الأمثال في القرآن الكريم 15

الدرس في الأمثال في القرآن الكريم 15، ألقاها

معنى إعراض الناس عن التذكرة والموعظة

يشرح المقطع معنى إعراض الناس عن التذكرة والموعظة وخطر ذلك. يشبه المعرضين بالحمر الوحشية التي تنفر من الأسد أو الرامي.

عقوبة الإعراض عن ذكر الله تعالى

من أعرض عن ذكر الله فإن له معيشة ضنكا في الدنيا، وسيحشر يوم القيامة أعمى. الإعراض عن ذكر الله يشمل ترك الفرائض والواجبات والمستحبات.

عاقبة المعرضين يوم القيامة

المعرضون عن ذكر الله يحشرون يوم القيامة عميانا، جزاء إعراضهم عن آيات الله الكونية والشرعية. الجزاء من جنس العمل.

ختام الدرس بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاء للتوفيق لطاعة الله وذكره، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يشكل ختاماً مناسباً للدرس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة﴾. يذكر الله جل وعلا في هذه الآية مثل من أعرض عن التذكرة وعن الذكر والموعظة. وأن حاله كحال الحمر، الحمر جمع حمار، والمراد بها الحمر الوحشية، التي إذا رأت القسورة - وهو الأسد أو الرامي الذي يريد صيدها - نفرت منه نفورا شديدا وهربت. فشبه الله جل وعلا المعرض عن التذكرة أن حاله كحال هذه الحمر المستنفرة. فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة، يعني في نفورهم وإعراضهم عن سماع التذكرة والموعظة والانتفاع بها، وهي من الهدى والحق الذي ينتفعون به ويجب سماعه، فهم ينفرون منه ويعرضون ويهربون ويذهبون، حالهم كحال هذه الحمر إذا رأت الأسد أو الرامي نفرت منه نفورا شديدا. وفي قوله جل وعلا: حمر مستنفرة، ولم يقل حمر نافرة، هذا فيه بيان يعني شدة نفورها، حتى إنها ليستنفر بعضها بعضا في النفور والهروب، يستنفر بعضها بعضا. وهكذا حال المعرض عن ذكر الله والمعرض عن ذكر الله جل وعلا على خطر عظيم، فإن من أعرض عن ذكر الله أعرض الله عنه، أعرض الله جل وعلا عنه. كما جاء بحديث «بواقد الليثي» رضي الله تعالى عنه الصحيح، لما جاء ثلاثة نفر والنبي صلى الله عليه وسلم في حلقة مع أصحابه، فوجد أحدهم فرجة في الحلقة فجلس، والآخر جلس خلفها، والثالث خرج. فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من حديثه، قال: «ألا أخبركم بخبر النفر الثلاثة؟» قال: نعم يا رسول الله. قال: «أما الأول فآوى، فآواه الله»، أي الذي جلس بالحلقة. «وأما الثاني فاستحيا، فاستحيا الله منه»، يعني فعفى عنه وغفر له. «وأما الثالث فأعرض، فأعرض الله عنه». والله عز وجل يقول: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾. قال: ربي لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا؟ قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها. وكذلك اليوم تنسى. ذكر الله جل وعلا هنا يشمل الفرائض والواجبات والمستحبات، كما قال الله جل وعلا: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾. فالصلاة من ذكر الله، والصيام من ذكر الله، والزكاة من ذكر الله، والحج من ذكر الله، وكل الفرائض والواجبات والمستحبات هي من ذكر الله جل وعلا. فالمعرض عن ذكر الله جل وعلا له معيشة ضنكا، أي في الدنيا معيشة مليئة بالنكد والضيق والحرج بسبب الإعراض عن ذكر الله جل وعلا، لأن ذكر الله والقيام بطاعته حياة للقلوب وطمأنينة للصدور، كما قال الله جل وعلا: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾. فمن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، وإن كان من في الدنيا من أهل الأموال ومن أهل التجارات، لكن ذلك لا ينفعه ولا يذهب عنه الضيق الذي يجده في قلبه بسبب الإعراض عن ذكر الله جل وعلا. وانظر إلى حال الكثير من الكفار الذين يعيشون في هذه الدنيا عيشة هنية، يعني من متاع الدنيا من الراحة والسعة المعيشة في المسكن والمأكل والمشرب، ومع ذلك يجدون من الضنك والضيق ما لا يعلمه إلا الله، حتى إن بعضهم يأول به الأمر إلى أن ينتحر ويقتل نفسه من الضيق الذي يجده في قلبه وفي صدره. هذا الضيق بسبب الإعراض عن ذكر الله وعن الإيمان والتوحيد والهدى. ثم يحشر يوم القيامة أعمى، قال: رب لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا في الدنيا أبصر وأنظر وأرى؟ قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، كنت أعمى عن الهدى وأعمى عن النور عن الإيمان. أتتك آيات الله الكونية بما خلق الله عز وجل في هذا الكون من المخلوقات العظيمة من شمس وقمر وبحار وجبال وغيرها من الآيات الدالة على وجود الله جل وعلا وعلى ربوبيته وألوهيته، فلم تتعظ بها ولم تعتبر بها. وأتتك آيات الله جل وعلا الشرعية فيما أنزل الله عز وجل من الوحي والقرآن على نبيه عليه الصلاة والسلام الدال على توحيد الله جل وعلا وعلى الإيمان به ورغوبية وألوهيته، فلم تنتفع بذلك ولم تبصرها ولم تستفد منها. كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى، يعني في الآخرة ينسى بمعنى يترك ويهمل، كما أنه ترك آيات الله فلم يرفع بها رأسا ولم يعمل بما فيها، فإنه يترك يوم القيامة فيهمل، لا يقبر له ولا يرحم، ولا كذلك أيضا أن ينجيه إلا جل وعلا من عذابه وعقابه. والجزاء من جنس العمل، هذا جزاء المعرضين، هذا جزاء المعرضين الذين أعرضوا عن ذكر الله جل وعلا مع الإيمان والتوحيد والهدى والقيام مما فرض الله وأوجب الله سبحانه وتعالى أن يعرض عنه ويترك ويهمل يوم القيامة. وإذا ترك الله جل وعلا العبد فمن الذي ينصره؟ ومن الذي يؤيده؟ ومن الذي يحفظه؟ إن ترك الله عز وجل حفظه وتأييده ونصره ورعايته، فمن الذي يرعاه؟ وإذا قذله الله فمن الذي يؤيده؟ فهذا من كمال الخذلان الذي يحصل للعبد بسبب الإعراض عن ذكر الله جل وعلا. فنسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يجعلنا جل وعلا من الذاكرين له، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على