الدرس في القواعد والأصول الجامعة 57، ألقاها
القاعدة تنص على أن الأحكام قد تتبعض بحسب تفاوت أسبابها، وتوضح ذلك بمثال الشهادات في ثبوت المال وحد السرقة.
المقطع يشرح قاعدة فقهية تتعلق بتفاوت الأحكام بحسب تفاوت أسبابها، مثل ثبوت ضمان المال دون حد السرقة بشهادة رجل وامرأتين.
يتناول المقطع أحكام الخلع واختلافها بناءً على من يدعيه، حيث يختلف الحكم إذا ادعاه الزوج عن إذا ادعته الزوجة.
تم اختتام الدرس مع الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالصلاة والسلام، ويعد هذا الختام إشارة إلى انتهاء الحصة الحالية.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في كتابه «القواعد والوصول الجامعة»: القاعدة الحادية والثلاثون: «قد تتبعض الأحكام بحسب تفاوت أسبابها». قال: وهذه قاعدة لطيفة تستدعي معرفة مآخذ المسائل، ومعرفة عللها وحكمها، فتترتب آثارها عليها بحسب ذلك، يعني بحسب اختلاف أسبابها وحكمها وعللها، فتتبعض الأحكام، فقد توجد بعض أسباب حكم هذه المسألة، فيثبت بعض الأحكام، وتنتفي بعض الأحكام الأخرى. قال: ولهذا عدة أمثلة منها في الشهادات، إذا شهد رجل وامرأتان، أو رجل عدل وحلف معه صاحب الحق، ثبت المال لتمام نصابه دون القطع في السرقة، لأنه لا يثبت إلا برجلين. يقول: في الشهادات إذا شهد رجل وامرأتان، أو رجل عدل وحلف معه صاحب الحق، ثبت المال لتمام النصاب، يعني نصاب الشهادة، لأن الشهادة في الأموال تثبت بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتان، أو شاهد مع يمين المدعي. يقول: إذا شهد رجل وامرأتان، طيب هذا الآن سبب من أسباب ثبوت الأموال، شهادة رجل وامرأتان، أو رجل عدل مع يمينه. قال: وحلف معه صاحب الحق، يعني المدعي، لأن المدعي عليه البينة، أتى بشاهد وحلف هذا المدعي اليمين مع هذا الشاهد، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشاهد مع اليمين. قال: هنا وحلف معه صاحب الحق، ثبت المال لتمام نصابه، يعني وجد الآن نصاب الشهادة الذي يثبت به المال. الآن ادعى فلان -زيد- على عمر، ادعى زيد على عمر أن عمر أخذ منه مالا، قلنا لزيد هات البينة، أتى برجل وامرأتان، أو نقول مثلا أن عمر سرق من زيد مالا، قلنا لعمر هات البينة، قال: عندي رجل وامرأتان فشهدوا بذلك، أو عنده شاهد واحد مع يمينه، فشهد هذا الشاهد وحلف زيد اليمين أن عمر سرق منه مال، هنا الآن كمل نصاب الشهادة، فيثبت بهذه الشهادة هذا المال، يثبت بهذه الشهادة هذا المال، فنقول الآن ثبت هذا الحق لزيد عند عمر، فنطالب عمر برد هذا المال. قال: ثبت المال لتمام نصابه دون القطع في السرقة، لأنه لا يثبت إلا برجلين. الآن المال ثبت أنه عند عمر، طيب هل نثبت بهذه الشهادة حد القطع؟ لأنه إذا ثبتت الشهادة في السرقة ترتب عليها أمر، الأمر الأول ضمان المال، والأمر الثاني إقامة حد القطع، قطع يد السارق، فعندنا الآن أمران، ضمان المال وحد السرقة، فبهذه الشهادة التي ذكرنا يثبت بها القسم الأول، وهو ضمان المال، ولا يثبت بها النوع الثاني، وهو حد السرقة، لماذا؟ لأن حد السرقة لا يثبت إلا بشهادة رجلين، إلا بشهادة رجلين، هنا ما عندنا رجلان، عندنا رجل وامرأتان، أو رجل مع يمين المدعي، فهذا يثبت به بعض الأحكام، وهو ثبوت المال، دون ماذا؟ دون حد القصاص. فهنا الآن كما ذكر في هذه القاعدة تتبعض الأحكام بحسب تفاوت أسبابها، فهنا لما وجدت هذه الشهادة ثبت ضمان المال دون حد القطع، لأنه لا يثبت إلا بشهادة رجلين، فهنا تبعض الحكم، ثبت حكم المال وضمان المال دون ماذا؟ دون حد السرقة، هذا معنى هذه القاعدة. قال: وكذلك إذا أقر بالسرقة مرة واحدة ثبت المال دون القطع، لأنه لا بد فيه من إقرار مرتين، وهذا على المشهور عند الحنابلة، أنه لا بد في إقامة حد السرقة من إقرار السارق بالسرقة أكثر من مرة، لكن المشهور أو الصحيح خلاف ذلك، لكن على ما ذكر المؤلف رحمه الله، هنا إذا شهد أو أقر بالسرقة مرة واحدة، ثم أبى أن يقر في المرة الثانية، فهنا يقول: يثبت المال دون القطع، إذا أقر مرة واحدة فقط، قال: أنا سرقت المال، قيل: أم متأكد من ذلك؟ تقر بهذا؟ فسكت ولم يكرر الإقرار مرة أخرى، قالوا: هنا يثبت المال فقط، أما حد القطع فلا يثبت حتى يشهد على نفسه مرة ثانية، وهذا أيضا من هذا الباب، فهو لما أقر مرة واحدة ثبت بعض الحكم، وهو ضمان المال، ولم يثبت الحكم الآخر، وهو حد القطع، لأنه لم يقر إلا مرة واحدة. قالوا: من ذلك دعوى الخلع، إن ادعاه الزوج وأتى بشاهد وحلف معه، أو رجل وامرأتين -والصواب: أو رجل وامرأتين- ثبت، لأنه يدعي العوض وتبين منه باعترافه. يقول: من ذلك، أي من هذا الباب، اختلاف أو تبعض الأحكام لاختلاف أسبابها، دعوى الخلع، إن ادعاه الزوج، الأصل في الخلع هو أن يكون من جهة المرأة، أن تطالب المرأة بفراق الزوج وعدم الرغبة فيه، فتطلب الفسخ وترد له ما دفع لها من مهر وتخالع منه، لكن إذا حصل أن الزوج ادعاه، ادعاه أن زوجته خالعته، أن زوجته خالعته، يقول: إن ادعاه الزوج، أتى بشاهد، أتى بشاهد، أتى بشاهد يشهد بأن امرأته خالعته، وحلف معه، أي الزوج حلف مع هذا الشاهد، الآن عندنا شاهد ويمين، عندنا شاهد ويمين، قال: أو رجل وامرأتان، أو أتى بشاهدة رجل وامرأتان أن فلان هذه خالعت زوجها، طيب ما الذي يثبت ويترتب على هذا؟ قال: ثبت، لأنه يدعي العوض وتبين منه باعترافه، ما الذي ثبت؟ أي المال، المال يثبت، لأنه أتى بالشهادة، بشهادة، يعني نصابها كامل في ثبوت هذا المال الذي دفعه للزوجة، وهو المهر، بأنها خالعته، وهم شهدوا على ذلك، إذن يلزم هذه الزوجة أن تعطي زوجها ما دفع من المهر لوجود هذه الشهادة. قال: ثبت لأنه يدعي العوض، يعني عوض ما دفعه لها من المهر، لأنه إذا ثبت الخلع، إذن الزوج يطالب الزوجة بمهره الذي أعطاها له، فهو لما أتى بالشهادة وشهدوا بأنها خالعته، وثبت الخلع حينئذ، ماذا يثبت؟ المال، بأنه يستحق المال الذي أعطاها، قال: وتبين منه باعترافه، يعني باعترافه أنها خالعته، حينئذ ينفسخ نكاحها، ينفسخ نكاحها. قال: وإن ادعته المرأة بذلك لم يثبت، لأن الخلع نصابه رجلان عدلان، يعني إذا ادعت المرأة أنها خالعت زوجها، أنها خالعت زوجها، وأتت بشهادة رجل ومرأتين، بشهادة رجل ومرأتين، أو بشهادة رجل ويمينها، لم يثبت ماذا؟ حكم الخلع، ولا تستحق بذلك شيئا، لماذا؟ قال: لأن الخلع نصابه رجلان عدلان، نصابه رجلان عدلان، وهنا لم يثبت، يعني وجود الخلع، لكن ثبت بشهادة الرجل مع يمينه، أو هكذا أيضا بشهادة الرجل مع المرأتين، ثبت المال فقط الذي يستحقه مقابل وقوع هذا الخلع، فمن جانب المرأة لا يثبت، لأنه لا بد في الخلع من نصاب الشهادة، وهما رجلان عدلان، فاختلف حينئذ الحكم لاختلاف أسبابها. طيب إلى هنا ونكمل القاعدة إن شاء الله في درس قادم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.