الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 57، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
ذكر الشيخ حافظ الحكمي أنواع الكفر في منظومته الجوهرة الفريدة، وتشمل كفر الجحود والعناد والإباء والنفاق. هذه الأنواع تشمل الإعراض والتكذيب والجحود مع العلم.
الكفر المخرج من الملة يكون بالقلب أو اللسان أو العمل أو الجوارح، وقد يكون بالاعتقادات الشركية أو سب الدين أو استهزاء بشيء من دين الله. حكم الله بالكفر على المستهزئين برسول الله وأصحابه.
المزاح له ضوابط وحدود، تجاوزه قد يؤدي إلى الكفر، الاستهزاء بدين الله أو شرعه أو رسوله يعتبر كفرا مخرجا من الملة. يمكن أن يكون الكفر بالقول أو الفعل أو حتى بالإشارات.
الانحناء نوع من السجود ومحرم شرعا، وقد جاء تحريمه في الشريعة الإسلامية. يجب الامتناع عن هذا الفعل لما فيه من مخالفة للشرع.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاهم. بعد قد ذكرنا في الدرس الماضي الأبيات التي ذكرها الشيخ العلامة حافظ الحكمي رحمه الله في منظومته الجوهرة الفريدة، والتي بيّن فيها رحمه الله تعالى أن الكفر على أنواع. ومن هذه الأنواع كفر الإعراض والتكذيب، الذي هو النوع الذي قد وقع فيه كفار قريش حين كذبوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وعرضوا عنها إعراضا كليا. ذكر رحمه الله تعالى من أنواع الكفر كفر الجحود، وهو الذي وقع من اليهود. فاليهود كفرهم كفر جحود؛ لأنهم جحدوا رسالة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام مع أنهم قد علموا في كتبهم أن نبيا سيبعث ويعلمون صفات ذلك النبي عليه الصلاة والسلام. بل كانوا يقولون لكفار قريش: سيبعث نبي وسنقاتلكم معه، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾. فجحدوا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام مع علمهم، فكان كفرهم كفر جحود؛ لأنهم علموا ولكن جحدوا. ولذلك هم مغضوب عليهم؛ لأنهم علموا الحق فلم يعملوا به. علموا بأن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام رسالة حق، ومع هذا جحدوها؛ لأنهم كانوا يريدون أن يكون النبي منهم، ليس من العرب. والله جل وعلا اصطفى نبيه عليه الصلاة والسلام محمدا من العرب الذين شرفهم جل وعلا، وأنزل القرآن بلغتهم. وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين. فكفر اليهود هو كفر جحود، كما ذكر رحمه الله تعالى. ثم ذكر بعد ذلك من أنواع الكفر كفر العناد والإباء، وهذا الذي وقع فيه إبليس اللعين حين عاند وحين تكبر واستكبر عن السجود لآدم، وقد أمره الله جل وعلا بذلك. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: أو بالإباء مع الإقرار، فهو عناد كالرجيم. إذ الملائكة قد سجدوا، يعني أن الله جل وعلا أمر الملائكة بالسجود لآدم. وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين. فإبليس أبى السجود لآدم، استكبر، وقال جل وعلا: ما منعك أن تسجد؟ أسجدت لما خلقته بيدي؟ أستكبرت أم كنت من العالين؟ فهو استكبر وتكبر وعاند. ولذلك قال جل وعلا عنه: أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين. وقال كذلك أيضا: أسجد لمن خلقت طينا. فكل هذا من العناد ومن الكبر الذي يقع فيه إبليس، وكفر بالله جل وعلا. فكفر إبليس هو كفر عناد وكفر استكبار. ثم قال رحمه الله تعالى: أو أبطن الكفر بالإسلام مستترا، فهو النفاق. فهذه أربعة أنواع، وهذا النوع الرابع من أنواع الكفر، وهو كفر النفاق، وهو الذي وقع فيه المنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فإن الله جل وعلا حين أظهر هذا الدين وأعلى رايته، وقامت دولة الإسلام في المدينة، ظهر المنافقون، أولئك الذين أظهروا الإسلام خوفا وإرادة لعصمة أموالهم ودمائهم. فما كان منهم إلا أن أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر. فهؤلاء كفرهم كفر نفاق؛ أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر. وهذا