت الله جل وعلا في أوقاتها، ربما يقع في قلبه العجب والغرور، فيكون ذلك سببا في رد عمله وعدم قبوله. أو كذلك أيضا في باب الصدقات والإنفاق والبذل والعطاء، فقد يدخل العجب في قلبه، فيكون ذلك سببا في رد عمله. وهكذا أيضا في باب طلب العلم وتحصيله، إذا وفقه الله سبحانه وتعالى لذلك وفتح عليه، فينبغي أن يشكر الله عز وجل على هذه النعمة، وأن يخاف من أسباب ذهابها وعدم قبولها، ومن ذلك العجب والغرور، أن يقع في قلبه العجب، فيكون ذلك سببا في حبوط عمله، وجعل هذه النعمة من العلم وبالا عليه ونقمة بدلا من أن يكون نعمة. قال: أو رياء، كذلك أيضا دخول الرياء في الأعمال، ينبغي أن يكون العبد المؤمن التقي على خوف عظيم من وقوع الرياء في أعماله، لأن الرياء مبطل للأعمال. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أخف ما خاف عليكم الشرك الخفي»، فسئل عنه، فقال: «الرياء». والرياء أن يرائي المرء في عمله، فيقصد بعمله من صلاة أو صدقة أو طلب علم أو تعليم أو أمر بمعروف أو نهي عن المنكر أو غير ذلك من الأعمال، يقصد بذلك مرآة الناس، ويريد بذلك مدح الناس وثناءهم على أعماله، فهذا من الشرك الخفي كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، الذي ربما يخفى على صاحبه، فيكون سببا في إبطال أعماله. فلذلك المؤمن يكون خائفا، وليس معنى هذا أن يترك العمل خوفا من الرياء، لا، هو يعمل الأعمال ويحرص ويجاهد نفسه على إخلاص الأعمال لله، ومع ذلك يكون في قلبه الخوف من وقوع الرياء في عمله. قال: أو تكبر بها، أيضا من أسباب رد الأعمال الكبر، أن يصيبه الكبر بسبب ما وفقه الله عز وجل له من هذه النعمة، ومن ذلك على سبيل المثال العلم، فإن العلم قد يوقع صاحبه في الكبر، وذلك إذا لم يخلص في طلبه للعلم، ولم يرد بتعلمه ما عند الله جل وعلا من الأجر والثواب، وأن يرفع الجهل عن نفسه، وأن ينفع الناس ويعلمهم مما علمه الله سبحانه وتعالى. فإنه إن لم تكن عنده هذه النية الصادقة الخالصة، فإن العلم يزيده غرورا وتكبرا. ولهذا قال مالك بن دينار رحمه الله: «من طلب العلم لله كسره، ومن طلبه لغير ذلك زاده فخرا». من طلب العلم لله كسره، أي كسره هذا العلم وجعله ذليلا متواضعا لعباد الله، متواضعا للخلق، لماذا؟ لأن طلبه لله، فزاده هذا العلم تواضعا وذلا. وإذا طلبه لغير ذلك، لأن العلم يرفع صاحبه، فهو إذا طلبه لغير الله زاده بذلك فخرا وتكبرا وغرورا، فيكون ذلك سببا في حبوط عمله، وكذلك أيضا تنقلب هذه النعمة نقمة عليه. قال: أو عدم قيام بحقها، أي عدم قيام بحق هذه العبادة والطاعة الذي وفقه الله سبحانه وتعالى لها. فمثلا إذا وفقه الله جل وعلا أن كان غنيا، فتح الله عز وجل عليه في باب الأموال، هذه نعمة تحتاج إلى شكر، ومن شكر هذه النعمة صرف هذه الأموال في طاعة الله، وإخراج ما يجب، وإخراجه من زكاة وصدقة تؤدى إلى من يستحقها، وهكذا بذل ما يستطيع من هذا المال في طرق الخير، وكذلك أيضا السبل الموصلة إلى رضا الله سبحانه وتعالى. وهكذا العلم إذا وفق الله عز وجل طالب العلم بطلب العلم وتحصيله، ففتح الله عز وجل عليه، فمن حق هذا العلم أن يعلمه وينشره للناس، وكذلك أيضا يبذل ما بوسعه من تعليمهم ورفع الجهل عنهم. فإذا لم يفعل ذلك ربما كان ذلك سببا في حرمانه لهذه النعمة التي من الله سبحانه وتعالى بها عليه. قال: أو غير ذلك، ويرجو قبولها برحمة ربه ومنه وإحسانه إليه الذي من جملته توفيقه لها. يعني مع وجود الخوف من رد هذا العمل بأي سبب من أسباب الرد، كذلك أيضا في قلبه رجاء قبول هذا العمل من الله، وأن الله جل وعلا يتقبل منه برحمته سبحانه وإحسانه وفضله، لا أنه يستحق ذلك أو أنه كذلك أهلا بذلك، وإنما بفضل من الله ورحمة وفضل من الله سبحانه وتعالى. فإذا كان عنده هذه المراعات العظيمة في أعماله، فذلك سبب عظيم للسير إلى الله جل وعلا على طريق ماذا؟ الإيمان بالله جل وعلا والعمل الصالح والمحافظة على الأعمال في زيادتها، وفي كذلك أدائها على أكمل وجهها، والبعد عن أسباب نقصانها وما يخدشها، وما يكون سببا كذلك في ردها وإبطالها. فهذا مما يوفقه للفوز والنجاح في الدنيا والآخرة. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على