من أنواع الكفر، وهو كفر النفاق. استتروا بالإسلام، وفي الحقيقة هم منافقون. يشهدون لله جل وعلا ويشهدون للنبي عليه الصلاة والسلام، ولكن نفاقا وكذبا. إذا جاءك المنافقون قالوا: «نشهد إنك لرسول الله». والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون. اتخذوا أيمانهم جنة، أي وقاية. اتخذوا هذا الإسلام وقاية وستارا، يستترون به. وفي حقيقة أمرهم هم منافقون، أبطنوا الكفر في قلوبهم. ولذلك الله جل وعلا أطلع نبيه على هؤلاء المنافقين، فكان يعلمهم عليه الصلاة والسلام. بل نبينا عليه الصلاة والسلام جعل أو بين لحذيفة أسماء هؤلاء المنافقين، حتى أن عمر رضي الله تعالى عنه الفاروق، الذي قد عظم إيمانه، ومع هذا كان يخاف على نفسه، فيسأل حذيفة: هل سماني رسول الله عليه الصلاة والسلام مع من سمى من المنافقين؟ قال: لا، ولن أخبر أحدا بعدك. وكان الصحابة يخشون على أنفسهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم؛ لأنهم علموا أن الواجب أن يجمع الإنسان بين الخوف والرجاء، لا يغتر بأعماله. والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، أنهم إلى ربهم راجعون. فمع ما بلغوا من إيمان عظيم، وما أتوا به من طاعات عظيمة أمثال الجبال، ومع هذا قلوبهم وجلة خائفة أن لا يتقبل منهم. وهذا هو الإيمان الصحيح. كما قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، كلهم يخشى النفاق على نفسه. فمعناه أنهم على خوف عظيم مع رجائهم العظيم، فجمعوا بين الخوف والرجاء. وهذا هو الإيمان الكامل، وهذا هو الإيمان الصحيح. والعباد الصحيحة أن يكون العبد جامعا بين الخوف والرجاء، يخاف ربه جل وعلا ويرجوه سبحانه وتعالى، يرجو توبته ويخاف عقابه. أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه، فجمعوا بين الخوف والرجاء. ثم قال رحمه الله تعالى بعد ذلك: مقابلات لقول القلب مع عمل منه، وقول اللسان معه، ينعقد كذلك سائر أعمال الجوارح. فاعلم أربع قابلتها، فاستوى العدد. يعني أن الكفر يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالعمل، ويكون بالجوارح. الكفر المخرج من الملة قد يكون بالقلب، فيخرج الإنسان ويكفر بدين الإسلام، ويخرج من الملة الإسلام بالقلب. كمن يعتقد الاعتقادات الشركية، فيكون كافر عياذ بالله. إذا اعتقد بقلبه أن أحدا ينفع ويضر مع الله جل وعلا، أو كذلك يعطي ويمنع ابتداء، وأنه يملك ذلك. كحال من يقع في الشرك بالله جل وعلا حين يدعو الأموات ويطلب منهم الحوائج والنفع، ويطلب منهم دفع الضر، وهكذا. كذلك من يظن أن غير الله جل وعلا له شيء من التدبير في ملكوت الله جل وعلا. وكل ذلك من الكفر الذي يقع فيه الإنسان بقلبه. فإذا الكفر المخرج من الملة قد يقع فيه الإنسان بقلبه، فيعتقد هذه الاعتقادات الشركية، فيكفر بقلبه. وقد يكون الكفر كذلك المخرج من الإسلام باللسان، كمن سب الدين أو سب رب العالمين جل وعلا، أو سب رسوله عليه الصلاة والسلام، أو استهزأ بشيء من دين الله جل وعلا، أو سخر بشيء من شرع رب العالمين جل وعلا بلسانه تكلم، فكان في كلامه استهزاء بشيء من شرع الله أو يسب أو يستهزئ إلى آخر ذلك. وهذا كفر مخرج من الملة، يقع فيه الإنسان بلسانه. وقد حكم ربنا جل وعلا على أولئك المستهزئين الذين استهزأوا بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبرسول الله عليه الصلاة والسلام، واعتذروا بأنهم كانوا يمزحون ويلعبون. ومع هذا حكم الله جل وعلا بالكفر المخرج من الملة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾. ماذا قالوا؟ خرجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة من الغزوات، وفي سفر، فكانوا يقولون: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء. يريدون رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه. فسمعهم أحد الصحابة، فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقد نزلت عليه هذه الآيات. فكانوا يقولون للمسلمين: يا رسول الله، قلنا ذلك إنما نريد أن نقطع عناء السفر. نقطع عناء السفر؛ السفر فيه مشقة، والسفر كذا. فنقطع هذا العناء بتسلية، وهذه ما وجد شيئا يتسلون به إلا أن يقعوا في الاستهزاء وطعن في رسول الله وفي أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا قد يقع فيه طائفة من الناس، لو نتجول أن نحن نتجول، تتجول تطلق العنان، تطلق العنان للسانك بحجة أنك تمزح. لا، الصفات أصبحت أمزح. ما هو كل شيء تمزح فيه؟ الدين ما فيه مزح. تمزح شرع الله، تصف فيه. ما هو من شرع رب العالمين جل وعلا؟ أنا والله ما أقصد إلا ما أقصد إلا باب المزاح. لا، يا عبد الله، انتبه لنفسك، انتبه لنفسك. فالله جل وعلا قال: هؤلاء لا تعتذروا، قد كفرتم بعد إيمانكم. فالمزاح له ضوابط وله حد. أما إذا صار الإنسان يصل في مزاحه إلى هذه الحدود، فهذا من الخطر العظيم. فربما يقول كلمة فيها السخرية أو الاستهزاء بشيء من شرع الله جل وعلا، وغير ذلك، فيكفر بهذه الكلمة. وباب التوبة مفتوح، نعم، لكن الإنسان لا يدري هل يوفق للتوبة أو لا؟ ما يدري يا عبد الله تقول كلمة ويأتيك الأجل بعدها مباشرة. فالأمر ليس بالهين، وليس بالسهل. والوقوع في الكفر بالله سبحانه وتعالى، ولو أن باب التوبة مفتوح، ليس بالأمر الهين. ليس بالأمر الهين أن يكون قد صدر من لسانك شيء فيه السخرية بدين الله سبحانه وتعالى أو بكتابه أو بسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. أين الإيمان ذهب من قلبك في ذلك الحال الذي قلت فيه هذا الكلام؟ ولا يقف الكفر على القول باللسان حتى بالإشارات، بل بالكتابة. إذا كتب الإنسان كلاما بقلمه فيه السخرية، فيه الاستهزاء بشيء من شرع الله جل وعلا، فذلك أيضا من الكفر والعياذ بالله. سواء قاله بلسانه أو كتبه بقلمه. فكل ما يصدر من العبد إنه من الكفر، على شيء من جوارحه، يأتي به بشيء من جوارحه، فإنه من الكفر. كان بلسانه أو كان بعينه أو غير ذلك من هذه الجوارح. فذكر رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أنواع الكفر، بيّن أن الكفر المخرج من الملة قد يكون بالقلب، وقد يكون كذلك باللسان، وقد يكون بالعمل. ويكون بالعمل كمن يذبح لغير الله تقربا وتعظيما، يذبح لغير الله. أو كذلك يفعل فعلا وهو كفر بالله جل وعلا، كمن يهين المصحف مثلا. هذا عمل يعمله الإنسان، ربما يهين به كتاب الله جل وعلا، فيرمي به أو يطأه أو مثلا يكتب بعض آياته بدم الحيض، كما يفعله السحرة. هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال بأعمالهم، فمن الكفر المخرج من الملة ما يكون بالعمل. والآخر ما يكون بالجوارح الأخرى، كالسجود لغير الله جل وعلا مثلا، يضع جبهته على الأرض معظما لأحد من المعظمين أو لأحد من الناس. فهذا كفر مخرج من الملة، يسجد لغير الله جل وعلا تعظيما، يضع جبهته على الأرض. هذا عمل جارحة، وضع الجبهة على الأرض لا يكون إلا لله جل وعلا. السجود لا يكون إلا لله جل وعلا. لكن هناك سجود تحية كان مأذونا به كما في سورة يوسف، وهو التحية. ومنع في شريعتنا منع ذلك. لما قال معاذ النبي عليه الصلاة والسلام: رأينا فارس الروم يسجدون لعظمائهم. وأنت حق يا رسول الله. قال: لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظيم حقه عليها. ألا إنه لا يسجد إلا لله. فلا يسجد، لا السجود الذي هو وضع الجبهة على الأرض، ولا الانحناء. لكن الأول كفر مخرج من الملة، والثاني هو من الشرك الأصغر. وربما يفعله بعض الناس هكذا يقولون. هكذا إذا جاء أحد أو ما يفعله مثلا بعض الفنانين، يعني يحيي مثلا الجماهير، يحيي العشاق. الشاق الشاق هذا الفنان، يدخل المسرح أول ما يفعل هكذا، يسوي تحية لهم، ويصفقون له. هذا لا يجوز، وهو من الانحناء ونوع من أنواع السجود، وإن لم يكن كفرا، لكن هو محرم. وقد جاء تحريمه في شرعنا. نقف عند هذا الحد، وصلى الله وسلم مبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.